أرشيف “النهار” – دولة في العبث والشباب مشروع غائب

  • سليمان تقي الدين
  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 30 آذار 2019 | 06:3

لبنان قبل الحرب (أرشيفية).

  • نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه سليمان تقي الدين في “النهار” بتاريخ 12 تموز 1995، حمل عنوان “دولة في العبث والشباب مشروع غائب”.

من يهتم لمستقبل لبنان الانسان، أي لشباب لبنان؟ سؤال اكثر من مشروع وهمّ اكثر من مقلق. حيثما تلتقيهم تشعر أنهم متروكون لملاقاة المجهول: اللاّمعنى في وجودهم الانساني، او المعنى الموحش لهذا الوجود. جيل لا يهتم لقضية سياسية ولا يلتزم بمشروع ولا ينتسب الى اطار فكري، لانه هو القضية بذاتها وهمومه خارج هموم الآخرين. شباب لا يستطيعون التفكير بغدهم وبما هو آتٍ من الايام الا والخوف يطاردهم من إمكان اجتياز مراحل تحصيلهم العلمي، وإيجاد العمل اي عمل ليكون معيلاً لهم قبل ان يفكروا بجاذبيته كوسيلة للترقّي الاجتماعي، او لتحقيق الذات والطموح والرغبة في المهنة والابداع في العمل، الى همّ المسكن وتكوين الاسرة، والبحث عن الاستقرار النفسي والعاطفي. واذا أغرقوا في التأمل راودتهم افكار الهجرة وتحسّبوا ما اذا كانت البلاد ستبقى بلاداً آمنة فلا تكرر عادات اهلها كل عقدين من الزمان، بعد الذي كابدوه وعانوه او سمعوا به وعاشوه صوراً او حكايات عن اهوال الحرب والكوامن التي لم تطفئها السياسات بعد، وان طوتها على نفوس مضطربة. وهم ينظرون حولهم، فتطالعهم صور الحصار المضروب على هذه البلاد من داخل ومن خارج من الغريب ومن القريب وهو يمنع عنها سبل الاستقرار. فالخوف والتخويف بين اهلها مقيم، والحذر شيطان رجيم، والنار على حدودها ومن يضمن حدود النار. وفي كل يوم يطعن مسؤول في قدرة البلاد على الاستقلال مرة لقصور شعبها عن تحصيل مقومات الاستقلال والقيام عليه قيام الراشدين، ومرّة لقصور مؤسساتها على رغم إطناب الحديث عن انجازات هذه المؤسسات وارسال الاعجاب فيها بلا حدود، وكل ذلك ينذر باندلاع الحروب اذا ما ارتفعت يد الوصاية او انفكت قبضتها الامنية، وهو ذاته كلام لا يرى اعتلالاً في وفاق البلاد على كثرة الشاكين، ولا يرى خللاً من التحام اهلها على العروبة واختلاط لهجاتهم بها اختلاط الماء بالماء. يتطلع الشباب الى الدولة، فهل يجدون فيها الا العبث تسوقهم اليه بلا شفقة او رحمة، دولة لا تأتي حرثاً الا ما وافق هواها ولا تضع وتداً الا على تخوم زرعها، لا رؤية فيها ترسم للوطن اهدافاً ابعد من ولاية اشخاصها، ولا تنشئ ادارة لشأن عام يتعدى اتساع مصالحها، ولا سياسة ترتفع فوق الوان الانتهازية الشائعة شيوع الوباء العاصي على كل دواء، وفوق ذلك، ان للدولة حضورها الطاغي عساكر ورجال امن متعددين وسرايات عالية القناطر والقباب ومواكب كهبوب الر يح تخترق الزحام والمفازات. وهي دولة ما كانت يوماً الا طارئاً غريباً ينازع الناس سلطانهم على نظامهم القبلي والطائفي على رغم الالفة والمساكنة. نشأت وهي تأخذ من عامتهم لتعطي خاصتهم وتفرض عليهم قواعد في الضبط والانتظام لا يستسيغها الا مجتمع اعتاد ان يرى الحقوق العامة سياجاً للحقوق الخاصة وامتداداً طبيعياً لها، لا مجتمع ينتهي عند سلطان الفرد وسطوته ونوازع سجاياه وغرائزه. وما احتاج اللبنانيون يوماً الى دولتهم في اوقات الشدّة لتمنع قويهم من ضعيفهم او لتضع حداً لانفلات عصبياتهم حروباً لا تبقي ولا تذر الا افتقدوا اليها، واستحالت ظلاً او سراباً. أترى يجرؤ الشباب اليوم ان يفكروا بتغيير العالم من حولهم، عالمهم الصغير هم على الاقل، وطنهم المنسيّ من العالم، بعد ان كانوا بالامس يطلبون العلم ولو في الصين، ويختصمون على جهات الكون ويقحمون ارواحهم وافكارهم بقضاياه، بثوراته وصراعاته وتقلباته وآخر ابتكاراته وآراء فلاسفته وآخر شعاراته على مدى القارات كلها؟ أتراهم يجرؤون على حشر انوفهم في لعبة لم تعد لعبة للامم بل صارت لعبة واحدة بالامم تحركها انفجارات التقنية المعاصرة وتقرر مصائرها حروب الالكترونيات في لحظات كما حصل بالامس في حرب الخليج وقد مرّت امام عيونهم مرور السحاب وانتهى شريطها المسجل كما هو على شاشات التلفزة، الى سحق كامل لكل مشاريع الخروج على قواعد النظام العالمي الجديد واحكامه. أم لعلهم يفكرون بلبنان، وفيه التقت ذات يوم عناوين نادراً ما التقت في الربع الاخير من القرن العشرين، من حركة تحرير وطني لشعب مضطهد ومشرّد الى حركة وطنية ديموقراطية اغتذت اصلاً من نزعة شباب لبنان الممتلئ طموحاً المشبع بافكار التغيير والحرية المتمرد على السجن العربي الكبير الراغب في زلزلة الارض التي ترتع فيها الهزيمة. ولكن هل من امثولة اعمق اثراً في الوجدان وارسخ في الضمير من صورة آلاف الضحايا والشهداء لهذا الحلم الغارب، لزمن تثاقل منذ منتصف الستينات حتى تهدّج في اواسط السبعينات حتى الانكسار مطلع الثمانينات، يوم صار البكاء على بيروت في عزاء القدس، ويوم لم يبق الا الحجر يدق خوذة جندي غازٍ. ما تراها تركت سلسلة الانتفاضات والتمردات والحروب في ذاكرة هذا الجيل المهزوم حتى العظم، على مدى ثلاثة عقود، غير الخيبة؟ جيل ينفرط عقده كحبّ الرمان، يتناثر كزهرة بيلسان يابسة، يطوف اصقاع الارض بلا هوية الا بطاقة عمل، يتسكّع، يستجدي الحياة من اشداق مؤسسات فاغرة فاهها كذئب يبتلع هذا ويمضغ ذاك. ماذا بقي من الاحلام الكبيرة غير الوارثين لاسماء الحركات والجمعيات والاحزاب وخطابها ومكاتبها وصحافتها وممتلكاتها، وغير تجسيدات بشعة لروح التآمر والانقلابية التي اطاحت بخيرة البشر لتمحو تاريخهم فيكون لها تاريخ، ولتسلب من روّادها عمراً أفنوه لا يُستعاد ولا يُستفاد؟ وماذا بقي غير انظمة لم تعد الا اجهزة تعلو اجهزة من الامن الساكت المسكت لكل حداء عربي، ولكل غناء، وقد انحدرت في الذل القومي فهي عاهرة قاهرة. واحزاب مهجورة، استقالت من نفسها، تنكّرت لجلدها، اكلت ثدييها قبل ان تجوع، ووجوه قفزت الى كراسي الحكم على حبل ثخين من كهوفها السرية ومن تجارة الممنوعات وجرائم المسروقات، وما يزال بعضها يمتهن التمثيل ويقرع طبول الفقر ليغطي على أنين الموجوعين والمعذّبين، ويصرخ صرخة الشامتين بالوطنية، ويحكي بالمستقبل وهو يركض في الماضي ويسري في ليل بهيم. من يأبه لأمر الشباب اليوم، تأخذهم صرعات العصر، فِرقُ الهذيان والتهويمات العلوية، موسيقى تنهّد على رؤوسهم صخباً وقرقعة وعنفاً يتفجّر صيحات، وفناً ينحدر بالذوق الى تمجيد الموت لاجساد تلهبها سياط اللذة الحسية النازفة من اطراف الاصابع والعيون، ومدارس وجامعات اشبه بتكايا وزوايا لدراويش علوم التمذهب والتعصب والجمعيات المغلقة، تخطف الروح والانتباه وتنشر الخرافة، وجبهات سياسية تستدعي التاريخ احقاداً وبغضاء، وتستّل الكراهية من موروث لا يمكن ان يختصر بوجهه العنفي السالب، دون وجه الرحمة التي ارادها للناس، فكيف يفور هذا التاريخ براكين هوجاء ترمي على رؤوس الاحياء حمم الجوف؟ من يهتم لمستقبل لبنان، لشباب لبنان، من يتذكر ان ثمة مشروعاً لا يتعهده احد ولا يلتزمه احد ولا يقع في موازنة اي من الصناديق والمجالس، ولا يلحظه مخطط لاوتوستراد ولا طريق؟ لا وقت لديهم للتفكير..! وحدها لغة المعاش هي السائدة كيفما اتفق، وحده المال هو السلطة في الاقتصاد والاعتقاد والسياسة والاخلاق وهو المرجعية التي تنحني امامها كل المرجعيات. قيل: الانسان اغنى رأسمال، وقيل: الوقت من عمل لا من ذهب، إعلاء لقيمة الانسان الذي عليه مدار هذا الكوكب. لكن اين ذلك في نظام من السخرة الشاملة بات يعيشه الانسان ويعزّ فيه حتى القول: أنت تعمل فاذن انت موجود، وبالكاد ان يجدّد العمل الشريف القدرة والرغبة على استمرار الحياة. من يهتم لهذا، من يطرق باب المستقبل في لبنان؟!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*