أرشيف “النهار” – شارل حلو حياة في ذكريات

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 10 شباط 2019 | 08:00
  • النهار

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتب في “النهار” بتاريخ 28 حزيران 1995، حمل عننوان “شارل حلو حياة في ذكريات”.

كتاب الرئيس شارل حلو “حياة في ذكريات” الصادر له حديثاً عن دار النهار للنشر في بيروت، كان قراءة له وعرض لمحتوياته في جزء اول وهنا جزء ثان اخير. – 2 – في رئاسة الجمهورية في 18 آب 1964 انتخب شارل حلو رئيساً للجمهورية اللبنانية خلفاً للرئيس اللواء فؤاد شهاب بشبه اجماع “لم يفعل شيئاً، ولم يطلب شيئاً من احد” – هذا ما يقوله (ص164) بينما اليوم تقوم القيامة ولا تقعد حول “التمديد” و”التجديد” وتعديل الدستور وحول انتخابات رئاسة الجمهورية ومن سيكون الخلف، واخذ موافقة اي جهة وقبول اي فريق وتلقي الدعم من الخارج من القريب ومن البعيد. بدأ عهده بحضور مؤتمر القمة في الاسكندرية سنة 1964 وانتهى بحضوره مؤتمر القمة في القاهرة سنة 1970. كان عهد الرئيس شارل حلو استمراراً للشهابية او “للنهج” الشهابي. في المؤتمرات التي حضرها واللقاءات التي عقدها مع رؤساء وملوك ومسؤولين كبار كان محط احترام وتقدير لدى الجميع. اريد ان اقول كلمة: لا يمكن لبلد اجنبي، او لرئيس بلد اجنبي ان يحترم رئيس بلد او بلداً لا يكون اهلاً للاحترام ولا يحترم نفسه. لم يبرز الرئيس شارل حلو ويوفق في تمثيل لبنان وحمل رسالته في المؤتمرات واللقاءات التي جرت في الدول العربية وحسب، بل استطاع ان يثبت ذلك في العديد من المناسبات والزيارات له الى دول عدة. ففي فرنسا زمن الجنرال ديغول الذي يصف مقدرته الخطابية (ص74 -75): “البلاغة وقوة السبك وسمو الايحاءات وسهولة الالقاء، لا تردد ولا ارتباك ولا اعادة ولا تكرار لأي عبارة، تساوق وتناغم في علامات الوقف والصمت، تواصل وحي كأنه منزل من فوق”. ويوم شارك في احدى جلسات الاكاديمية الفرنسية وقدّم رأياً تبنته الاكاديمية دل على سعة علمه واطلاعه وتضلعه من اللغة الفرنسية. او محادثاته مع الرئيس ديغول وعلوّ كعبه في الادب والفكر والسياسة. فيقف رئيس لبنان البلد الصغير موقف الند للند مع العملاق شارل ديغول الذي زاد في عظمة فرنسا – فيزيد هو من مساحة بلده لبنان وعظمته، وهكذا يستطيع رئيس بلد صغير ان يكبّر بلده اذا كان رئيساً كبيراً. يقال في الادب: “الاسلوب هو الرجل” وكذلك في السياسة لكل رئيس اسلوبه في عرض الامور او حلها. في الاصلاح الاداري او “التطهير” مشكلة الادارة في لبنان مشكلة مستعصية ذلك لأن الذين يتصدون لاصلاحها هم مفسدوها. وفساد الادارة – برغم كل محاولات الاصلاح – في تزايد؛ والعديد من العهود والحكومات امام هذه القضية المعقدة أقرّت بفشلها. والرئيس شارل حلو كان واحداً من الذين تصدوا لاصلاح الادارة وحول ذلك يقول (ص211): “الاصلاح كان محاولة لفرض مقاييس جديدة وقاسية على العلاقات بين الدولة والمواطن عبر الادارة، وهو ايضاً محاولة للقضاء على اي لون من الوان التساهل في تطبيق القوانين والانظمة. وهو عمل غايته الارتفاع بالدولة والادارة الى مستوى الدول والادارات في البلدان الراقية حيث لا مجال لرفع الكلفة و”الخوشبوشية” بين المسؤولين والمواطنين في الشؤون العامة”. هذا كلام صحيح. ولكن هل وفّق الرئيس شارل حلو في تحقيق الاصلاح الاداري؟ طبعاً لم يوفّق. والدليل اننا ما زلنا نشكو الفساد المستشري في الادارة، واكاد اقول اننا سنبقى نشكو ما دمنا نعالج الداء بالمسكنات. ويرى كذلك ان الفساد ليس محصوراً في الموظف بل انه في المواطن كذلك لأن المكلّف الذي يحاول ان يدفع دون ما يتوجب عليه للخزينة، والمتقاضي الذي يسعى الى استمالة القاضي، والتاجر الذي يتهرب من دفع الرسوم الجمركية، والسياسي الذي لا يتورع عن استغلال النفوذ، والمسؤول المتقاعس، كل هؤلاء يشكون الفساد وكأنهم براء منه. ويعترف صراحة بأن قانون الاصلاح الذي اعتمد في عهده كان جائراً ومثيراً للانتقادات لأنه حرم الموظف البريء المصروف من الخدمة من ان يلجأ الى القضاء للطعن في طرده من وظيفته. وفي ذلك يقول (ص216): “ان هذا المفهوم للاصلاح الذي جعل منه ادانة وتطهيراً كان ظالماً للقضاة وللموظفين المصروفين بما نسب اليهم من تهم دون ان يتاح لهم الدفاع عن انفسهم”. ثم يستدرك (ص218): “ومهما يكن من امر، فمن البداهة القول ان الاصلاح، ككل عمل بشريّ، لا يمكن ان يكون كاملاً وقد لا يخلو من بعض الاخطاء. اما الخطأ الفادح والذي يؤسف له فهو ان يفسّر البعض الاصلاح كأنه ادانة او تطهير وقت لم يسمح للمصروفين بأن يدحضوا ما وجه اليهم من انتقاد او اتهام. وقد يكون من حق كل من طاوله الاصلاح وحيل بينه وبين الدفاع عن نفسه ان يردد كلمة تيمو ستوكل: اضرب ولكن اسمح!”. وهنا ليسمح لي الرئيس بأن أبوح بشيء منذ حوالى ربع قرن يوم دعا نادي ليونز الكورة الرئيس شارل حلو – وكانت رئاسته انتهت – لالقاء محاضرة في عشاء سنوي ضخم في فندق البريستول ويحضره عدد من الشخصيات الادبية والاجتماعية والسياسية. كان رئيس النادي يومذاك المرحوم الدكتور خليل سالم المدير العام لوزارة المال الذي قال لي ان الرئيس قبل ان يجيب عن بعض الاسئلة التي يطرحها عليه الحضور ولكن لا نريد اسئلة محرجة. جمعت اسئلة الجمهور و”دسست” سؤالاً عن موضوع الاصلاح الاداري يدور حول كيف يقبل، وهو المحامي اللامع، بأن لا يمنح الموظف المصروف من الخدمة حق اللجوء الى القضاء لاثبات براءته اذا كان بريئاً؟ فاجأه هذا السؤال ولكنه اجاب بجرأة قال: “اعترف لكم بأن هذا الموضوع يحزّ في قلبي، وانا نادم على هذه الخطوة التي جاءت ناقصة ولم تحقق ما كنا نهدف اليه”. وها هو اليوم يقول ذلك صراحة في مذكراته. ان عملية الاصلاح الاداري مثل قصة ابريق الزيت، فلنفترض ان الموظفين من اداريين وقضاة وديبلوماسيين من الفاسدين والمرتشين والمتقاعسين والمهملين والمسيئين الى الوظيفة صرفوا من الخدمة، بحق وعدل وليس انتقاماً او تحاملاً، فمن يضمن ان الموظفين الذين سيحلّون محلهم سيكونون افضل منهم وتعيينهم يخضع “للواسطة” – بعد تعطيل دور مجلس الخدمة المدنية او تجاهله وتجاوزه في كثير من الاحيان وعدم الأخذ بآرائه – وهم مدعومون من مسؤولين في اعلى الهرم؟ خليل سالم لا بأس هنا ان اروي قصة الرئيس حلو والمرحوم الدكتور خليل سالم وكيف عُيّن مديراً عاماً لوزارة المال، كما رويت لي: طلب الرئيس من بعض الاساتذة والخبراء المتخصصين بالاقتصاد دراسة حول موضوع يهمه، ومن كل من قدّم دراسة حول هذا الموضوع ان يقدر عدد الساعات التي اقتضاها العمل على بحثه لاحتساب مكافأة له. خليل سالم وحده لم يطالب بمكافأة. سأل الرئيس حلو من هو هذا الرجل الذي يرفض ان يتقاضى تعويضاً من الدولة لعمل طلب منه بينما سواه راح يبالغ في عدد الساعات لينال مكافأة أكبر؟ شاء الرئيس اتصالاً بخليل سالم لأنه يريد التحدث والتعرف اليه. وهكذا رن الهاتف في دائرة الاقتصاد في الجامعة الاميركية حيث كان خليل يدرّس. اخذت السكرتيرة المخابرة فاذا بالمتحدث على الطرف الآخر يسأل هل الدكتور خليل سالم موجود. اجابت بأنه موجود فقال لها ان فخامة رئيس الجمهورية يريد التحدث اليه. ذهبت السكرتيرة الى مكتب خليل وقالت له ان فخامة رئيس الجمهورية على الخط ويريد التحدث اليك. اجاب خليل، معتقداً بأن في الامر “مقلباً” دبره له بعض زملائه، بلا مزح! قالت له السكرتيرة بأن الأمر جاد والقصر الجمهوري على الخط! تحدث خليل مع الرئيس الذي شاء ان يقابله. بعد المقابلة عُيّن خليل سالم مديراً عاماً لوزارة المال وكانت شغرت باحالة مديرها العام الدائم اندريه تويني على التقاعد وكانت من كوتا الارثوذكس. تولى الدكتور خليل سالم المديرية العامة لوزارة المال واجرى فيها اصلاحات، وضبط الكثير من الهدر والسرقة فيها. ولكن خليل سالم خطف في شارع جان دارك قرب الستراند سنة 1976 وقتل ووضع في صندوق سيارته الفيات الصغيرة. ترى لو لم يكن مديراً عاماً للمال وظل استاذاً في الجامعة الاميركية في بيروت يدرّس الاقتصاد، هل كان قتل؟ قيل ان سبب قتله رفضه دفع رواتب افراد الجيش لفريق دون فريق وظل برغم التهديد، يمارس عمله في وزارة الاعلام في المنطقة الغربية من بيروت. لماذا لم يحقق في جريمة قتله؟ بل ماذا حدث لكل الجرائم المماثلة التي احيلت على المجلس العدلي؟ ان لبنان بلد ضيق ولكن ذمّته واسعة! من سيكشف الجرائم الفظيعة في حق الابرياء؟ المنجزات 1- اولها محطة الاقمار الاصطناعية في العربانية اولى من نوعها في منطقة الشرقة الاوسط. وجرى تدشينها في 7 ايلول 1969. 2- الكابل البحري الذي يربط لبنان باوروبا وبالقارتين الاميركيتين والتي دشن سنة 1970 ومكّن لبنان من مكانة مرموقة في حقل المواصلات السلكية واللاسلكية في العالم. وقبل تنفيذ هذين المشروعين لم يكن لديه سوى ستة خطوط للمخابرات الخارجية. 3- الاهراءات التي تم تنفيذها سنة 1970 في مرفأ بيروت والتي أمّنت للبلاد تخزين مقادير ضخمة من القمح والحبوب تبلغ 40 في المئة من الاستيراد السنوي. 4- كلية العلوم في الحدت – الشويفات، وهي الكلية الوحيدة الحديثة في الجامعة اللبنانية والتي هدمت في الاحداث ونهبت وجاءت اسرائيل لتكمل على ما تبقى لأنه ممنوع على اي دولة عربية ان تكون لديها كليات للعلوم والتكنولوجيا ذات مستوى. ان الصراع مع اسرائيل هو صراع بين الجهل والعلم، بين التخلف والتطور، بين السلفية ومواكبة العصر. 5- اكتشاف مغارة جعيتا الرائعة وتحويلها الى مركز اثري وسياحي تقام فيها مهرجانات وحفلات للمسرح والموسيقى والسينما وعرض الازياء بحيث تصبح المغارة ذات شهرة لا تقل عن بعلبك وجبيل وصيدا وصور. ولكنها استخدمت – ويا للأسف – مخزنا للأسلحة. 6- وهناك مشروع ضخم نسي الرئيس ان يذكره هو محطة شارل حلو قرب المرفأ دشنها قبل انتهاء ولايته ولم تستخدم حتى اليوم في مرور 25 سنة على تشييدها، وهي قادرة على حل جزء كبير من ازمة السير في العاصمة، التي تبدو مستعصية، فمن المفترض ان تستوعب في مرائبها اعداداً كبيرة من الشاحنات والباصات والسيارات خاصة التي تدخل بيروت من الشمال. بنك انترا – ويوسف بيدس لعل اكبر نكسة للبنان في عهد الرئيس حلو كارثة بنك انترا. يقول (ص231-232) انه حريص على كشف الحقيقة حول هذه القضية كما انه حريص على عدم المسّ من قريب او بعيد باي شخص من الاحياء او الاموات، وعلى سرد الاحداث التي رافقها شخصيا سردا مجرّدا من كل تحيّز او هوى في موضوع ملأ واجهة الاحداث في لبنان. في شهر تشرين الاول من سنة 1966 انهارت امبراطورية انترا من توسعها وانفلاشها. وبانهيار بنك انترا انهارت مدخرات العديد من اللبنانيين. وهو يقول: “فان الجدل لا يزال قائما حتى اليوم وقلما رأيت في حياتي حقائق تنقلب على عكسها ويتبوّأ هذا العكس الصدارة في الاحداث والتعليقات كما رأيت في قضية انترا. ولم تنج الدولة، طبعا، وكالعادة من انتقاد هذا وذاك…”. وهو يروي ما جرى بينه وبين السيد يوسف بيدس في لقائه معه في 23 آب 1966 الذي جاء يطلب من البنك المركزي تسليفه الاموال لقاء ايداع البنك ما لديه من اسهم ضمانة. لكن مجلس حاكمية مصرف لبنان كان اتخذ قرارا، دفاعا عن الليرة اللبنانية، بالاقلال من عمليات التسليف، خاصة لقاء ايداع الاسهم. وهذا القرار اتخذ تصديا للتضخم المالي الذي من نتائجه اضعاف القيمة الشرائية لليرة اللبنانية. ومهما يكن من امر، فهناك اجتهادات وفتاوى عدة حول هذا الموضوع كما سال حبر كثير حول القضية من خبراء في المال والاقتصاد، وكما اختلفت الاراء وتباينت وهناك لغط كثير حول الاسباب قد لا تكون اسبابا مالية محضة بل هناك تصفية حسابات ومواقف من يوسف بيدس لانه لم يخضع للابتزاز من بعض النافذين. ومن غير المستبعد ان تكون عوامل اخرى خارجية ادت الى زعزعة امبراطورية يوسف بيدس التي تغلغلت في عواصم اوروبية كما في الولايات المتحدة الاميركية. وهناك من يعتقد بان اسرائيل ليست بريئة من دم بنك انترا. القصة ماتت بمرور الزمن، عمرها حوالى 30 سنة، ولكن هل نتعلم من اخطائنا؟ وهل عندنا فعلا رجال اقتصاد واعون لمصلحة الوطن ويضعونها فوق كل اعتبار؟! وهو يخلص الى القول (ص237): “… لو التزمت الحكومة انقاذ مؤسسة انترا من طريق دفع المال كما هو مطلوب وحسب، لبدا هذا العمل لكل رجل عاقل في الداخل والخارج مجازفة بقيمة الليرة اللبنانية وحافزا لمضاربة عالمية على حساب هذه الليرة. وتكون الدولة بذلك تعرضت لخطر الغرق دون ان تنقذ الغريق”. فيا لسخرية القدر! ان المضاربة على الليرة تأجلت عشرين سنة بحيث كادت ان تفقد قيمتها مقابل الدولار الذي يضعف امام العملات وخاصة الين الياباني والمارك الالماني ويستقوي على ليرتنا المسكينة. وماذا عن العديد من المصارف التي تعثرت وافلست بعد سقوط انترا فتبخرت معها مدخرات المواطنين المساكين من الجشع والمضاربة والاحتيال من القيمين على هذه المصارف التي همها “تصريف” اموال الناس وسرقتها. أوَليس ذلك نتيجة للحرية الفوضى التي نتغنى بها والتي كلفتنا غاليا؟ ولكن رُبّ ضارة نافعة! صدر في 9 ايار 1967 القانون الاساسي الذي يضمن الودائع المصرفية وحلفت اللجنة، المؤلفة من الرئيس سليم الحص والسيدين بشارة فرنسيس وفلادو خلاط، اليمين في 5 حزيران 1967 امام الرئيس شارل حلو وكانت المناسبة ان تعرّف فيها الرئيس حلو الرئيس الحص الذي يعترف باسهامه، مع حاكم المصرف المركزي آنذاك الرئيس المرحوم الياس سركيس، في تنقية الوضع المصرفي. اتفاق القاهرة والرئيس شارل حلو طالما رأى ان لا سلام في الشرق الاوسط، وان الصراع في فلسطين هو صراع على مملكة الله لا على مملكة الانسان او الارض. واسرائيل ترى انه صراع على مملكة داود او هو صراع بين الانبياء؟ يقول (ص154): “واذا لم نجد لهذه القضية حلا عادلا فقد تهدد باوخم العواقب امن الشرق الاوسط باجمعه ومن ثم سلام العالم كله”. اتفاق القاهرة الذي وقّع في 3 تشرين الثاني سنة 1969 يعتبره البعض السبب الرئيس للحرب اللبنانية التي اندلعت بعد ست سنوات في 1975. فهو الذي احدث الشرخ بين الفريقين اللبنانيين – المسيحيين والمسلمين، وبين فريق من اللبنانيين والمقاومة الفلسطينية، وكذلك بين لبنان واسرائيل التي رأت في ذلك الاتفاق ذريعة للاعتداء عليه. هذا الاتفاق الذي كان ولا يزال موضوع اخذ وردّ بين الكثيرين من المعنيين بالقضية اللبنانية والقضية الفلسطينية، ولم يعارضه سوى العميد ريمون اده. بادىء بدء، يجب ان نقر بان الرئيس حلو يؤمن بعدالة قضية الشعب الفلسطيني وبضرورة دعمه لاستعادة حقوقه في وطنه. وفي فذلكة ذلك يقول (ص261-262): “غير ان انقسام الدولة (اللبنانية) على نفسها، حيال مدى دعم القضية الفلسطينية وكيفية دعمها، والشلل الذي نتج من جراء ذلك، على صعيد الحكم، وما رافقه من ازمة وزارية دامت سبعة اشهر، مع انتشار المسلحين في عدد من المناطق اللبنانية، ونشوب ازمة حادة لبنانية – لبنانية، ولبنانية – فلسطينية ولبنانية – عربية عند كل صدام بين الجيش اللبناني والوحدات الفلسطينية، جعلنا نعتبر ان رفض التنسيق والاتفاق مع المقاومة الفلسطينية اصبح غير ذي جدوى، وان عدم الاتفاق لم يكن حلا عمليا، لا للحؤول دون الانتشار الفلسطيني المسلّح، عبر مئات الكيلومترات من الحدود، ولا لمنع المنازعات في الداخل والخارج، اي ليس بين اللبنانيين وحسب، بل بين اللبنانيين المنقسمين على انفسهم وبين العرب اجمعين”. لم يكن لبنان بين شاقوفين – كما يقولون – وحسب، بل كان بين اربعة. هناك اللبنانيون المنقسمون في ما بينهم، وهناك الفلسطينيون، وهناك الدول العربية، وهناك اسرائيل التي كانت تطالب لبنان بالتقيد باتفاق الهدنة الذي يعود الى سنة 1949 – والتي ضربت به عرض الحائط – او اعتبرت نفسها في حل منه! عقد الوفد اللبناني برئاسة العماد اميل بستاني قائد الجيش – بعد ان تخلى رئيس مجلس الوزراء رشيد كرامي عن ترؤس الوفد – ومن سفير لبنان في القاهرة الدكتور حليم ابو عزالدين، وكان رئيس وفد منظمة التحرير الفلسطينية السيد ياسر عرفات، وحضر عن الجمهورية العربية المتحدة وزير الخارجية محمود رياض ووزير الحربية الفريق اول محمد فوزي. والرئيس حلو يرى ان ما اعطاه اتفاق القاهرة للفلسطينيين كانوا حصلوا عليه دون اتفاق وبحسب الامر الواقع – وان لبنان لم يتخل عن سيادته على كامل ارضه، ولكن الخلل في ان المقاومة الفلسطينية لم تتقيد بنص الاتفاق بل تجاوزته وارادت ان تحل محل الدولة. يقول الصديق السفير الدكتور حليم ابو عزالدين في كتابه “تلك الايام” (1) الجزء الاول (ص 1179)، سفير لبنان في القاهرة يومذاك وشارك في المفاوضات عضوا في الوفد اللبناني: “كل كلمة في الاتفاق اطلع عليها – قبل التوقيع عليه -رئيس الجمهورية، وتقيد المفاوضون بتعليمات الحكم الى الدرجة انهم اصروا على ذكر “سيادة لبنان” و”سلامة لبنان” و”الامن اللبناني” و”مصلحة لبنان”. وكذلك اوردوا في النقطة 13 من الاتفاق انه “من المسلّم به ان السلطات اللبنانية من مدنية وعسكرية تستمر في ممارسة صلاحياتها ومسؤولياتها كاملة في جميع المناطق اللبنانية وفي جميع الظروف”. الى ان يقول: “هذا الاتفاق ليس بالاتفاق المثالي. ولكنه كان الاتفاق الضروري لانقاذ لبنان من الازمة التي اكتنفته، وهي ازمة ذات شقين: ازمة لبنانية – لبنانية، وازمة لبنانية – فلسطينية. والحق يقال ان الاتفاق لم يحسن تطبيقه، وهذا ما اساء اليه. ولكن الخطأ هنا لا يعود الى الاتفاق نفسه، بل الى الذين لم يحسنوا تطبيقه، لسبب او لاخر. وكان المفروض في الاتفاق ان يكون سريا، فاذا به على كل شفة ولسان. كان المفروض فيه ان يطبق، ولكنه لم يطبق كما يجب. كان يجب تطبيقه او تعديله، ولكنه لم يطبق ولم يعدل”. وبعد، هذا ليس سوى اتفاق فهو ليس معاهدة. لم يوقع عليه رئيس الجمهورية وفقا للمادة 52 من الدستور ولم يوافق عليه مجلس النواب وفقا للاصول الدستورية. ثم يخلص الرئيس شارل حلو الى القول (ص 287): “المهم ان نحافظ على ثقتنا بانفسنا وبوطننا لبنان، فلا نترك اي مجال لتسرب اليأس الى القلوب بل نواجه الموقف بما يتطلب من عقل راجح وقلب قوي. ولا ريب ان العالم العربي والعالم اجمع سيلمسان اكثر فاكثر ما للمثل الرائد الذي كنا ويجب ان نبقى نجسّده من فائدة بل من ضرورة حياتية لا لانفسنا وحسب، بل للانسانية جمعاء”. الخلاصة وبعد، هذه جولة مستفيضة في ذاكرة الرئيس شارل حلو ومحطات عديدة وقفت عندها تلقي ضوءا ساطعا على شخصيته ومواقفه وارائه ومنجزاته. وهو لا يتكلم عن نفسه وحسب بل انه يتناول رجالات السياسة والصحافة والمحاماة والادب والفكر الذين على اكتافهم ارتفع مجد لبنان واتسعت حدوده امثال: الشيخ بشارة الخوري ورياض الصلح وحميد فرنجيه وميشال شيحا والفرد نقاش واميل لحود وجبران تويني ونجيب ابو صوان وابنه كميل ابو صوان والشاعر جورج شحادة وصلاح لبكي وشقيقه كسروان لبكي وداود عمون وايوب ثابت وبترو طراد وكميل شمعون والشيخ ابرهيم المنذر وكثير غيرهم. المنصب لا يكبّر الانسان بل ان الانسان هو الذي يكبّر المنصب الذي يتولاه. فكم من رئيس او ملك او حاكم في التاريخ ذهب ولم يترك اثرا! وكم من الرؤساء والملوك والحكام الذين – على قصر اعمارهم او قصر فترة حكمهم – ملأوا الدنيا وشغلوا الناس وخلدوا التاريخ. كتاب “حياة في ذكريات” ممتع ذو لغة انيقة بسيطة وان كان فيه تكرار احيانا وبعض الاخطاء القليلة ويظهر فيه نفس الترجمة. وهو يترجم اشعارا وحكما عن الفرنسية دون ان يورد النص الفرنسي فيخسر القارئ لذة التمتع بروعتها كما هي في الاصل، ونادرا ما يستشهد بشعر عربي او قول مأثور. وفي الكتاب بعض الصور خاصة مع كبار الشخصيات اللبنانية والعربية والاجنبية من ملوك ورؤساء وكبار القوم، الى ملحق لاراء في اتفاق القاهرة لعدد من الحقوقيين والسياسيين والمسؤولين، الى رسالتين الى الشعب اللبناني، وخاتمة. ويضاف الى ذلك كله حوار اجراه معه غسان تويني من تلفزيون لبنان في 4 حزيران 1993 – فيكون غسان تويني رافق الكتاب من البداية وحتى النهاية. وفي الختام ملحق لنص اتفاق القاهرة كتب عليه: “سري للغاية”. الدكتور ميشال جحا (1) “تلك الايام”، مذكرات وذكريات، في جزأين، دار الآفاق الجديدة، بيروت، سنة 1982.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*