أرشيف “النهار” – بلدة الأمراء أنجبت بشير الشهابي واستضافت لامارتين

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 19 آذار 2019 | 07:00

الأمير بشير الثاني الكبير

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه جورج حايك في “النهار” بتاريخ 7 تموز 1998، حمل عنوان “بلدة الأمراء أنجبت بشير الشهابي واستضافت لامارتين… غزير حكاية تعايش بين أديرة وجوامع آثارها تحيا على عز غابر وتأمل بالتأهيل”.

شغلت بلدة غزير منذ القدم موقعا مهما في مجتمع جبل لبنان سياسيا واقتصاديا وثقافيا، حتى نشوء لبنان الكبير في عهد الانتداب. ففيها اقام الامراء العسافيون وآل سيفا والشهابيون وآل حبيش الذين اتخذوها مقرا لزعامتهم. ومتى جلت في غزير، صادفت معالم اثرية تروي حكاية التآخي بين آل عساف وآل حبيش والشهابيين، عاكسة روح العيش المشترك. وزير الثقافة والتعليم العالي فوزي حبيش وعد اخيرا بالاهتمام بآثار غزير، مما دفع “النهار” الى زيارة البلدة والاطلاع على معالمها التي تتألم بسبب الاهمال. يعبر كثر من اللبنانيين طريق المعاملتين، لكن احدا منهم لا يفطن الى الاهمية التاريخية والاثرية للجسر الروماني الممتد تحت كازينو لبنان، والذي كان يفصل معاملة صيدا الجنوبية عن معاملة طرابلس الشمالية. لذا عرف بنهر المعاملتين ولا تزال المنطقة تحمل هذا الاسم. وكتب الاب لامنس اليسوعي: “جسر المعاملتين من الاثار الرومانية، ولعل التركمان اصلحوه فقط”، مؤكدا “ان هذه المحلة تعرف بالمعراب وتتضن آثارا رومانية مثل بقايا النواويس والطواحين المحفورة في الصخور”. لكن الجسر يبدو اليوم مهملا، اذ نبت العشب البري على اطرافه واجتاحه العليق. سيدة الابراج من المعالم الاولى التي تطالعك عند دخول غزير كنيسة سيدة الابراج التي بنيت على انقاض برج قديم في القرن السادس عشر، علما ان بعض اثاره لا تزال ظاهرة. هذا البرج بناه سليمان بن عراب التركماني لمراقبة طريق الساحل والجبل ومنع اتصال الكسروانيين بالصليبيين. وعام 1516، اقام فيه عساف التركماني ثم سكنه الامير منصور حسن عساف عام 1523، وسرعان ما بنى سرايا ملاصقة له وسلم البرج لوزيره عبدالمنعم الهاشم الذي تآمر عليه لاحقا. لذا قرر القضاء عليه وكلف مشايخ آل حبيش تدبير امره، فقتلوه مع انسبائه. وقرر الامير ان يكافئ المشايخ فوهبهم البرج، فأقاموا فيه فترة ثم حولوه كنيسة علي اسم سيدة الابراج. فيها، تنصّر الاميران بشير وحسن شهاب ثم رممها الثاني عام 1721 والاب اسطفان حبيش عام 1855. والملاحظ ان الزاوية الشرقية الجنوبية من الكنيسة قديمة وهي من بقايا برج بن عراب. اما الزاوية الشرقية فتشكل قسما من المنزل الذي بناه الامير منصور. مار فرنسيس المحطة الثانية كانت دير مار فرنسيس للكبوشيين الذي يبعد بضعة امتار عن كنيسة سيدة الابراج. الاهالي قالوا “ان الدير كان سرايا بناها الامير عساف ووسعها الامير منصور عام 1532، فعزز صلابة حجارها”. وكتب المؤرخ حبيب مرعي: “استنادا الى ما ورد في كتاب “تاريخ الازمنة” للبطريرك اسطفان الدويهي، ان الامير حسن اخبر عن مجيئه الى غزير واقامته في دير كان يحمل اسم القديس يوحنا قبل ان يهدمه حكام غزير المسلمون ويبنون سرايا على انقاضه”. اضاف: “وهب الامير حيدر شهاب الرهبان الكبوشيين عام 1712 احد اقبية السرايا، فبنوا فوقه ديرا باسم مار فرنسيس، وشهدت احدى غرفه ولادة الامير بشير الشهابي”. الدير اليوم مدرسة تديرها الراهبات. قاعاته تتكئ على اقبية معقودة، وجدرانه مدهونة وبعض غرفه مرمم حفاظا على سلامة التلاميذ. سلكنا ممرا طويلا يؤدي الى الغرفة التي ولد فيها الامير بشير. في محاذاتها كنيسة تعلوها قبة مسجد. ويحكى ان الامراء العسافيين المسلمين كانوا يصلون فيه قبل ان يتحول كنيسة. رافقتنا احدى الراهبات الى قبو تقع فيه زنزانة كانت حبسا لأسرى المعارك والمجرمين. لكننا لم نستطع دخول عمق الدهليز بسبب الظلام الدامس. والحق ان الدير يستحق التفاتة من مديرية الاثار للحفاظ على طرازه المعماري. في محاذاة دير مار فرنسيس، لفتنا منزل قديم يملكه لويس بشارة حداد ويحتاج الى صيانة. حداد استأجره منذ زمن بعيد. وروى “ان الامراء الشهابيين شيدوه ثم انتقل الى آل باخوس الذين اقاموا فيه مدة طويلة وحوّلوه فندقا”. ولفت الى “ان طراز البيت يحاكي قصور الامراء والاقطاعيين. وهو يتألف من طبقتين، سقوفهما عالية وابوابهما ونوافذهما واسعة”. وعنده “ان الطبقة العليا سكنها الشاعر الفونس دو لا مارتين وكان يتأمل منها غروب الشمس”، مؤكدا “ان هندسة المنزل لم تتغير نسبيا، باستثناء قفل احدى القناطر وتحويلها غرفة”. ودعا مديرية الاثار الى “الحفاظ عليه لأنه ثروة في ذاته”. مار الياس ومن اقدم آثار البلدة، دير مار الياس الذي تقيم فيه الراهبات الانطونيات. وكتب عنه الشيخ خليل رشيد اسكندر حبيش: “بنى الشيخ طربيه حبيش كنيسة مار الياس – غزير مع دير عظيم من ماله الخاص عام 1689، ثم سلم انجاله الدير للرهبان الانطونيين عام 1713”. لكن المؤرخ مرعي كتب نقلا عن مجلة الشرق عام 1905 “ان دير مار الياس لم يكن في البدء سوى كنيسة صغيرة لا يعرف اسم بانيها، ثم رممت عام 1666 وبنيت الى جانبها غرف صغيرة. وجدد بناء الدير رهبان مار شعيا”. مداخل الدير تتخذ شكل قناطر، واللافت فيه باب الكنيسة القديمة. واذا رغب زائره في المزيد من الخشوع والقداسة، لا بدّ له من الصعود الى تلة تعلو حوالى 525 مترا عن سطح البحر، حيث يستريح دير مار انطونيوس خشبو كقلعة حصينة على خليج جونيه. وقد تحول مركزا للرهبانية اللبنانية المارونية ابتداء من 1986. هنا يسود الهدوء. ولا يمكن سبر أغوار هذا المكان العريق بدون الاستعانة بكتاب المطران يوسف محفوظ. حكاية الدير بدأت عام 1720، مع رهبان مار شعيا الانطونيين الذين اسسوا ديراً صغيراً في مزرعة بيت خشبو، لكنهم غادروه بعد 20 عاما. وضاق دير الكريم في غوسطا بالرهبان الارمن فتسلموا الدير الانطوني عام 1746 ووسعوه واقاموا فيه حتى عام 1884. وخلال اقامتهم استضافوا عام 1837 الشاعر البولوني المعروف يوليوس سلوفيسكي الذي كتب فيه احدى رواياته المعروفة. اما الرهبان الكبوشيون فانتقلوا الى الدير عام 1862 بعدما استأجروه من القاصد الرسولي. واستنادا الى محفوظ، درّسوا فيه الفلسفة واللاهوت واضافوا اليه طبقة جديدة في الجهة الشمالية. الا ان هندستها كانت متواضعة قياسا بالاجنحة التي بناها الرهبان الارمن. عام 1899، ترك الكبوشيون الدير، وظل مهجورا فترة طويلة حتى اصبحت طبقته الارضية زريبة للماعز والاولى خرابا. وعام 1977 اشتراه المتمول اسطفان فسوح ورمم كنيسته مستعينا بعمال مديرية الاثار، فاعادوا اليه رونقه. لكنه عاد الى الرهبانية اللبنانية المارونية عام 1981. وكان يحوي آنذاك 42 غرفة وكنيسة هي من اهم كنائس الرهبانية في الشرق. طولها 30 مترا وعرضها 15 وعلوها 16. واللافت ان الدير ادرج على لائحة الجرد العام للمباني الاثرية عام 1982. لا تزال هندسة الدير الخارجية انيقة ومميزة. وتشهد اروقته وقاعاته لبراعة ودقة في الفن المعماري، تميز بهما الرهبان الارمن. وهو يحمل الى اليوم لوحة رخاما تؤرخ لمجيء الشاعر البولوني سلوفيسكي. المدرسة الاكليريكية ويتباهى اهالي غزير بالمدرسة الاكليريكية في بلدتهم التي كانت قصرا للامير عبدالله شهاب. حجارها العتيقة ما زالت صامدة. صحيح ان بعض جدرانها زال، الا ان من يجول فيها يلاحظ بوضوح الاقبية العقد السميكة التي تذكر بحقبات ولت. وروى لويس حداد “ان الاباء اليسوعيين اشتروا هذه الدار عام 1844 وحولوها مدرسة لاهوتية عام 1864″. والمعروف ان الاب نعمة الله كساب الحرديني كان له دور في ازدهار هذه المدرسة، بعدما ارسل اليها سبعة من طلابه للحصول على ثقافة اوسع واعمق. وذكر انه كان يزورهم حاملا لهم ما تنتجه الاديرة من خمر واجبان وتين مطبوخ. وخدمت فيه كذلك الطوباوية رفقا الريس سبعة اعوام، قبل ان تتنسك في دير مار سمعان القرن. الحبشية الى كنيسة سيدة الحبشية التي قال المؤرخ مرعي ان الاحباش بنوها وداخلها ايقونة للعذراء قديمة. اما آل حبيش فينسبون تسميتها الى عائلتهم. عام 1830، وسع الاب عبدالله بن طانيوس خليفة الكنيسة بالتعاون مع حاكم غزير الامير عبدالله شهاب. وبعدما جددت في الخمسينات، تولى اخيرا الاب الياس الخويري ترميمها محافظا على اصالة بنائها الماروني. ولم يكن العثور على مدفن آل عساف وآل سيفا وآل شهاب صعبا، وهو موقع معروف ب”القبة” ويقع جنوب غزير. وابرز من ووري فيه الامير منصور عساف ورئيس الجمهورية الراحل الامير فؤاد شهاب. “المزار” ومن المباني الاثرية مدرسة “المزار” التي بناها الشهابيون قبل 200 عام ويذكر طرازها المعماري بهندسة قصر بيت الدين. اصبحت لاحقا ملك المطران لويس زوين، وله الفضل في تحويلها مركزا تعليميا استقطب التلاميذ المسلمين والمسيحيين. وقد خرّجت ادباء وشعراء واطباء وصحافيين وضباطا ورجال قانون ومدرسين في مقدمهم المطران الياس ريشا ورئيس تحرير جريدة “الاهرام” داود بك بركات وبشارة الخوري (الاخطل الصغير). ثم تشييدها على تلة. وتحولت عقودها في الحرب العالمية الاولى معملا للنبيذ ثم صارت ملك جيلبيرت زوين كريمة موريس زوين. انهارت اليوم بعض سقوفها وجدرانها وغزاها الباطون وسدت بعض منافذها. لكنها ما زالت تضم اطلالا عتيقة. نزولا الى ميدان غزير، يصادف المرء بناء مستطيلا متوجا بقرميد يستند الى اربعة مداميك. انها سرايا غزير التي بنيت على عهد المتصرف مظفر باشا عام 1902. هندستها بسيطة لكنها متوازنة ومنسجمة وتتوسطها خمس قناطر. وعلى اعلى القنطرة الوسطى رسم لهلال ونجمة مخمسة الاضلع تدل على ان المبنى كان يتبع للعثمانيين. وفي غزير سوقان شعبيتان: القناة ولم يبق منها الا بعض الحوانيت التي تخلعت ابوابها، والجامع التي حملت هذه التسمية لانها كانت تضم مسجدا. ابن البلدة ابرهيم حداد قال: “نتعاون مع اخواننا في غزير لنصون هذه الاثار ونحميها، ولاسيما بعد الانتخابات البلدية. ويلحظ برنامجنا ابراز هذه المعالم لتحقيق نهضة اجتماعية وانمائية”. جورج حايك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*