أرشيف “النهار” – فيليب تقلا، كاتم سرّ لبنان

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 17 أيلول 2019 | 06:30
فيليب تقلا (أرشيف “النهار”).

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه غسان تويني في “النهار” بتاريخ 11 تموز 2006، حمل عنوان “فيليب تقلا، كاتم سرّ لبنان”.

لا يذكر اللبنانيون سياسياً، ورجل دولة، مثل فيليب تقلا، قرر تلقائياً ان يضع حداً لحياته العامة، ان يخرج من السياسة وان يغادر منتدياتها بل مجتمعها ليعيش في عزلة حتى عن الكلام…

ولعل هذا الصمت الذي التحف به وزير الديبلوماسية اللبنانية، بل مؤسسها الحقيقي، هو اياه ما اراد ان يميز به سياسة لبنان الخارجية التي تولى وزارتها خلفا لشقيقه سليم الذي كان أحد ابرز نواب الكتلة الدستورية مما فرض نفسه به وزيراً في حكومة الاستقلال التي ترأسها رياض الصلح.

واذا كان سليم تقلا قد اسس وزارة خارجية الاستقلال التي لم يكن لها مبرر ولا وجود قبل الاستقلال، فقد حمل المحامي فيليب المشعل فور وفاة شقيقه، نائبا عن كسروان ثم وزيراً…

وفرض نفسه، بل مدرسته الى حد انه صار وزير الخارجية الذي لا غنى عنه، عهداً بعد عهد، مهما تغيّرت الازمان وتقلبت العهود. وكانت آخر حكومة تولى فيها وزارة الخارجية حكومة رشيد كرامي السداسية عام 1975، في عهد الرئيس سليمان فرنجيه، وكان توليه فيها زمام “قصر بسترس” قمة تكريس السياسة التي رسم هو “نهجها”، واستمر النهج هذا حتى في فترات انقطاعه عن الوزارة، ليكون اول حاكم لمصرف لبنان عند تأسيسه وسفيراً في الأمم المتحدة ثم في باريس.

• • •

وغني عن القول ان مدرسته استمرت حتى في العهدين اللذين انقطع عنها خلالهما، عهد الرئيس فؤاد شهاب لفترة ثم عهد الرئيس الياس سركيس… وكان ظله بل حضوره ثقيلا الى حد ان الخارجية في تلك الفترات لم يولَّ عليها الا فيليب تقلا الآخر، الاستاذ فؤاد بطرس، ضرّته في “الشهابية”.

ونكاد نقول انه كانت قد ترسّخت لقصر بسترس ما يشبه العقيدة يمكن تلخيصها، اضافة الى نهج التكتم والتحفظ الى حد الصمت، بسياسة الابتعاد عن المحاور العربية وعدم الذهاب في مصادقة الغرب الى حد الالتزام في السياسة الدولية، على حساب الابواب المفتوحة مع الشرق، ثم “عدم الانحياز” عمليا في زمن الحرب الباردة رغم ليبرالية لبنان “ولا-شيوعيته” التي ذهب العهد الشمعوني، مع مرور الدكتور شارل مالك في الخارجية، الى المزايدة فيها، بل التحريض، فكيف بالانحياز بل الالتزام؟

فقط في القضية الفلسطينية كان لبنان الديبلوماسي يكسر قاعدة الصمت، ولكن من غير تهيّج ولا تهييج، انما بالتزام كلي لحرفية السلوك العربي التوافقي الى حد الامتناع حتى عن النهي عن الخطأ ولو فاقعا، والمبادرة في الدعوة حتى لو كانت ايمانية.

سر واحد في دنيا الاسرار التي عايشتُها مع الوزير الصامت (الاكبر صمتا حتى من آية الصمت الاكبر، الجيش!)، هو حذره الغريزي من هنري كيسينجر… الى حد انه طلب مني مرة، بأكثر ما كان يقارب لهجة التعليمات: “اذا كان لك محكى مع وزير الخارجية الاميركي، فارجوه بالحاح ان ينسى وجود لبنان. لا طلب للبنان عند واشنطن غير هذا”. وكان ذلك في عهد الرئيس شارل حلو، غداة حرب حزيران 1967، وكنت آنذاك في مهمة رئاسية في نيويورك وواشنطن.

•••

سيأتي زمن يحين فيه، بصفاء ذهني ليس من السهل توافره الآن، موعد كتابة التاريخ الديبلوماسي للبنان. اذذاك سنفتقد شهادة مذكرات من فيليب تقلا يرفض بقوة ومرارة كتابتها في وجه الحاح اكثر من صديق وناشر… واذا كان اصدقاء فيليب تفهموا، عند الرفض هذا، اسبابه الخاصة، فان شيئا لن يعوّض فقدان التاريخ اللبناني المعاصر ما كان يمكن ان يكون ويصير التعبير النظري المتكامل بالتفسير الواقعي لقاعدة ذهبية هي ان عدم خوضنا في الصراعات العربية وترفعنا عن النزاعات الدولية هما الضامن الوحيد للسلم الاهلي الذي نسميه “الوحدة الوطنية” وهو من جوهر “الميثاق الوطني”، أي الدستور غير المكتوب.

ولعل في عودة فيليب تقلا الى وزارة الخارجية، بعد طول انقطاع، في اول حكومة حاولت وضع حد لحرب السنتين (مقدمة الحروب التالية والمدخل اليها) لعل في عودة فيليب تقلا اعترافا صارخا بأن السياسة التي غدا رمزها قد ادرك العهد أنها وحدها المفتاح الى السلام، حين تصير الامتداد الطبيعي العضوي للاستقلالية و”الدستورية”.

ومن يدري، فقد نكتشف، انما بعد فوات الاوان، ان فيليب تقلا غادر الحكومة لفترة من غير ان يستقيل لانه أدرك ان القرار الديبلوماسي اللبناني قد صار لا يتخذ في وزارة الخارجية اللبنانية!

ذلك يكون السر الثاني الواجب التركيز عليه، مع كل التشعبات والتداعيات.

غسان تويني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*