أرشيف “النهار” – بطرك “جميع الايام”!

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 14 أيار 2019 | 06:30

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبته زينا الخوري في “النهار” بتاريخ 24 حزيران 2000 حمل عنوان “بطرك “جميع الايام”!”.

الجموع التي توافدت الى ساحات بكركي، عصر الاحد الماضي، لتشارك سيد الصرح يوبيله الكهنوتي الذهبي، انهمرت من كل المناطق اللبنانية والسورية على السواء. جاءت لتقول له، بعفوية: مبروك. “كنت امينا على الكثير… ادخل فرح سيدك!”. هذه الجموع الغفيرة، حملت لافتات كبيرة، ورفعت شعارات متعددة الانتماء، مزخرفة العبارات، رنانة الصرخات، بعضها من يبايع “الراعي الصالح” وبعضها يطالبه بأن يبذل نفسه عن الخراف، ويلقي شجون الوطن، وقلق المواطن على كتفه… عبارة واحدة رفعت، وحفظها كثيرون منذ نعومة الاظافر، وتساءل العارفون عن ابعادها في هذه الايام، هي: “مجد لبنان اعطي له!”. اي مجد هذا الذي بقي في لبنان؟ هل الدور الذي حمله بطاركة الموارنة منذ قرون لا يزال دور امجاد في هذا العصر؟ هل مجد لبنان زمني ام روحي؟ سياسي ام ديني؟ وطني ام عالمي؟ هل هو مجد التضحية والاستشهاد ام جني الحصاد واعتمار اكاليل الغار؟    في كلمته المدروسة بدقة وعناية، والتي حملت عنوان: “انا معكم في جميع الايام”، عدد البطريرك صفير ادوار اسلافه بلفتة رمزية منه، في مناسبة تخصه وحده. والمعروف ان غبطته ينتقي كلماته بحكمة ودراية، هو الذي برع في اتقان لغة الضاد، منذ شبابه، وكان لا يزال طالبا في اكليريكية غزير حين احتل المرتبة الاولى في مباراة ادبية جمعت طلاب لبنان وسوريا في حينه! في كلمة اليوبيل، تذكر البطريرك الحاج باني بكركي، والحويك باني الديمان وابا الاستقلال، وعريضة ابا الفقراء، والمعوشي الذي شرّع الصالون الكبير لمشايخ المسلمين وخريش الذي فتح صدره امام المسلحين… باختصار بارع، وبكلمات قليلة، لخص البطريرك المحطات البارزة من تاريخ اسلافه الخمسة الذين تعاقبوا في القرن الماضي، تاركا لجموع المؤمنين وللاساقفة الثمانية والعشرين ان يلخصوا بأنفسهم ابعاد الدور الذي لعبه البطريرك السادس والاخير في القرن العشرين، واي مجد اعطي له في لبنان والخارج؟ انه البطريرك الذي تبدل معه وجه الكنيسة، فانفتحت على الشعب، وتطورت فيها الادوار الانسانية والاجتماعية فأنشأت المؤسسات وقدمت الخدمات والتفتت صوب المواطنين بعلاقة جديدة ونوعية. انه بطريرك “الصمود” المعروف بمواقفه العنيدة التي لا تلين ولا تتزحزح. هكذا كان في دفاعه عن الحرية وتمسكه المطلق بسيادة هذا الوطن وصون استقلاله. اذا كان الحاج قد بنى بكركي، فان صفير جدد البناء، واضاف اليه، وتزامن تدشينه مع اليوبيل. كما جدد ابنية كثيرة وانشأ المدارس والمكتبات واقام بيوتا اجتماعية في مختلف المناطق. واذا كان الحويك ابا الاستقلال فالبطريرك الحالي جال على الكرة الارضية ساعيا لتوطيد هذا الاستقلال في احلك الظروف واخطرها… وكانت محطة الفاتيكان، وعلاقته المميزة بالحبر الاعظم، المدخل الاساس لتثبيت الكيان اللبناي وفتح الافاق العالمية لهذا الوطن من خلال السينودس الذي دعا اليه البابا وكرسه بزيارته التاريخية للوطن الصغير… هذه الزيارة التي اعطت ثمارها الجيدة! واذا كان البطريرك عريضة “ابا الفقراء” فقد اصبح نصر الله نصير الضعفاء وعزاء المظلومين ورجاء الفقراء، وباتت مجالسه اليومية محط انظار كل متعب في ارجاء هذا الوطن، يحج اليه الناس طالبين المساعدة وساعين الى تعزية او سائلين مشورة تزيل الهم عن القلب او تخفف وطأة القهر وجور الظلم… واذا كان المعوشي قد فتح صالون الصرح للمشايخ المسلمين فان هذا البطرك فتح قلبه ومد ذراعيه لكل الطوائف، وبنى جسور الوفاق الوطني عن قناعة مترسخة في اعماقه وظل يردد بكل مناسبة: “لبنان وطن لجميع ابنائه ولا فضل لطائفة على اخرى”. واذا كان خريش قد شرع صدره للمسلحين فانه هو تعرض اكثر من مرة، وواجه اكثر من خطر. وقاوم الضغوط المتكررة، فكان يتصدى للمواقف العسيرة بابتسامته المريرة ويهز رأسه ولا يتزحزح! انه بطرك جمع بطاركة عدة في جبته السوداء، وحمل جسده النحيل عزيمة جبابرة، ولا يزال وقد ناهز من العمر عتبة الثمانين يتمتع بشباب قل نظيره، ويمارس رياضة المشي ويتسلق الجبال كل صباح ولا يجاريه برحلاته الشاقة الا الشبان الاقوياء… وكأن العزيمة التي في قلبه تتأجج في جسده كله وتجعله يقدم ولا يحجم، يثابر ولا يكابر، يجالد ولا يهادن، يصارح ولا يراوغ، ينتصر ولا يظاهر، يدافع ولا يرافع، يعطي لكنه يحاسب! ولعل افضل ميزاته حبه المطلق لهذا الوطن، وتمسكه بمبدأ الحرية الذي لا يحيد عنه قيد انملة. لذلك نراه يهتف في كل مناسبة حتى ولو بدا صوته كأنه هتاف في البرية، ولا احد يسمع! في اليويل الخمسيني قال البطرك: “انا معكم في جميع الايام”، لأنه بطرك جميع الايام الصعبة والحلوة، ويستحق مجد لبنان “الصامد” في يوبيله الذهبي!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*