الرئيسية / أبحاث / أرشيف “النهار” – فؤاد بطرس: اسم بات صفة

أرشيف “النهار” – فؤاد بطرس: اسم بات صفة

  • المصدر: “أرشيف “النهار”
  • 5 شباط 2019 | 16:46
  • النهار

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه بشارة منسى في “النهار” بتاريخ 15 تشرين الأول 2016، حمل عنوان “فؤاد بطرس: اسم بات صفة”.

لا أدري اذا كان التاريخ ينصف الرجال، لكنني على يقين بأنه يدوّن أفعالهم. كانت آلهة مصر القديمة تزن أعمال البشر بالميزان فيدخل الجنة من رجحت حسناته على سيئاته.

يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: “الانسان ما فعل”. لعلّ الفعل وحده، بمعزل عن الكلام، هو الفاصل بين ما أنت به وما ستكون عليه.

راودتني هذه الأفكار ساعة بلغني أن فؤاد بطرس غادرنا الى الأبد. وقعت في حيرة من أمري: أي منزلة، منزلة هذا الرجل؟ هل هو من كبار رجال القانون أو السياسة أو الثقافة؟ أو أنه كل ذلك؟ حقيقة لا أدري. ما أعرف انه كان كبيرًا مع الكبار، ضعيفًا مع الضعفاء.

أين موقع فؤاد بطرس من كبار رجالات لبنان: بشارة الخوري، رياض الصلح، فؤاد شهاب، رشيد كرامي، عادل عسيران، شارل مالك، غسان تويني. بشارة الخوري ورياض الصلح بطلا الاستقلال والميثاق؛ فؤاد شهاب باني دولة لبنان الحديث؛ رشيد كرامي حارس الخزينة الأمين؛ شارل مالك مشارك في وضع شرعة حقوق الانسان؛ عادل عسيران المترفّع عن الذلّات؛ غسان تويني وفلذة كبده جبران بطلا الحريات. أين هو الصرح في العالم العربي الذي يشبه ما بناه غسان وجبران يعلّقُ في ردهاته رأي الشيوعي والقومي والبعثي والأصولي والعلماني والليبرالي والديموقراطي عبر نهاره؟

مواضيع ذات صلة

  • جبران تويني يحاور ادمون نعيم: اذا تخلى الحريري عن الحكم ستنهار الليرة اللبنانية
  • أرشيف “النهار” – الأميركيون يجهضون خطّة السادات لغزو ليبيا
  • أرشيف “النهار” – أي مستقبل نعدّ للديموقراطية؟

لا يمكن كتابة لبنان الحديث بمعزل عن غسان تويني وجريدته، وفؤاد بطرس وسيرته التي كتبها، والحمدلله.

مما سمعته منه وقد يعرفه الكثيرون استثني ثلاثة أمور:

كان فؤاد بطرس درعًا للياس سركيس في حلّه وترحاله يرافقه الى دمشق عند مقابلة الرئيس حافظ الأسد، كما يشارك في جميع الاجتماعات التي يعقدها الرئيس اللبناني، والتي ذات علاقة بالشأن العام… في لقاءات الرئيسين اللبناني والسوري، غالبًا ما طلب الرئيس السوري أن يبادر الرئيس اللبناني الى اتخاذ خطوات يراها الحليف السوري ضرورية، بينما يعتقد الياس سركيس انها قد تكون متسرِّعة. فكان يقول للرئيس الأسد: لنستمع الى رأي الأستاذ فؤاد في الموضوع.

كان فؤاد بطرس يقيّم الأمور في ضوء المطامع الإسرائيلية والتوازنات الدولية ويعطي صورة عن توقعاته لردود فعلها. كان الرئيس السوري يقول آنئذ: “دعونا ننام الليل ونفكر في الأمر”. في اليوم التالي، والصباح رباح، كان يبادر الرئيس السوري الرئيس اللبناني بالقول: “فلنؤجل الأمر الى الاجتماع المقبل لعل الأمور تتوضح أكثر”. وغالبًا ما كان الحل في التأجيل. يقول الجنرال ديغول: حل القضايا الكبرى هو في العيش معها. وهكذا كانت تحلُّ مشاريع ارسال الجيش اللبناني إلى الحدود لقمع سعد حداد المنشق عن قيادته، والمطالبات بالاقتصاص من الضباط اللبنانيين اثر حادثة الفياضية المؤلمة بين الجيش اللبناني والجيش السوري الشقيق.

بعد تسلم بشار الأسد سدة الحكم في دمشق شاء الحكم السوري أن يطل بوجه جديد وسياسة أكثر انفتاحًا على المنطقة والعالم.

لم يكن لبنان خارج هذه الصورة وجرى اتصال بين دمشق وبكركي والمعارضة المسيحية لاحلال بعض الانفراجات. فأوكل الى فؤاد بطرس متابعة الأمر مع الرئيس بشار الأسد، فكان لقاؤهما وديًا، بل حميمًا، يقول فؤاد بطرس. في المقابلة الثانية مع الرئيس السوري قال بشار الأسد لفؤاد بطرس إن معاونيه بأغلبيتهم يعتقدون أن الظروف غير مواتية لاستجابة مطالب بكركي والفريق المسيحي، إلا انهما إتفقا على ان يرسل الرئيس السوري الى بيروت مسؤولاً رفيع المستوى يسجل بالتفاصيل مطالب بكركي لدرسها عن كثب. وهكذا كان، حضر الموفد السوري الى منزل فؤاد بطرس وسجّل مطالب بكركي والفريق المسيحي وتوقفت الأمور عند هذا الحد.

أذكر بالتمام اليوم أو الشهر الذي اتصل بي فؤاد بطرس لأعوده في منزله فوراً. انما كنا على ما أظن في فترة اقامة النواب والسياسيين الجبرية في فندق فينيسيا حفاظًا على حياتهم.

الوزير بطرس أخبرني يومها أن وليد جنبلاط طرق باب منزله من دون سابق انذار، وكان قلقًا ويريد التشاور معه. قال له إن السفير جفري فيلتمان، الذي كانت تربطه به صداقة متينة، أمّ منزله في كليمنصو وأسرَّ له بما يلي:

“باراك أوباما سيصبح الرئيس المقبل للولايات المتحدة وسيقلب رأسًا على عقب سياستنا في الشرق الأوسط”. وأضاف:”خذ حذرك من اليوم فصاعداً الأمور لن تكون بعد اليوم على ما كانت سابقاً.”

سأل وليد جنبلاط فؤاد بطرس: “ماذا عسانا نفعل؟”

السؤال الذي طرحه وليد بك على فؤاد بطرس حينها ما زال كقرع الطبول يصم آذان العرب من المحيط الى الخليج.

بشارة منسى

اضف رد