الرئيسية / أبحاث / أرشيف “النهار” – حكاية الأسرة الشهابية يمتزج فيها التاريخ بالوجدان

أرشيف “النهار” – حكاية الأسرة الشهابية يمتزج فيها التاريخ بالوجدان

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 4 شباط 2020 | 06:50

قلعة حاصبيا الشهابية (أرشيفية).

 نستعيد في #أرشيف_النهار تقريراً كتبته مي منسى بتاريخ 28 آذار 1997، حمل عنوان “حكاية الاسرة الشهابية يمتزج فيها التاريخ بالوجدان… طارق ومفيد شهاب يرويان قَدَر حاصبيا والقلعة – السرايا من يعيد اليهما رونق الحجر لتستمرا في الشهادة؟”.

لعل الحجر هو الشاهد الاوفى للتاريخ والمؤتمن على احداثه. في مسامه ذاكرة الماضي وان نصلت بعض الحقائق في شتاتها يبقى الحجر هو الذاكرة، عمارة او حطاماً، نصباً او اطلالاً. ويظل موقعه الرقيب الوحيد على الامس، والحكواتي الذي يلتف حوله الناس، يقرأون في كفه معاهدات ومعارك، انتصارات وهزائم، خيانات وتحالفات. قلعة الامراء الشهابيين، المحطة التي على سكتها نستقل عجلة الزمن ونغور في العصور وسيرة الابطال، وذلك العناد العتيق من اجل الحرية. في حناياها اطياف امراء تألقوا وهووا، تزعموا وقضوا، حبكوا سلاماً او مؤامرات، صاهروا فأشتدت علاقات وتمكنت، وبقي الحجر كتاب تاريخهم صادقاً كلما وطئ اروقته زائر، يوزع اطيافهم بين الغرف والاقبية والشرفات وحول نافورات المياه.

يتكلم فنسمع وقع الخيول وهيصة فرسان متوجين بالنصر، او مزنرين بالهزيمة صامتين. قلعة حاصبيا الشاهدة لمراحل مهمة من تاريخ لبنان، الشامخة في الزمان والمكان، المتشبثة بوجودها في الغزوات الماضية، الرامزة الى البقاء في الاحتلالات الحاضرة، تثبتت في التاريخ منذ عام 1171 عندما قرر الامير منقذ الشهابي على رأس قبيلة شهابية مؤلفة من 15 الف مقاتل التقدم من ارض حوران حيث مضاربهم، الى وادي التيم لتحريرها من الاستعمار الصليبي، ومكافأة الظفر قلعة متينة على القاعدة الصليبية، شعت قوتها وتألق نفوذها على كامل وادي التيم. وهي من 800 عام تتصدر بلدة حاصبياً بحصونها، تطمئن رغم الاحتلال الاسرائيلي والاضطرابات المستمرة منذ اعوام، الاهلين الى ازلية الجذور، وتحذر الاجيال الطالعة من النزوح ودرسها الصمود كالحجر.

فاذا تفكك عن بعضه بعضاً، واذا في غياب اي صيانة له، تساقط بعضه، ظل مكتوماً متراصاً، قابلاً للنهوض حالما تمتد يد الترميم اليه. وادي التيم جبل الشيخ المكسو في آذار هذا، بالثلوج الناصعة، هوذا ينسم برداً بتولاً على الهضاب الخضر والوديان والبساتين الممتدة من الشوف حتى سفحه. حكاية القلعة الشهابية لا تروى غيباً. قصدناها حجاجاً فالحسرة التي ذرفتها الاميرة كارلا شهاب وهي تكلمنا ذات يوم عن الوضع الاثري السيء الذي تعانيه سرايا حاصبيا، اشعلت فينا حمية زيارته عن كثب وتفقد رمز من رموز تاريخ لبنان، لا يزال شهود ماضيه العريق، يزرعون الحبق والورد، على شرفات اجنحته العديدة المتآكلة، ويصونون اشجار الزيتون التي تحوطه، حصناً حياً من حصونه، وفي ثمارها طعم من الماضي لا يذوي. وكأن ورثة هذه القلعة من آل شهاب

– في حنينهم اليها والى طفولتهم العابثة بساحاتها واقبيتها، وفي ابتعادهم القسري عنها طلباً للعلم والاختصاص وعوداتهم كلما اشتعل الشوق في قلوبهم – اوكلوا الى المير مفيد الصامد فيها لا يتزعزع، مع عائلته، ان يبقى ذلك الجسر المتين بين الماضي والحاضر، يسند بكتفيه الجدران المهددة بالسقوط، يتفقد اجنحة الغائبين من الورثة، يعيد حجراً الى مكانه، يلحم جسراً، يتفادى الكارثة البارزة في شقوق الحصون، يراقب مجاري المياه التي تربط البرك الواحد بالاخرى، المتوسطة باحات القلعة، المشرعة على جبل الشيخ. فوحدها المياه لا تشيخ ولا تتجمد، وكلما سقسقت بين طبقة واخرى انعشت المساحات بأهلها القدامى وحركت الحكاية. مشوار العائلة الشهابية قدوة لا مثيل لها في تضامنها اللاطائفي واخلاصها للجذور وانتمائها الى الاصول بدءاً بالجد البطل منقذ الشهابي محرر وادي التيم من الصليبيين. امنيتنا في الذهاب الى حاصبيا رغم الاحوال السياسية غير المشجعة، مع زميلين من “النهار” موناليزا فريحة وعلي حسن، لم تلق عثرة بفضل مساعي الصديقة كارلا “وأبناء العم” الطيبين طلال شهاب ونزار شهاب اللذين لم ينقطعا عن بلدة الطفولة، بل يعبرون الهضاب والوديان والحواجز مع عائلتيهما في المناسبات والاجازات، حتى تبقى في رئاتهم نسمات صافية من جبل الشيخ. وذكريات رطبة من نبع الحاصباني، مزهرة من الازهار التي تنبت على ضفافه.

واذا الهدف قلعة حاصبيا الشهابية، فاذ الدرب اليها، ونحن ننعم النظر في جمال هذه البقعة الممتدة من الشوف حتى قمة جبل الشيخ، اضحى متواصلاً بالنصب التاريخي، مرتبطاً بتاريخ لبنان الماضي المستقبل. لقد امتزجت شهقات الدهشة حيال الاخضر المتدرج من الجبال والهضاب، حتى السهول، وسعادة الاقتراب من طبيعة ناعمة، عذبة فصلّها الخالق على قياس جغرافيا لبنان، والتأمل بتقوى، في اشجار اللوز المزهرة كنفناف آتٍ من جبل الشيخ، والانهار المتمايلة بخصرها النحيف بين بساتين الزيتون والبرتقال، كل ذلك امتزج بحسرة جارحة على هذا الوطن المستباح، المقطع الاوصال المقدر له الا يستريح. وددنا ان نستسلم كهذا الراعي وماعزه المحاذيين لسكينة الطبيعة والاضطرابات اليومية في آن واحد، فتعود العيش في قدسية هذا المكان وغبار الكبريت الملوث سنابل السهول، لكن حمى الواقع تغلب مشاعرنا فنسهو عن فتنة الارض ولا نعود نقرأ على جبين لبنان سوى تاريخ عارم بالغزوات والاحتلالات والمطامع، ونستذكر عبر قلعة تنادي الايدي الغيورة التي تنتشل شبح الانقاض عنها فتبقى صرحاً تاريخياً يروي الماضي من دون ان تلعثمه كومة من اطلاله. درس في التاريخ من يدرس التاريخ على مقاعد الدراسة، يفقد تفاصيله وخيوط مساحته، وتبقى في الذاكرة وقائع مختلطة، تحتاج الى من يفك عقدها لاجلاء الغمامات المتراكمة وانارة اللطخ السود على قدر وطن او على ملء ثغر فرغت مع الزمن من احداث صنعت سياسة وطن وحددت معالمه. في نفس الامير طارق شهاب حنين الى حاصبيا.

يتكلم عليها، بأشتياق المقتلع قسراً عن الارض التي رأى فيها النور وشب غصناً يافعاً من شجرة عميقة الجذور، متفرعة سلالات. محبوكة بأحداث التاريخ يروي المراحل حكواتيا، كالقلعة التي عاش فيها. فما هو المسار الذي عبره الشهابيون في الزمن البعيد حتى وصولهم الى وادي التيم، متوجين بلقب الامارة الذي كافأ انتصاراتهم وجرأتهم وبسالتهم في معاركهم وتحرير بلادهم. واذا كان المحامي طارق شهاب يتكلم على علاقته بحاصبيا بوجدانية وشاعرية، الا انه يروي بأسلوب المؤرخين حقبة طويلة عمرها 800 عام. “حاصبيا هي وطني الصغير. تربيت فيه. تمتعت برؤية جبل الشيخ الصامد وبطلوع البدر من ورائه. في شباط وآذار كانت حاصبيا ناصعة بأزهار شجر اللوز. على ضفاف الحاصباني لعبت وركضت. مسكننا، القلعة المقسمة بيوتا لفروع العائلة الشهابية ورثتها. حجار قديمة. اقبية في العقود. جدران سماكتها متر ونصف متر من الحجر والكلين. هي اساسا بيت الجد، المجاور لمسجد البلدة. ثم ترك جدي الامير علي شهاب القلعة لأبي وعمي فتقاسماها. ورغم اننا سكنا فيها فقد شملها مخطط مديرية الآثار، وكنا في الفترة التي تلت الحرب نصلحها على نفقتنا خشية ان تندثر الآثار.

 ومن تولى قبل الحرب صون هذا المقام؟

– بمسعى من الامير مجيد ارسلان وغيرة زوجته الراحلة الست لميس الشهابية على ارث الاجداد، اهتمت الدولة عبر مديرية الآثار، وكان يترأسها الامير موريس شهاب، بصون القلعة. ومنذ الاحتلال الاسرائيلي باتت حماية الموقع عملية شاقة، ولاسيما ان جزءا من سطوحه التراب بدأ يتفتت. السلالة الشهابية ماض حي لم يندثر في متاهات الزمان. من جذور الحارث بن هشام بن المغيرة نبت الشهابيون والحارث بن هشام قرمشي وسيد بني مخزوم. ومن نسبهم خالد بن الوليد، اشهر القادة في تاريخ العرب. والشجرة الشهابية وارفة في التاريخ: “ابو بكر الصديق، عندما قرر تنفيذ قرار النبي بفتح بلاد الشام، جمع آل قريش وبينهم الحارث بن هشام ومعه 15 الف مقاتل وطلب اليهم التوجه بقيادة ابو عبيدة ابن الجراح الى الشام وفتحها. وبعد فتحه العراق، توجه خالد بن الوليد الى الشام لمساعدة ابن الجراح وقاد معركة اليرموك وظفر ففتحت امامه الدروب. في حصار الشام استشهد الحارث بن هشام فتولى ابنه الامير مالك منصب والده القيادي، وقد لقب بشهاب تيمنا بجده شهاب بن زهرة القرمشي. انتقلت هذه القبيلة الى شهبا المحاذية لجبل الدروز، وبسطت سلطتها طوال ستة قرون، محافظة على قدرتها العسكرية، معتزة بلقب الامارة التي منحها اياها ابو بكر الصديق. الامير عامر الاذرعي شهاب، كان قائدا مقداما، احتل درعا، وكان ايضا شاعرا، يرتجل ابياته في ساحات المعارك فيبث في المقاتلين زخما وحمية، ولاسيما في رد غزو القرامطة عن سوريا في عهد الدولة الطولونية”. وادي التيم

 ومتي انتقل الشهابيون الى وادي التيم؟

– في عهد نور الدين زنكي كانت علاقتهم وثيقة بصلاح الدين الايوبي. وحين استقر صلاح الدين في مصر مؤسسا ملكا، استدعاه نور الدين مرات عدة فلم يلب. فوقع نفور بينهما. اما الشهابيون وحيال علاقتهم الحميمة بالايوبي، فقرروا الرحيل الى مصر. وادرك نور الدين زنكي كم ان انتقال هذه القوة العسكرية بعيدا من جغرافيته يؤثر في مكانته. بعث برسل، وكانوا وصلوا الى جسر بنات يعقوب في فلسطين عام 1170 ليقنعوهم بالعودة ويخيروهم في المنطقة التي يحبون الاقامة فيها في سوريا، بما فيها الشام. فتشاوروا ووافقوا وقالوا: لا نرغب في سكن المدن والامصار، بل القرى والقفار. وتلك المنطقة المختارة هي وادي التيم. وقالوا سنحارب الصليبيين ونخرجهم من الارض المحتلة، وانتشر 15 الف مقاتل من وادي الحرير حتى ضهر الاحمر القريبة من راشيا. وحشد الصليبيون قواهم بين حاصبيا والشقيف وتبنين في منطقة راشيا لمواجهة الشهابيين. انتصر الشهابيون في المعركة الاولى في ضهر الاحمر، فأستولوا على بلدة راشيا. ثم تابعوا الى حاصبيا. حاصروا القلعة الصليبية القوية وتمكنوا من الاستيلاء عليها واسروا قائدها المعروف ب”القنطورة” اي الكونت دي تور. وعندما علم نور الدين زنكي بأنتصاراتهم، كرسهم امراء في وادي التيم. وكان لقب الامارة هذا الثاني بعد لقب ابي بكر الصديق”.

 الم يتسبب دخولهم الظافر وادي التيم بغيرة القبائل المجاورة؟

– كان المعنيون سبقوا الشهابيين الى هذه الارض، واستوطنوا قبيلة اموية في الشوف وعندما علموا بانتصارات الشهابيين جاؤوا مهنئين الى الوادي وفي مقدمهم الامير يونس المعني. ثم رد الامير منقذ الزيارة في الباروك حيث كان يصطاف المعنيون فيما يمضون الشتاء في بعقلين. خلال تلك الزيارة الاولى تمت اول معاهدة بين القبيلتين.

 والمعاهدة لا بد ان تؤدي الى تحالفات سياسية وعسكرية.

– قامت فعلا معاهدات بين شهاب ومعن، ولاسيما ان الصليبيين كانوا يستعدون لغزو الشوف من قلعة الشقيف. بعد 17 عاما عاد الصليبيون وحشدوا قوات في سهل مرجعيون وحاولوا استعادة وادي التيم. فوقعت معارك ضارية انتهت بانتصار الشهابيين. واستقرت بهم الاقامة من وادي الحرير حتى صفد وبحيرة طبريا في فلسطين نحو قرون عدة. وكانت حاصبيا قاعدة الامارة.

 التاريخ ذكر مقاما آخر للشهابيين هو راشيا،

– كان للامير منقذ ولدان، علي واحمد. وكان الامير احمد يعلل النفس بتمتين اواصر الاخوة عبر اقتران ابنة علي بأبنه، لكن الامير فخر الدين سبقه الى طلبها زوجة لابنه. هذا الامر احدث انشقاقا بين الاخوين، ودفع علي احمد الى اقامة امارته في راشيا حتى صالحهما الامير فخر الدين اوائل القرن السابع عشر. شجرة العائلة

 هل شجرة عائلتكم لها تاريخها الرسمي؟

– في تاريخ العائلة مخطوط عمره مئة عام كتبه الامير نجيب الشهابي، وبه ركز الضوء على فروع عديدة عائدة الى جذع واحد. قبل مئة عام ولدت جامعة الامراء الشهابيين التي اعدنا احياءها قبل عامين. وقريبا نحتفل بالذكرى الثلاثمئة لتولي الشهابيين السلطة في جبل لبنان.

 في ذلك الوقت كان الشهابيون قد خرجوا من عصبيتهم القبلية؟

– عندما انتقلوا من وادي التيم الى الشوف احتاجوا الى دعم شعبي فوجدوه لدى الدروز والموارنة. وثمة مقال للدكتور منير اسماعيل فيه انه كان للشهابيين ثلاثة خيارات، اما ان ينقادوا الى والي دمشق العثماني فيدعم قوتهم واما الدروز واما الموارنة. وانطلاقا من نزعتهم الاستقلالية وجدوا ان الباب الوحيد الداعم لقوتهم هو ابناء الجبل من دروز وموارنة. الحكم الشهابي الذي خلى الامراء المعنيين، تسلسل بين امراء من حاصبيا وراشيا، مسيحيين وسنّة، اولهم الامير بشير الاول من 1697 حتى 1706، وكان من راشيا. وتولى الحكم بعده الامير حيدر من حاصبيا حتى 1730، ثم الامير ملحم حتى 1753، وتلاه شقيقاه حتى 1770 ثم يوسف حتى 1789 فبشير الثاني حتى 1840 وبشير الثالث الذي حكم عاما واحدا وحسب.

عندما زارت الهيئة الادارية للعائلة الشهابية الرئيس فؤاد شهاب رأى عائلة من طائفتين، مسيحيين وسنّة، فدمعت عيناه، وقال: لكم وددت ان يكون لبنان كله عائلة واحدة من دون تفرقات مذهبية. انتم مثال هذه العائلة. السرايا، قلعة وتاريخ وضيافة. القلعة تتقدم المباني الحديثة، المتفوقة على البيوت التراثية في حاصبيا. تفتح ذراعيها لئلا يرى الزائر سواها ولئلا يتعكر صفو الغاية اليها. المسجد القديم قدم القلعة رفع مئذنته قلماً مروّساً يكتب التاريخ في السماء. على باب السرايا وقبل ان ندخل زوارا مكرمين، استقبلنا المير مفيد حارسها، المؤتمن على ارثها الانساني، مع زوجته ناديا وابنته سها وابنه الوحيد اسماعيل. بعد حين نزور الحجر وصداه، والنقوش والفرن واقبية العقد برفقته، دليلا، احتفظ بامجاد العائلة في اروقة المكان. ولانه آثر البقاء في هذا المكان، ولان مدخنة هذا الجزء الصغير من القلعة، ما زالت مشتعلة منذ القرون الماضية، ولم تنطفئ نارها ثانية، ظلت القلعة محتفظة بانفاس انيسة، تمنع شبح الموت عنها. فيما صوت المير مفيد يهدر قويا، بسر البقاء في ارض الاجداد. انتقلنا في الزمان وصرنا من ذلك العصر الماضي، وضوضاء المدينة والهضاب المحتلة شبه منسية. تكلم على تاريخ سرايا الامراء الشهابيين فخلنا التاريخ البارحة، لو لم نلمس بالنظر، واليد، العياء الذي وصلت اليه هذه القلعة. ثمة جدران بدأت تتفكك حجارها. واحدا تلو اخر، وتتساقط كجنود هزمهم العدو.

لكن الاقسام العنيدة في صمودها شاهدة لقدر هذه القلعة الموزعة، باحات وشرفات وغرفا للسكن وحصونا مقفلة، الا من كوات معدة للمرمى. مع وصولنا الى قبو مظلم من الاقبية العديدة، تذكر المير نزار الجراح التجميلي انه طفلا كان مع اخوته وابناء عمه، يغامرون بدخولهم هذه الاماكن فيعثرون على جماجم وهياكل، يعتقد انها باقية من مجازر افتعلت على الشهابيين في هذه القلعة خلال احداث الجبل. الشهابيون بنوا السرايا على انقاض القلعة الصليبية التي لم يبق منها سوى جزء من الجدار الشرقي. فقبل قدومهم الى وادي التيم قامت قلعة صليبية منذ 1150 عندما احتل الصليبيون وادي التيم. المعركة الاولى فتحت بين الشهابيين والصليبيين في بلدة ظهر الاحمر قرب راشيا، فتمكن الشهابيون من احتلال راشيا والسيطرة على القلعة ثم بنوا على انقاضها قلعة راشيا الحالية التي تم اعتقال ابطال الاستقلال فيها عام 1943.

وفيما نواصل التجول في حنايا السرايا كان التاريخ يواصل حكايته: “عام 1284 دخلت جيوش التتار سوريا وتقدمت الى فلسطين من طريق وادي التيم، فاحرقت بلدة حاصبيا بما فيها سرايا الشهابيين. ولدى وصولها الى فلسطين هزمها المماليك. وعام 1612، وعلى اثر خلاف بين احمد باشا الحافظ والي الشام العثماني وامير حاصبيا علي الشهابي، ارسل الوالي قوات عسكرية بقيادة ابنه هدمت السرايا ونهبت حاصبيا. وعام 1617 اوفد الوزير العثماني محمد باشا جركس قوة بقيادة حسين اليازجي دخلت حاصبيا وهدمت قسما من سراياها. وعام 1633 ارسلت الدولة العثمانية جيشا بقيادة احمد كجك باشا لمحاربة الامير فخر الدين المعني الثاني الكبير. فتوجهت قوة من هذا الجيش الى حاصبيا حيث احرقت السرايا ونهبت البلدة. وكذلك في اعوام 1660 و1671 و1860 في احداث الجبل الدامية. اليوم لكل باحة مناظرها الخلابة وهواؤها وحضنها الفسيح في وسطه بركة مياه ومدارها لواوين للجلوس.

الشهابيون بنوا السرايا على مراحل عدة فوق انقاض القلعة الصليبية وتمتد مساحتها على 20 دونما. تتألف من طبقات عدة. في الطبقتين السفليتين مشينا على طول امتار من قبب العقد المبنية من جدران سميكة. وبمقدار ما يرتفع البناء تبدأ القناطر تزين المكان، متكاتفة بأعمدتها المنقوشة بزخرفات ونقوش عربية ناعمة. الرواق الرئيسي تعلوه قنطرة وتعتبر الاعلى في المباني الاثرية القديمة. كان للسرايا اربعة ابراج بقي منها واحد يعتبر الاثر الصليبي الوحيد في هذا المكان. لكل طبقة بهو للاستقبال، وثمة صالة تختزل في هندستها الزخارف والنقوش كلها، وتعرف ب “الفستقية” وتفور من بركتها المياه فتنعش المكان في حرّ الصيف. التاج المنقوش بأسلوب الفن الاسلامي، روعة من الزخرفة الآتية من بلاد الاندلس، والهندسة بواسطة حجار من الوان مختلفة. نتأمل في التاج فتتراءى ملامح أمير جالس على عرشه وحوله أعوانه. لكن المنظر هش، يكاد ينبىء بكارثة في البناء.

فالتاج صامد عياء على جدار، جزء منه مفكك وهو على مدخل القاعة الشرقي. جمال هذه القاعة بأعمدتها الفارغة التي كانت تستعمل هاتفا لسماع وقع سنابك الخيل في حال تعرض السرايا لغازٍ ما، بنقوشها المختلفة العصور، الممتدة من الزنبقة شعار ملوك البوربون الفرنسيين، الى الفنون المملوكية والاسلامية، كلها تتعايش على حجاب باب واحد بغنى وعياقة. والزائر ينتقل من الفنون الجميلة والزخرفات الانيقة، رمز رهافة الامراء في تلك العصور وتأنقهم في حياتهم اليومية، الى السراديب المظلمة. فثمة سرداب تحت الارض يصل أقبية السرايا بوادي “البوصيص” قرب مقام النبي روبين. وقفنا على باب مدخله نستمع الى المير مفيد يروي لنا ان هذا السرداب كان يستعمل للحصول على المياه في حالات الحصار ولأغراض حربية. الساحة بين السرايا والمسجد كانت ميدانا للفروسية والمبارزة بالسيوف والرماح كل يوم جمعة. وحول السرايا مبان اثرية كالبرج الامامي، وكان حصنا لحمايتها من الغزاة وورثة الامير طارق شهاب فأصبح منزله. وثمة مبنى آخر شرق الميدان يقال انه كان ديرا صليبيا. وفي وقت معاصر لبناء السرايا تم بناء مسجد حاصبيا ومئذنته الاثرية.

على مدى عشرات الاعوام اهتمت مديرية الآثار بترميم السرايا وحمايتها من الانهيار، وكأن قدر حاصبيا ان يظل مهددا بالغزوات والاحتلالات، فها سراياها اليوم مغيبة عن اهتمام الدولة بفعل الاحتلال مما أدى الى أضرار فادحة في بعض اقسام المبنى، ولا سيما الدار الفوقا. عند الاخطار ينزح الناس، يختبئون، يأوون في الاماكن الاقل تهديدا وخطرا، ويظل المبنى صامدا، واقفا في وجه الريح والنزاعات والعنف يتلقى الحقد ولا يهرب، يتلقى الصفعات ولا يخفي وجهه ولا يتنكس الى ان يضطره التنكيل للانحناء فينكسر. هذا هو قدر قلعة حاصبيا الاثرية. وعلى مقربة منها نهر الحاصباني، رقراقا، نابعا في موسم يتجدد كل سنة ولا يقف في دربه نزاع، سعيدا باختراقه البساتين وريها. وقد تشن حروب في شأنه ومطامع، ويبقى في مجراه غير آبه، زخارفه الازهار ونقوشه الاعشاب وحجار التربة. المطلوب اليوم وفي سرعة التجند لترميم سرايا الشهابيين من الاندثار ليعود الامراء القدامى يطوفون روحا وفكرا في اروقتها، وليعود وقع سنابك الخيول يقدح في الساحات والممرات وتحت القناطر، وليتفتح الحبق والفل والورد التي يشذبها المير مفيد ويرويها ويتقن صونها لعلها تنعش أجواء المكان وتعيد اليه الحياة.

اضف رد