أرشيف “النهار” – عن دولة لبنان الكبير…

  • المصدر: أرشيف”النهار”
  • 5 حزيران 2019 | 06:30
  • جان شرف

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه جان شرف في “النهار” بتاريخ 4 تشرين الأول 1995، حمل عنوان “الذكرى الخامسة والسبعون لاعلان لبنان الكبير”.

صادفت الأول من ايلول الماضي الذكرى الخامسة والسبعون لإعلان دولة لبنان الكبير في العام 1920. ومنذ هذا التاريخ، عرف لبنان تقلبات وتحولات داخلية انبثقت من ابعاد تركيبته المجتمعية، ومن تفاوت نظرة عناصر هذه التركيبة الى الارتباط بالمحيط العربي. وظلت الايديولوجيات المجتمعية تشكل الخلفيات الدفينة التي تحكمت بمسيرة الوطن. ولم تزل تلك الايديولوجيات فاعلة حتى يومنا، وإن باتجاهات متقاربة. -1- لقد ولدت دولة لبنان الكبير كغيرها من الكثير من الدول المعاصرة، على انقاض امبراطوريات واسعة، بعد ان اتاح انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى ومؤتمر الصلح، الفرصة امام شعوب هذه الامبراطوريات، لتقرير مصيرها. ولم تخرج المنطقة العربية من السلطنة العثمانية عن هذا الاطار. فقد تقاطعت رغبة شعوبها مع مصالح الحلفاء وبشكل خاص فرنسا وبريطانيا، لتثور على السلطنة وتنفصل عنها دولا مستقلة تحت الانتداب على رغم ما كان في هذا التقاطع من تناقضات اقليمية ودولية تجسدت في اتفاقات سرية ثلاثة: 1- محادثات الشريف حسين – مكماهون التي انتهت بالثورة العربية كتوطئة لإقامة امبراطورية عربية غير محددة الرقعة الجغرافية. 2- وعد بلفور لإقامة وطن لليهود في فلسطين. 3- ما سمي باتفاق “سايكس – بيكو” حول اقتسام المنطقة العربية من السلطنة العثمانية بين بريطانيا وفرنسا. كل هذه الاتفاقات السرية تغيرت ملامحها اذ عدّلت لا بل نقضت بعد انتصار الحلفاء في الحرب، وابان مناقشات مؤتمر الصلح وتابعه مؤتمر سان ريمو. فالجدل دار حول المستقبل السياسي لشعوب المنطقة العربية وغيرها من شعوب الامبراطوريتين الألمانية والايطالية في افريقيا، وباتجاهين متعارضين: الاول، حق تقرير هذه الشعوب مصيرها، استنادا الى المبادئ التي نادى بها الرئيس الاميركي نيلسون. والثاني، المحافظة على مصالح كل من بريطانيا وفرنسا في المنطقة العربية. فالأولى مشدودة تاريخيا الى منطقة الخليج كمحطة مهمة على طريق الهند؛ وراغبة في احكام سيطرتها على الموصل بعد بوادر اكتشاف النفط فيها؛ وكذلك هي ملتزمة بوعد قطعته لليهود في فلسطين؛ والثانية فرنسا، مرتبطة “حضاريا” ب”سوريا المقدسة” منذ العهود الصليبية. وقد غذى هذا الارتباط “ارث ثقيل” من الكتابات الرومنطيقية تضاعفت بالمصالح التجارية والطفرة الاستعمارية التي لم تجد اي مغالاة في القول ان “سوريا المقدسة” جزء من الامة الفرنسية. يضاف الى ذلك ان التنافس بين بريطانيا وفرنسا على منطقة الشرق الاوسط تحكّم الى حد بعيد بمناقشات “المسألة السورية” في مؤتمر الصلح، وحمل الوفد الاميركي على اقتراح “لجنة تحقق دولية” للوقوف على آراء السكان ومطالبهم في المنطقة، قبل ان يترك الوفد المؤتمر ويودع تقرير اللجنة الادراج الديبلوماسية، بعد ان اقتصر تشكيل هذه اللجنة على المندوبين الاميركيين كينغ وكراين. هذا، ناهيك بدور المنظمة الصهيونية في تلك المناقشات وتأثيرها على الموقف البريطاني في شكل خاص. لذلك، كان لا بد من تسوية جانبية بين بريطانيا وفرنسا لاقتسام المنطقة العربية المحتلة من الاراضي العثمانية. لقد جاءت هذه التسوية نقضا لاتفاق سايكس – بيكو اذ كانت خطوطها الرئيسة: 1- تنازل فرنسا عن منطقة الموصل لبريطانيا في مقابل الحصول على حصة (25 في المئة) من شركة النفط العراقية. 2- جعل فلسطين تحت الوصاية البريطانية توطئة لتنفيذ وعد بلفور. 3- استبدال تسمية “المناطق المحتلة” ب”دول” رسمت حدودها وفق المصالح الدولية ومطالب سكانها الى حد كبير. 4- فرض الانتداب على هذه الدول قبل اقراره رسميا في مؤتمر سان ريمو. وعلى هذا الاساس اصبحت المنطقة العربية تحت الانتدابين البريطاني والفرنسي. وقد يكون من عدم الدقة والموضوعية في البحث اعتبار هذا الوضع الجديد للشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الأولى “تجزئة للوحدة العربية”، هي من صنع الاستعمار وحسب. فمثل هذا الموقف لا يعدو كونه استرجاعا ايديولوجيا لا يأخذ في الاعتبار حتى المطالب العربية بالذات، او على الاقل مقررات المؤتمر العربي في دمشق (1920) التي شكلت منعطفا عجل في مسار التسوية الجانبية بين بريطانيا وفرنسا. فقد اعلن المؤتمر استقلال سوريا، وترك للبنان المتصرفية استقلاله الذاتي، وطالب باستقلال العراق ورفض وعد بلفور. ان الامر يتطلب اعادة قراءة الاصول والمواقف بدقة وموضوعية من قبل المؤرّخين والمهتمين بالشأن “القومي، لتوضيح معالم تلك المرحلة وتحديد مدى استفاقة الوجدان القومي على الشأن السياسي والعوامل المؤثّرة فيه باتجاهي الوحدة والتجزئة. -2- واعلان دولة لبنان الكبير يندرج ضمن اعادة قراءة الاصول والمواقف. ففي الاول من ايلول 1920، وقف الجنرال غورو على درج قصر الصنوبر في بيروت، يحيط به البطريرك الماروني ومفتي الجمهورية، والعديد من الاعيان، والقى خطابه الشهير الذي كرّس دولة لبنان الكبير بضمان فرنسا. فاعتبر هذا الاعلان في ما بعد، من المؤرخين والكتبة وبعض السياسيين، خطوة اخرى على طريق التجزئة من ناحية، وتحقيقا لمطالب مزمنة من ناحية ثانية. وكأن الحدث جاء منفردا ومعزولا عن السياق التاريخي، ومرهونا بارادة “المستعمر”. الا ان البحث الموضوعي يقضي بالاحاطة بالموضوع مع ما لهذه الاحاطة من اهمية منهجية للتقرب من حقيقة الماضي؛ وثانياً وضع الحدث في المسار التاريخي، إذ لا شيء في علوم الانسان يولد من لا شيء؛ وثالثا، النظر الى اعلان دولة لبنان الكبير كحدث ترافق مع ما جرى في المنطقة العربية، وحمل بذاته موقفا من الانتماء القسري الى ماضي السلطنة العثمانية، وارادة التغيير للدخول في “روح العصر” كما عبّر عن تطلّع الى المستقبل. والعودة الى الاصول المتواترة في السياق الزمني، على الاقل منذ بداية القرن العشرين، تسمح بإيجاز مقدمات ولادة دولة لبنان الكبير بمراحل ثلاث: 1- مرحلة الحاجة الى المدى الاقتصادي للمتصرفية، والاصلاح الاجتماعي والسياسي للنظام. فضائقة المتصرفية الاقتصادية وازمتها الاجتماعية طرحا من المطالب حتى العام 1908، ما ولّد الشعور بأن “تكبير” المتصرفية الى “لبنان في حدوده الطبيعية والتاريخية”، اصبح حاجة ملحة لوقف الهجرة وتأمين مصادر العيش لأبنائه. ناهيك بضرورة اصلاح الحكم والمجتمع على اسس “تقدمية” اقل ما فيها تجاوز الطائفية الى المجتمع العلماني، والاخذ بالعلم والثقافة للخروج من وضعية التخلف والدخول في مراقي الرقي والتقدم. والكتابات في هذا المجال، على اختلاف تياراتها الاصلاحية، عديدة لم تعتمد ما فيه الكفاية في دراسة تطور الفكر السياسي في لبنان المعاصر. وجل ما في هذه الكتابات انها نظرت الى المجتمع كحالة طارئة خلفتها الاحداث، ويمكن تاليا تخطيها الى مجتمع الانسان المنتمي وطنيا، والملتزم حضاريا بعملية الرقي والتقدم. ومصادر هذه النظرة تجربة المجتمعات الغربية كما اختبرها المهاجرون او اطلع عليها المثقفون واخذوا بمعطياتها كمرتكزات لتخطي مجتمع الطائفية والتخلف، واقامة دولة العدل والرقي والتقدم. من هنا كثرت التيارات الاصلاحية في اتجاه الانسان المواطن والفعل العقلاني، قبل ان تنحو نحو الايديولوجيا القومية. 2- مرحلة القومية اللبنانية التي جاءت رد فعل على حركة التتريك بعد العام 1908، والقومية العربية بكل ابعادها المجتمعية. والمفارقة الاساسية في رد الفعل هذا انها رفضت الغربة الوطنية بمقدار ما اعتمدت اصولية التخطي لتجاوز المجتمع الطائفي. وكان اهم ما في هذه المرحلة التي ظلت شكليتها فاعلة في عهد الانتداب، انها وفّقت بين وضعين: الاول، تعقيدات التركيبة اللبنانية، اذ اعتبر رواد القومية اللبنانية ان وحدة المجتمع العضوية سابقة لأي انقسامات طائفية او مذهبية. ووعي القومية اللبنانية كفيل بتجاوز تلك الانقسامات وبناء المجتمع الوطني على وحدة النظرة الى الانسان في الحرية والكرامة. اما البعد السياسي للقومية فتجسد في استقلال لبنان المطلق وسيادته على ارضه “التاريخية” بعيدا عن اي وصاية او انتداب. على ان يظل التعاون بين الدول والشعوب قاعدة في عملية الرقي والتقدم. والوضع الثاني، كان تخطي الارتباط بالسياسة الفرنسية في الشرق عبر وعي خصوصية لبنان ضمن الفيديرالية السورية المتمايزة في محيطها العربي. فكتابات جورج سمنه السياسية وندره مطران وخيرالله خيرالله وغيرهم كشكري غانم على رأس اللجنة المركزية السورية وفروعها في الاغتراب، تعارضت مع تفكير الاتحاد اللبناني في الاسكندرية وفروعه في المهاجر، الا انها التقت مع “الحقيقة اللبنانية” او ما سمي “المسألة اللبنانية” في بعديها القومي والسياسي – المجتمعي. والمجال رحب لدراسات تحليلية لرواد هذه المرحلة. 3- مرحلة الديموقراطية التعددية التي بدأت في العام 1918، مع اعلان مجلس الادارة الكبير استقلال لبنان في حدوده الطبيعية والتاريخية على اساس الحكومة البرلمانية، وحفظ حق الاقليات في المجتمع اللبناني. فمطالب مجلس الادارة ومذكرات وفوده الى مؤتمر الصلح وفقّت بين طروحات المراحل السابقة ومقتضيات الديبلوماسية الدولية يومذاك، بمقدار ما اخذت بمعطيات التركيبة اللبنانية. فمبدأ حفظ حقوق الاقليات وسط الطفرة القومية ينمّ عن وعي عميق لأسس المجتمع السياسي في لبنان الذي سيقوم على المشاركة الفعلية في بناء الاستقلال وتنظيم الدولة، من دون ان يتغاضى عن تمايز لبنان في محيطه وارتباطه به، وان من وجهة نظر واحدة. وقد تكون تفاصيل مذكرة البطريرك الحويك الى مؤتمر الصلح رد فعل على ارث من الماضي العثماني بمقدار ما هي تطلع الى المستقبل يدخل لبنان والمنطقة في مرحلة العصرنة قبل ان تطغى عليه الايديولوجيات وتتقاسمه الفئويات. -3- تلك كانت مقدمات اعلان دولة لبنان الكبير. ودراسة هذا الاعلان تمت حتى الآن “من الخارج” في اطار السياسة الدولية والتحركات الاقليمية. الا ان الدراسة “من الداخل” وفق منهجية التاريخ الاجتماعي تتطلب اعادة نظر جديدة في قراءة الاصول، خصوصا المتعلق منها بالاتجاهات الاجتماعية والفكر السياسي، وبالأخص الاصول التي تبحث في طبيعة الاجتماع السياسي الذي يمكن ان ينشأ بعد الحرب ليس في لبنان وحسب، انما في الاقطار العربية التي اصبحت دولا مستقلة بعد انهيار السلطنة العثمانية. ومثل هذه الدراسة تندرج في اطار تنظيم فكر سياسي في البلاد العربية، يحمل لبنان فيه لواء التجدد وكل المعطيات الكفيلة باستباق المستقبل لترسيخ اطر التعاون الاقليمي بمختلف اشكاله السياسية، ولتوظيف ثروة المنطقة في عملية السلام الدولي، لا بل في تقدم الحضارة والمساهمة التكنولوجية. فمشكلية لبناني الكبير كانت ابعد من اعلان دولة، اذ تطاول في ابعادها، العقل العربي ومرتكزات الفكر السياسي التقدمي فيه، وما يطرحه من تطلع الى مستقبل تجاوز فيه الاقتصاد والاجتماع كل سياسة. ومطالب اللبنانيين من مقيمين ومغتربين حتى العام 1920، وعلى رغم ما فيها من خلفيات مجتمعية تاريخية، تشكل المعين من الافكار التي طرحت مشكلية الوطن على صعيدين: الاول، الاجتماع السياسي الذي يمكن ان ينبثق عن تركيبة معقدة وامكان تخطيها نحو الافضل. ومشكلية هذه التركيبة تقوقعها في انقسامات طائفية وفروقات مذهبية، جعلت من الانسان كقيمة مطلقة، هامشا في الاجتماع السياسي. تلك كانت مشكلية قيام دولة لبنان الكبير في عداد دول المنطقة. ولم تزل هذه المشكلية مطروحة في لبنان الانتداب بمقدار ما تفاعلت في لبنان الاستقلال، على رغم ما حصل من تقدم على الصعيد الوطني. الا ان التمييز بات اساسيا بين الانصهار الوطني بمعنى التسليم بلبنان وطنا نهائيا لجميع ابنائه بحكم التحولات على الصعيدين العربي والدولي، والانصهار المجتمعي بتخطي الانتماءات الطائفية والطروحات المذهبية واقامة المواطنية على قيمة الانسان المطلقة، المتساوي في الحرية والكرامة امام القانون، على ان تظل المسألة الايمانية من خصوصياته وحرية ضميره وتفكيره. والطروحات المتداولة في مرحلة ما قبل دولة لبنان الكبير تلقي الاضواء على حلول ممكنة بمقدار ما تعثرت تلك الطروحات بالواقع قبل ان تستوعبها الايديولوجيات المختلفة في لبنان المعاصر. والصعيد الثاني، هو في جوهر الفكر السياسي من حيث مفهوم الدولة ووظيفتها في المجتمع المعاصر. فالاشارات الاولية ان الدولة الديموقراطية كما استقاها رواد لبنان الكبير من مجتمعاتهم الغربية والفكر السياسي، ارست قواعد تطور ممكن على الصعيد اللبناني لو اخذ بها بجدية واحتضنت في اطار تطوير مفهومي الدولة والوطن، قبل ان ينتهي الفكر السياسي الغربي الى دور الدولة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. الا ان ارثا ثقيلا من السياسة المجتمعية حال دون تقدم مفهوم الدولة واعلاء شأن الوطن. فكل ما طرح في مقدمات اعلان دولة لبنان الكبير من حلول وتصورات وامكانات، استعيد في ايديولوجيات متباعدة، بمقدار ما كانت مصادر تلك الايديولوجيات بعيدة عن طبيعة المجتمع اللبناني. الى درجة ان البحث غالبا ما استبعد التوقف عند هذا الموضوع قبل ان يخلص الى صيغ تنظيم الاجتماع السياسي من منطلقات ايديولوجية. وكأن البحث في مشاكل لبنان “من الخارج” هو القاعدة التي تبناها الايديولوجيون والمثقفون والسياسيون. بينما المطلوب هو البحث “من الداخل” بحث الشيء بذاته اولا، ومن ثم المطابقة مع الخارج. فكل ما طرحه رواد دولة لبنان الكبير من نظرة الى المجتمع اللبناني والاجتماع السياسي فيه، وما قدموه من حلول لمشاكله، ووسائل لتخطي اوضاعه، يظل قائما، منهجيا، كامكانات في الفكر السياسي، طالما ان امورا عدة تخطاها الزمن، وان السياسة في دولة نهاية العصر باتت هامشية بالنسبة الى تفوق الاقتصاد والاخذ بالتنمية الاجتماعية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*