الرئيسية / مقالات / أرشيف “النهار” – فيروز السِحر انحنى لها القمر

أرشيف “النهار” – فيروز السِحر انحنى لها القمر

  • 19 أيار 2020 | 06:50
  • أرشيف النهار
  • مي منسى

فيروز (أرشيفية).

نستعيد في #أرشيف_النهار مقالا كتبته مي منسى بتاريخ 5 آب 2000، حمل عنوان “فيروز السِحر انحنى لها القمر”.

القمر الذي انحنى على كتفها طوال سنيّ احلامنا الرحبانية، مهللا لها من بعلبك، غيوراً على صوتها، سكراناً معنا، التقيناه في بيت الدين رفيق اسطورتها، بهي الطلة، يلوّحها بمواسمه الفتية، تلتقطه بسحرها، تذكّره بقلقها عليه ذات مرّة من ذاك الزمان: “سافرت كتير وضويت/ عمرك كلو راح/ لولا بتشفلك شي بيت/ بتقعد وترتاح…” كأنه هو الساطع على جبينها في هذا الليل الموسوم بإشارات الحب والاشتياق، يطمئنها على خلوده ويؤكد لها ديمومة حضورها وكثرة العشاق. فكلاهما من طينة، الاسطورة التي لا يشح زيتها. فيروز المنبعثة في اوراق جديدة من كتاب قدرها، هي التي وسعت بغنائها الشادي مسافات سفر واحلام للقصيدة الرحبانية، والتي سنّت اوتار حنجرتها المطواعة على رياح ثورتهم في صناعة اغنية عربية لبنانية تشهد لقيمتها الازمان، تتغرب اليوم عن ماضيها ولا تقتلع منه، ترحل فوق رياح كالتي امتطت صهوتها بالامس، تواقة الى التجديد، الى ذات ثورة تكيفت تطوافاً في مداراتها، بأحاسيسها الزكية، بطينتها المدعوكة في المآسي الكبرى، كما في الزهو الممجوج بحلاوة الدنيا، تعود بعد كل سفر الى نقطة حنينها، الى بنت السحر حارسة المندل.

الرحابنة رجال ثورة وانتفاضة بفطرتهم المبدعة، بأكاديميتهم الواسعة، نزعوا الغبار العتيق عن الاغنية. وزياد من طينتهم بمفارقاته وهجائنه. ثوري؟ بل ثائر صنع مسرحاً وموسيقى وكلمة لمّها من مهملات الحياة وعاميتها. انه على الطرف الآخر مما يصنعه المسرحيون والموسيقيون والمؤلفون. مبدع تعرى من الكنيات المألوفة ليتمكن من شق تربته بمحراثه. دفع التقاليد واقفل باب الاحلام، ليصير اقرب من الحاجات الانسانية.

فيروز وزياد معاً في بيت الدين، لا في لقاء عواطف بين ام وابن. جباران ضفرا الصوت بالموسيقى، ملتزمين بهذا العطاء الجديد لليالٍ مهرجانية ثلاث هبّ الالوف من لبنان والعالم العربي لحضورها. مدى نصف قرن تمرّينا في صوت فيروز، في هذا الثالوث الذي بدّل مجرى الاغنية ومفهومنا لها. وها نحن الليلة نسعى الى هذا الثنائي المميز بالحب المطلق، ولا نشترط على ثورتهما مقاييس تلائم حنيننا.