الرئيسية / أضواء على / أرشيف “النهار” – صلة وصل أفاعي زوق مكايل الشعر والسياسة

أرشيف “النهار” – صلة وصل أفاعي زوق مكايل الشعر والسياسة

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 28 نيسان 2019 | 06:30

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه جهاد الزين في “النهار” بتاريخ 24 حزيران 1997، حمل عنوان “صلة وصل أفاعي زوق مكايل الشعر والسياسة”.

القراء… امزجة طبعا. كقارئ، ليس امتع عندي من ان اعثر في الصحيفة الصباحية على خبر على الصفحة الاولى عن شاعر، او مناسبة شعرية، او قصيدة اختارتها الصحيفة حتى بدون مناسبة. معيار الاهمية الحدثية للخبر تستقيه الصحيفة طبعا من اكتناهها لميول القراء، لكنها تستطيع ان “تفرض” اهتمامها عليهم، عندما تريد ان تكون القصيدة – او المناسبة الشعرية – خبرا “سياسيا” اول. ولِمَ لا؟ في منطقة عربية لديها تقليد رائع هو التقليد العكاظي الذي لا نشارك بعض الجيل الجديد من النقاد في اعتباره احدى “هنات” ماضوية الشعر ولا معاصرته ولا ابداعيته. في مناسبة، عكاظية او غير عكاظية، يمكن ان يكون الشعر تارة غثاً وطوراً سميناً. لكن التقليد الذي جددته المنابر العربية في القرن العشرين – اي سوق عكاظ – وتبنته الصحافة اللبنانية منذ العشرينات يمكن ان يولد شعرا اصيلا ويمكن حتى القصيدة الحديثة المتحررة من اي ايقاع نظمي ان تتعايش احيانا معه. المثار هنا، في هذه العجالة، عدد من النقاط التي “يحرض” عليها المهرجان الشعري الذي شهده لبنان امس الاول في زوق مكايل لمناسبة تكريم الياس ابو شبكة صاحب “افاعي الفردوس” رحمه الله شخصا ومدرسة. ومنها علاقة الشعر بالسياسة عبر بعض الملاحظات المحلية والعربية، وقليلا ابعد من ذلك. دراسات العلوم السياسية المتخصصة لم تهمل حقل علاقة الادب والسياسة. في حلقة دراسية عقدت في الولايات المتحدة الاميركية عام 1995 تحت عنوان “الادب والسياسات” ونشرتها مطبوعة “ب. اس: بوليتيكل سيانس – بوليتيكس”، يكتب ويرنر جي. دانهوزر الاستاذ الزائر في جامعة ولاية ميتشيغان ان “نصا ادبيا ليس المرجع المفضل لاعطائنا المعلومات، حتى ان احدنا يستطيع التكهن بان كتب الدرجة الثانية هي افضل في اعطاء المعلومات (كمصدر للابحاث السياسية) من الكتب العظيمة. فالكتب الاقل اهمية قد تعكس زمنها بصورة افضل. اما الكتب العظيمة فتتخطاه”. ويكتب بول اي. كانتور من جامعة فرجينيا في ورقته تحت عنوان “لِفهم النظام السياسي” ان “دراسة الادب تستطيع ان تعلمنا… حول قوة النظام في صياغة الفكر الانساني والتعبير وقوة الذهنيات الفردية في رؤية ما يتخطى حدود النظام السياسي ويتجاوزه”. في خريف 1996 شهدت القاهرة مهرجانا شعريا حاشدا، رغم انه لم تشارك فيه كل التيارات العربية، يليه زمنيا مهرجان الامس في زوق مكايل الاقل حشدا. ثمة انطباع ان “مركز الثقل” في الكتابة الشعرية العربية خرج عن هذا النوع من المناسبات حتى لو استقطبت جمهورا حاشدا – وخصوصا في القاهرة على مدى ليال عدة – وحتى لو شارك فيها شعراء اساسيون في النتاج الشعري العربي المجدد. فالمنبرية تستقطب، كجزء من هذا التقليد العربي الجميل، لكنها لم تعد “تصنع” التجديد، كما كان الامر مع شعراء النيوكلاسيكية في الثلاثينات والاربعينات عبر احمد شوقي وبدوي الجبل والاخطل الصغير والجواهري، ثم حتى عمر ابو ريشة وسعيد عقل… الى بعض الستينات والسبعينات مع ادونيس ومحمود درويش وغيرهما من آخر اطلالات المنبرية… حتى لدى هذه الاسماء التي تعطي جديدها الجاد خارج المنابر. الملاحظة الثانية هي غياب الصدام “بين الشاعر والسياسي” او بين الشاعر وصاحب السلطة الذي طبع مناسبات عكاظية وبعضها تحول الى حدث سياسي، لعل اشهرها صدام الجواهري ورياض الصلح في الاربعينات مع قصيدة الاول الشهيرة “باق واعمار الطغاة قصار…” بحضور الصلح وانتهت بطرد الشاعر من لبنان بعد ساعات من “الاختباء”. وقصيدة عمر ابو ريشة بحضور رئيس الوزراء السوري جميل مردم “ان ارحام ال… لم تلد…” وآخر المناسبات المماثلة، المشكلات التي اثارتها قصيدة محمود درويش “مديح الظل العالي” في احدى العواصم العربية في الثمانينات. تشير “الحياة” في تقريرها امس الى “خصام” شهده احتفال زوق مكايل بين الشاعر سعيد عقل ورئيس الجمهورية الياس الهراوي: خلاف غير معلن، اي في الخلفيات. وبعض مُعْلَنِه – على سبيل التإويل – احد الابيات: “أسٍ لأمته مَنْ شِعره شرف لا من حليب سَباع مرة رضعا”. اذا كان هذا البيت هو فعلا موضع الخلاف المفترض، فهناك بيتان آخران جديران بالاهتمام في هذا السياق، نقتطفهما و”نقترحهما” – اذا كان لا بد من خلاف – لكي يكونا “موضوعه”: “وما السياسةُ؟ قُلْها الشعر. عِزتها جبينها. لا؟ خذ الصيد انتهوا تبعا “وانت رأسك لم تخفضه. قسمتنا انا وانت. كأن فينا الإبا زُرِعا”. هنا نصل الى الملاحظة الثالثة. ومنطلقها ايضا قصيدة سعيد عقل – الذي تشكل قصائده، دائما، الموفقة منها او غير ال …، مناسبة لتمرين لغوي رائع وصعب. فهو ايضا، رغم عمارته المقفلة، يتأثر بتعابير ألسنية الحرب الاهلية فيسكبها في قالب شعري لطيف حين يستخدم تعبير “قناص” و”حرب الجمال” في البيتين: “حدُّ السيوف عليه يرقص ابن جلا قناص انات حسن حال ما قُمعا ويا رفيقا سجين الممكنات، ألا تشجى لان لم نخض حرب الجمال معا”. يلاحظ محرر “النهار” امس بدقة ان جميع الشعراء – باستثناء عبد الوهاب البياتي – استخدموا الوزن “البسيط” من عروض الخليل: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن – ونضيف هنا ان البياتي باستثناء المقطع الاول الخارج على التفعيلة لجأ الى وزن “المتدارك”: (فعِلن فعلن فعلن…) الملاحظة الرابعة هي ان ثلاثة من الشعراء العرب، باستثناء البياتي ايضا، هم فاروق شوشه ومحمد الفيتوري وسليمان العيسى (شاعر حزب البعث الشهير ايام صعوده في الخمسينات) تركزت قصائدهم على مجزرة قانا، انهم المصري والسوداني – الليبي والسوري، بما يعكس الحجم الذي اخذته هذه المجزرة في الثقافة السياسية العربية، باعتبارها الان وجه لبنان في الخطاب المأسوي العربي للصراع مع اسرائيل. وهذا ليس دون دلالة، على فهم نوع التلقي العربي واية قضايا من لبنان يمكن ان تخترقه، واية “قضايا” لا يمكنها اختراقه. ايا تكن اهميتها في نظر “الجماعة” اللبنانية التي تحملها.    جاك بريفير في ديوانه الشهير “بارول” لا يحتاج الى تأويل حين يصف في قصيدة “محاولة لوصف عشاء رؤوس في باريس – فرنسا” الطبقة السياسية الفرنسية بتهكم قاس، ولا يحتاج ايضا باحث في العلوم السياسية الى اكثر من نقلها لكي يعكس صورة هذه الطبقة كما تراها عين ادبية متحررة وساخرة في اوائل الثلاثينات، تلعب باسلوبها المميز على اللغة، فتحول القصيدة الى “تقرير” شفاف وبارع عن “اولئك الذين يفتتحون ويصدقون ويصدقون انهم يصدقو ويخفضون العيون”. … لم يعرّ الشعر السياسة امس في زوق مكايل. لم يصطدم معها بعنف. ولكنه – حتما – كان كبيرا عليها. جهاد الزين

خيط الأمل

اضف رد