أرشيف “النهار” – التأريخ الاجتماعي: مدخل إلى استيعاب الطائفية

  • 12 آب 2019 | 06:30
  • جان شرف
  • النهار
  • أرشيف

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه جان شرف في “النهار” بتاريخ 24 آذار 1995، حمل عنوان “التأريخ الاجتماعي: مدخل الى استيعاب الطائفية”.

يتميز الواقع اللبناني عند طرح كل “جديد” كالغاء الطائفية السياسية، بردة الى الماضي، يستفيق معها الوجدان التاريخي، بمقدار ما تثير التخوف على المستقبل. وقد نفسر هذه الردة على انها تمسك بالماضي، او هي ناتجة من ذهنية المحافظة في المجتمع اللبناني. ويعترض بعض المثقفين على هذا التفسير بدافع الخروج من “المأزق الطائفي” على انه مدعاة تخلف وتفكك وغربة الذات عن الآخرين في المجتمع الوطني. واذا كانت المقاربات الايديولوجية والسياسية لهذا الواقع لم تنجح حتى الآن في ايجاد الصبغة السوسيولوجية الافضل للمجتمع الوطني، فان استمرار الواقع الطائفي يعني ان الطائفية هي نتيجة لاسباب اعمق واكثر تجذرا في تاريخ الجماعات اللبنانية. وتاليا فان البحث الموضوعي من وجهة التأريخ الاجتماعي، يقضي باستكشاف تلك الاسباب في ضوء حضور الماضي في تاريخ الجماعات، وفي المدى الزمني الطويل من تاريخها. ونظرا لغنى الموضوع وكثرة الجدل حوله، سنسعى الى الوقوف على بعض المفاهيم التي تشكل المدخل الاساسي لاستيعاب الطائفية، واستطرادا الطائفية السياسية. ان حضور الماضي في تاريخ الجماعات يعيد البحث الى صلب المسألة المجتمعية. ففي التقلبات السياسية والتحولات الاجتماعية والازمات الاقتصادية، وفي العودة باستمرار الى الذات الجماعية، تكمن المفارقة الاساسية بين الزمن السياسي والزمن المجتمعي: الاول ظرفي، متحول، يستجيب لاوضاع طارئة او حاجات مستجدة، تدفع الجماعات الى لقاء بعضها البعض في المدى الجغرافي، والثاني، بنيوي يحدد الشروط المعلنة او الضمنية للقاء الجماعات. فترسي تلك الشروط قواعد التعايش بمقدار ما تتحكم بصيغة الاجتماع السياسي وتبقي على طبيعة المجتمع التعددي. والمسألة المجتمعية تتقلص عندئذ، ظاهريا الى حدود المسألة السياسية التي تجد كامل تعبيرها في ممارسة السلطة. لكن هذه السلطة ليست مطلقة في المجتمع التعددي، اذ انها تخضع للمستجدات وعوامل التحول ونمو عناصر التركيبة المجتمعية. وتلعب التحولات الاقتصادية والاجتماعية على قاعدة سكانية نامية، دور المؤشر في خلق حالة نزاعية حول السلطة ولاجلها. واهم ما في هذه الحالة، انها تضع الجماعات في مواجهة مفهومين للزمن: الزمن الرتيبي الذي يستهلك الجماعة بالعودة ابدا الى الذات في صفائها الاول. فكل المستجدات غير المألوفة “منكر” يظل على هامش الوجدان التاريخي. ويجب تاليا النضال في سبيل تصحيحه او ابعاده مهما بلغت التضحيات. فالزمن الرتيبي هو حالة تكرارية تحتضن المستقبل بمقدار ما يتراءى فيه الخطر الذي يهدد سيرة الجماعة ليخرجها على ذاتها ويجعلها على هامش تاريخها. والمفهوم الثاني للزمن الذي تواجهه الجماعات، هو الزمن التراكمي الذي تشكل فيه المستجدات والتحولات “احداثا” تشد الجماعة ابدا الى المستقبل، بمقدار ما تجد في ماضيها وضعية تاريخية غير ملائمة لايديولوجيتها المجتمعية. فالزمن التراكمي هو استهلاك للماضي بمقدار ما تشكل “احداثه” مكتسبات تمكّن الجماعات من امتلاك تاريخها والمساهمة بفاعلية في الحركة التاريخية، بحيث تدخل تلك المكتسبات في صميم بنية الوجدان التاريخي. والمحافظة على تلك المكتسبات توجب النضال بمقدار ما يعتري الوجدان خوف من العودة الى وضعية تاريخية مرفوضة، لا تعوض الا بالتطلع الى المستقبل. ومن المفارقات في هذين المفهومين للزمن، ان الوجدان الجماعي مشدود ابدا الى الماضي، سلبا او ايجابا. ويزداد حضور الماضي حدة في تاريخ الجماعات كلما تعرضت للأزمات، لا بل ان هذا الحضور هو مدعاة لأزمة كلما واجهت الجماعات مستجدات مصيرية او توافرت لها ظروف مؤاتية لتصحيح وضعيتها التاريخية. وما وصل اليه مجتمع الجبل في النصف الاول من القرن التاسع عشر نتيجة التحولات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية، استتبع حكما تفكك المجتمع التعاقدي حول السلطة، ليطرح من ثم مفهوم الامارة المجتمع والدولة والكيان السياسي – الجغرافي، ومبدأ قيام السلطة فيه. فأزمة الامارة الشهابية والتجارب الدستورية التي عرفها مجتمع الجبل بعد كل “حركة” في القرن التاسع عشر، تدل على ان الازمات متشابهة من حيث اسبابها العميقة ونتائجها السياسية، اذ اتجهت الحلول نحو التجاوب مع عناصر التركيبة المجتمعية بغية ايجاد الصيغة الدستورية الملائمة لطبيعة الاجتماع السياسي التعاقدي. واللافت في هذا المجال، ان الابعاد الاقتصادية “للحركات” وما رافقها من قهر ومآس، ظلت على هامش الايديولوجيا المجتمعية التي قدمت مفهوم سيادة الجماعة على نفسها على اي اعتبار آخر. كذلك فان الجهود العثمانية لاستيعاب الامارة، والمداخلات الدولية بما قدمته من اقتراحات لتسوية الاوضاع، على رغم ما اخفته من مصالح وسعت اليه من نفوذ، باءت جميعها بالفشل امام تمسك الجماعات بخصوصياتها، لا بل ان كل الجهود استجابت بالنتيجة لواقع التركيبة المجتمعية كشرط اساس لايجاد الصيغة الفضلى لحكم الجبل. ان الارتداد الدائم الى واقع التركيبة المجتمعية لايجاد الحل الملائم للأزمات، يضع البحث امام مشكلة تاريخية لا بد من مواجهتها منهجيا وتاريخيا: فهل ان ما وصل اليه مجتمع الجبل في القرن التاسع عشر بعد عصور من التعايش، هو نتيجة ظروف طارئة ومداخلات خارجية، عثمانية واوروبية، استتبعت قيام “الحركات”؟ وتاليا كانت عناصر التركيبة المجتمعية اداة هذه “الحركات” بمقدار ما تنكرت الجماعات لذاتيتها التاريخية وايديولوجيتها المجتمعية. والازمات عندئذ آنية لا ترتبط بتاريخ المجتمع، لا بل ان المجتمع كان ابان تلك الازمات على هامش تاريخه. وتركيز البحث على الازمات في ذاتها، يحد التأريخ في الزمن القصير المتقطع، ويفقد المجتمع عامل استمراريته في الزمن الطويل، والجماعات عندئذ “مواد” تأريخية لا كينونة لها في ذاتها، تدخل التاريخ بمقدار ما هي اداة للأزمات، ام ان ما وصل اليه مجتمع الجبل في القرن التاسع عشر، هو حصيلة مرحلة طويلة من التحولات المتفاعلة والعوامل المتراكمة التي اوصلت الى ازمة المجتمع التعددي؟ فكانت “الحركات” التعبير العملي عن الرفض المتبادل بين الجماعات والمجال الخصب للاستغلال الخارجي. وتاليا فالدينامية الذاتية لعناصر التركيبة المجتمعية لا تقاس بالازمات القصيرة مع ما يتقاطع فيها من عوامل جانبية، انما هي حدوث مستمر في الزمن الطويل، يتمحور حول كينونة الجماعات وادراكها معالم تاريخيتها. والازمات عندئذ تتعدد ذرائعها واسبابها، وتختلف نتائجها، لكنها بالنتيجة لا تعدو كونها محطات في مسيرة الجماعات التاريخية، او هي مفارقات لا تخرج الجماعات عن ذاتيتها. وتاليا لا بد من مرتكز لتقويم التحولات وقياس الزمن الطويل. ان الدافع الى طرح هذه المشكلية في تأريخ مجتمع الجبل في العصور الحديثة، ثلاثي الابعاد: أ- تاريخيا، ظلت الجماعات طوال عصور التعايش متعاقدة في ثنائية مجتمعية، منتظمة في اجتماع سياسي كان لا بد من ان يحمل عوامل تطويره نحو مجتمع الدولة. الا ان تمسّك الجماعات بخصوصياتها وحرصها على ذاتيتها، حالا دون الانصهار، لا بل جعلا من عوامل التطوير دوافع نزاعية. وتاليا، يترتب على البحث ان يستوعب هذه المشكلية، وان يقف على خصائصها، وان يجد الطريق نحو فهمها. ب – سياسيا، ان الحالات النزاعية او الازمات، على رغم تفاقمها والمداخلات الخارجية فيها، لم تجد حلولها الا في تكييف صيغة الاجتماع السياسي مع التركيبة المجتمعية. مما يعني عمليا، ان تحديد الاولويات امر ضروري لانتظام التعايش وسلامة الاجتماع السياسي. ويأتي تحديد المجتمع بعناصره المكونة وطبيعة وشروط العلاقات التي تقوم بين تلك العناصر في طليعة تلك الاولويات. وتحديد هذه الاولويات لا يتم قياسا على الحاضر وما يتجاذبه من نزاعات ايديولوجية او حاجات ظرفية، انما يستند الى طبيعة تركيبة المجتمع والايديولوجيا المجتمعية التي تتحكم بعناصره. ج- منهجيا، ان استمرار الحالة التعددية في المجتمع اللبناني المعاصر دفع بالعديد من المفكرين والباحثين الى مقاربة التركيبة اللبنانية من خلال عقائد وايديولوجيات ونظريات، بغية ايجاد الصيغة السوسيولوجية الملائمة لتخطي الحالة التعددية التي غالبا ما وصفت بالطائفية. وعلى رغم اخلاص المناضلين لايديولوجيتهم وقناعاتهم بضرورة قيام المجتمع الوطني المنصهر، ظلت كل المقاربات على هامش تطور التركيبة المجتمعية. ولم تكن المقاربة التاريخية الاقل شيوعا بين المهتمين بالشأن اللبناني من مفكرين وعقائديين ومؤرخين. وجميعهم وقعوا في “الخطأ الايديولوجي” اذ اعتمدوا المسلمات النظرية مدخلا الى تطوير الماضي وتوظيفه في خدمة الحاضر، مستغلين لذلك المنهج الشكلي بعيدا عن هاجس العلم والموضوعية. فكانت المفارقة الاساسية في هذه المقاربة على صعيدين: الاول منهجي. والمفارقة تكمن على هذا الصعيد، في منطق البحث وفي النظرة الى الماضي. واستطرادا في موضوع الحقيقة. فالايديولوجيا بناء فكري يتخذ ابعاده من مصدرين: التصور الذاتي لما يجب ان يكون عليه المستقبل، والمنطق الداخلي الذي تترابط عناصره في بنية فكرية تقوم على مرتكز اساس تتمحور حوله الاولويات وتتراتب. وان كان الانسان كفرد وكجماعة، هو المرتكز الاساس، فان البحث يدور حول الواقع، وتقوّم معطياته بناء على المرتكز والاولويات المتراتبة، لا بل ان البحث يتناول معاناة الانسان في محاولة لتبريرها او تفسيرها وتخطيها انسجاما مع التطور الذاتي للمستقبل. بينما الحاضر هو حقل اختبار ومجال نضالي، تواجه وقائعه بالقبول او الرفض قياسا على النموذج الايديولوجي. وهذا النموذج لا يعدو كونه صورة مصححة عن الواقع، لا بل هو يعكس صورة النقيض للواقع. فالايديولوجيا كالاسطورة، تنطلق من الواقع الى التصور الذهني. وهي في هذا المجال، تشكل احدى البينات الموضوعية التي يلجأ اليها التاريخ الاجتماعي في “المستوى الثالث”، مستوى الذهنيات والمؤثرات الفكرية التي تعصف بالمجتمع. وليس اختلاف تحديد الايديولوجيا وعدد الايديولوجيات بين التيارات الفكرية، وتتابعها في الزمن التاريخي، وفشل العديد منها في تحقيق مسلماتها النظرية، الا التعبير عن حالات من المعاناة الذاتية والاجتماعية التي يمر بها المجتمع في مسيرته التاريخية. فالايديولوجيات هي من دون شك موضوع بحث تاريخي. وتحليلها يقضي عندئذ بكشف الخلفيات التي افرزتها، وهي بلا شك، الوضعية المجتمعية بكل ابعادها، وما يعصف بها من تيارات فكرية وثقافية في مرحلة تاريخية معينة. والذي يجعل من المقاربة التاريخية الايديولوجية مفارقة على الصعيد المنهجي كون الايديولوجيا تنظر الى الماضي كبعد مستقبلي. فهو حقل اختبار وتطبيق كيفي، هو “مادة” لينة، تكيف معطياتها وتفسر حقائقها قياسا على النموذج الايديولوجي. والمؤرخ يلج الماضي عندئذ بمسلمات هي بمثابة الحقائق البديهية، بحيث يفقد الماضي حقيقته الموضوعية، وتنتفي المسافة بينه وبين الحاضر، فيفتقد البحث اهم شروط العلمية والموضوعية، ويقع التأريخ في النسبية الذاتية على غرار المدرسة الحضورية. فلا وجود للماضي الا بمقدار ما تستفيق احداثه استجابة لمعاناة الحاضر. والصعيد الثاني تاريخي. فالنظرة الى الماضي تجعل من المقاربة التاريخية الايديولوجية مفارقة اساسية على صعيد التأريخ. اذ ان انتفاء الماضي بذاته، يجعل منه حضورا طوعيا في التحليل الايديولوجي. فالحقائق نسبية، والاحداث على اختلاف درجاتها في الاهمية، منتقاة على اساس المنطق الداخلي في البحث الايديولوجي. والزمن التاريخي عندئذ، متقطع، لا استمرار فيه ولا مرتكز له الا المعطى الايديولوجي. اذ ان المجتمع يتراءى في محطات او في ظواهر فردية تفسر في ضوء المنطق الايديولوجي، وليس في كونها تعبيرا عن حالة في المسار التاريخي. ففي انتقاء “الاحداث” والتركيز على الظواهر، يتضاءل زمن الماضي ويفقد فيه المجتمع تاريخيته. هذا بالاضافة الى ان الايديولوجيا تتناول هذا المجتمع من الخارج وليس بذاته من الداخل. فهو على هامش التأريخ بمقدار ما يفقد تأريخيته. وانطلاقا من المعطى الايديولوجي، يتحوّل التأريخ مشادة بين الكتبة والمؤرخين. ويصار الى انتقاء المراحل التاريخية تبعا للظروف السياسية التي يمر بها المجتمع. والمراحل تلك تحمل ابعاد النظرة اليها، امكان الخروج من معاناة الحاضر. وتظهر تلك المعاناة في ان لكل معطى ايديولوجي نقيضه في النظرة الى الماضي. فالعروبة نقيضها الفينيقية، والوحدة نقيضها الاستقلال، والسورية نقيضها اللبنانية الخ. ولكل من هذه الطروحات مرحلتها التاريخية، بحيث يمكن تتبع ازمات المجتمع اللبناني من خلال تداول تلك الطروحات التي تردنا جميعها الى صلب المسألة المجتمعية. وايديولوجيات التأريخ في هذا المجال، تشكل بينات موضوعية للتاريخ المباشر اذ هي توقفنا على الاولويات المتنازع عليها، بمقدار ما تتيح للباحث حصر عوامل الاتفاق والتباين في مرحلة تاريخية محددة. وتاليا اذا كان حضور المؤرخ في بيئته معرفة وليس التزاما، فإن الامر يتطلب الخروج من المأزق الايديولوجي في التأريخ، وتخطي المنهج الشكلي لاستيعاب ماضي المجتمع في المنهج العلمي. وفي مختلف الاحوال، فإن “الخطأ الايديولوجي” في التأريخ يطرح بحدة مسألة النهج العلمي. وتزداد المسألة حدة بمقدار ما يتوخى التأريخ الاجتماعي استيعاب الماضي بذاته وفهمه على حقيقته، استنادا الى حدوث الماضي في الزمان. وطرحنا في هذا المجال، الايديولوجيا المجتمعية في اطار تحديدنا التاريخ الاجتماعي، يقوم اساسا على مبدأ حدوث الماضي واستمراريته الزمانية. ومنعا لأي التباس او اشكال في الفهم المنهجي للموضوع، لا بد من بعض الايضاحات: ان تحديدنا الايديولوجيا المجتمعية كمجموعة من القيم والمفاهيم التي تطرح من خلالها الجماعة نفسها كمعطى تاريخي، والتي تتناول الانسان والمجتمع والتاريخ والكون، يختلف في الجوهر، عن المفهوم الايديولوجي للايديولوجيا من زاويتين: الاولى، فكرية، فالايديولوجيا المجتمعية ليست تركيبا منطقيا يحمل في بنيته تصور المجتمع الآتي كنقيض للواقع التاريخي، او كمحاولة لتخطيه نظريا او بالنضال؛ انما هي بناء وضعي يقوم اساسا على طرح الجماعة لنفسها كمعطى تاريخي يحمل بذاته شروط التقائه بالآخرين. وتعديل هذه الشروط او تبديلها، يتوقفان الى حد بعيد، على مدى قابلية الذهنية الجماعية، لا بل امكان تخطي القيم والمفاهيم استجابة للمستجدات في حدوث الماضي. وغالبا ما تمكنت بعض المجتمعات والدول والامبراطوريات، من صوغ ايديولوجية رائدة في بيئة ثقافية معينة وظروف سياسية مؤاتية، استهوت الشعوب والجماعات، فاخرجتها عن ذاتيتها ودفعتها الى حروب خارجية. لكن سرعان ما تفككت تلك الايديولوجيات وانهارت الامبراطوريات، لتستعيد الشعوب والجماعات ذاتيتها، وتتصرّف على اساس ايديولوجيتها المجتمعية. فمن هذا المنطلق كان قيام الدول المعاصرة في انظمتها السياسية المختلفة التي عكست غالبا التركيبة المجتمعية. لذلك، فإن امكان تخطي القيم والمفاهيم يظل وقفا على مصادر الايديولوجيا المجتمعية من حيث هي معطى ما ورائي تجلّى للانسان في مساره نحو الكمال، فالزم الفرد والجماعة في الزمن الطويل بنمط من التفكير والتصرف والاعتقاد، ما حدّد معالم كينونتهما التاريخية والمجتمعية؛ او من حيث هي بناء تاريخي خضع لمؤثرات الظروف والمستجدات. وفي الحالتين تختلف قابلية تعديل شروط الالتقاء بالآخرين، بمقدار ما يتاح للفاعليات الفكرية امكان الاجتهاد في معطيات الايديولوجيا المجتمعية. فهذه الايديولجيا تحمل من هذا القبيل عوامل ثباتها بمقدار ما تحتضن شروط تطويرها. وهي، في الحالتين، مرتكز مجتمعي يقاس على اساسه حدوث الماضي. (تتبع حلقة ثانية) والزاوية الثانية التي تختلف فيها الايديولوجيا المجتمعية عن الايديولوجيا، منهجية، اذ هي تتناول في البحث “الشيء بذاته” وليس من الخارج بالمطابقة. فالمنهج العلمي يقضي في هذا المجال، بطرح موضوع الحقيقة بذاتها، كما تراءت للفرد وللجماعة في المسار التاريخي الطويل، لا كما يريدها التصور الايديولوجي للماضي. فحقيقة الجماعة من الوجهة التاريخية، لا تقاس بالمعايير الفكرية المتداولة، وإن شكلت هذه المعايير مداخل الى فهم ادق لها، انما تقاس بذاتها كبنية موضوعية استمرت في الزمن الطويل. لذلك، فحقيقة الجماعة ليست نسبية، تتكيف مع المستجدات، انما هي خلفية مركزة وفاعلة، يُقاس بالنسبة اليها حدوث الماضي بكل تفاعلاته وتقلباته ومستجداته. تشكل هذه النظرة المنهجية الى حقيقة الجماعات في تاريخ لبنان الحديث على الاقل، المدخل الى فهم ثبات الجماعات على خصوصياتها في الزمن الطويل، والى ادراك اهمية المشاكل والقضايا التي طرحها تعاطي هذه الجماعات مع بعضها البعض، يضاف الى ذلك، ان تحديدنا الايديولوجيا المجتمعية كمرتكز للتاريخ الاجتماعي، يتيح لنا الوقوف على جذور تلك المشاكل وطبيعة تلك القضايا التي لم تزل موضوع صراع في الكيان اللبناني، بمقدار ما تسمح بتصور الحلول الملائمة لها. فتحديد التاريخ الاجتماعي يوجه البحث باتجاهين: الاول، منهجي، يقضي بتحديد مفهوم حدوث الماضي من منظار الجماعات. فالجماعات اللبنانية دخلت التاريخ منذ نشوئها، واستمرت مجتمعيا وزمانيا. وباتت في وضعها الراهن امتدادا لماضٍ على تنوّع واختلاف واتفاق. والمشكلية تاليا، تتمحور منهجيا، حول مفهوم حدوث الماضي في الزمن الطويل، ومن منظار الجماعات. وحدوث الماضي يطرح مسألة الزمان على تنوعه وتقطّعه وتختلف مواجهة هذه المسألة بين الفلاسفة، والمفكرين والاديان. وتعالج من نواح متعددة، قد يكون اهمها الزمن النفسي في حياة الافراد والجماعات. ويظل الزمن التاريخي شاغل المؤرخ على الصعيدين المنهجي والعملي. فحدوث الماضي وتنوعه يتمان في الزمان ومن خلال الجماعات. وكل جماعة تتصور الزمن الآتي في حدود الغائية التي تحدّدها ايديولوجيتها المجتمعية: فهو الزمن التكراري كما يعبر عنه “كتاب النقط والدوائر” عند الدروز. وهو على قياس الافراد في عودتهم الابدية الى الجذور. والجماعة لا تخرج عن هذا الزمن، بل هي في ارتداد دائم الى الذات، خصوصا عندما تتعرّض للازمات او تواجه “غير المألوف” في مسارها التاريخي. “فإرجاع القديم الى قدمه” هو اطار حدوث الماضي كلما تعرضت الجماعة للمستجدات؛ او المحفاظة على هذا الماضي، طالما ان الجماعة تعيش يقينها الايماني بهدوء واطمئنان. فحدوث الماضي طاعة ومثابرة والتزام “بالاوامر الدينيات” وحفظ للاخوان. وفي هذا الاطار يتم استهلاك الزمن التاريخي، وتضبط تقلّبات الاحوال في الحركة التاريخية. وهو الزمن التصاعدي الذي ترتقي فيه الجماعة الى التاريخ، بمقدار ما تحقق “رسوليتها” وتمتلك زمام امورها، كما عند الموارنة. فالمارونية ايديولوجية، او هي اصبحت ايديولوجية متكاملة الابعاد، بمقدار ما وعى وجدانها خصوصية تاريخها، وبمقدار ما حقق الموارنة من مكاسب في تاريخهم الطويل. فحدوث الماضي ارتقاء في الزمن، يستوعب تقلّبات الاحوال في مسار الحركة التاريخية، لا بل ان حدوث الماضي هو نضال وسعي الى التحكم بسير الحركة التاريخية. فبناء الايديولوجية المارونية تم عبر التجارب التاريخية، ومرّ بمراحل تحولت فيها الجماعة من العقيدة الى الاجتماع فالسياسة. والمارونية كايديولوجية مجتمعية، هي وجدان مكوّن يحمل في بنيته علامات الزمن الفارقة، كمحطات في حدوث الماضي وارتقاء الجماعة الى التاريخ. فالمستجدات امر مألوف في تاريخ الجماعة، لا بل هي المحطات التي تشكّل مرجعية الجماعة في الماضي عند تعرضها للازمات في الحاضر. والوجدان الماروني مرتبط بالماضي بمقدار ما يحمل اليه الحاضر معالم الخطر الآتي. لذلك، فهو في سعي ونضال للمحافظة على وضعية تاريخية مكتسبة عبر حدوث الماضي. والاتجاه الثاني الذي يوجه اليه تحديد التاريخ الاجتماعي هو التأريخ. والتوجه المنهجي في هذا المجال، يميّز بين الايديولوجيا المجتمعية كمرجعية في تاريخ الجماعة، وتقلّبات المعطى التاريخي الذي يتأثر سلبا او ايجابا، بعوامل ذاتية او خارجية عدة. وتاليا، فالزمن التاريخي عند المؤرخ، هو الزمن التراكمي الذي تفاعلت فيه تلك العوامل لتحدث الماضي بكل ابعاده. ومهمة التأريخ عندئذ، ان يحدّد تلك العوامل، وان يضبط تفاعلاتها ويقف على نتائجها وردود الفعل عليها، على الا تقف هذه المهمة عند الظاهر من التاريخ كحالات منفردة يراد منها التعميم، انما تتعداه الى الباطن في سياق الزمن الطويل. وهناك من العوامل ما يتحكّم مباشرة بالوضعية التاريخية كقسريات الطبيعة، وازدهار الاقتصاد او تردّيه وما يجرّه من ضائقة اجتماعية، والازمات السياسية وما تحدثه من صراع في المجتمع الخ…. فاعتماد المرحلية في هذا المجال، يساعد البحث على مواكبة سير الحركة التاريخية، او الوقوف على تقلبات هذه الحركة في بناء الزمن التراكمي. وقد تكون الديموغرافيا العامل الاهم والاكثر تعبيرا في سياق هذا الزمن. انها عامل متعدّد النشاط والبعد، غالبا ما دفع بالمجتمع الى التحرك للخروج من ازماته الاقتصادية، او ادّى الى تحوّلات في الاجتماع والسياسة والاقتصاد. ونموذج جبل لبنان بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، خير معبر عن تلك النشاطات والابعاد: لقد تغيرت تركيبة مجتمع بلاد الشوف بعد حرب القرن السادس عشر مع السلطنة العثمانية. وما خلفته تلك الحرب من دمار استدعى اتخاذ مواقف اساسية لحسم المسألة المجتمعية – السياسية مع السلطنة. وترافق ذلك مع نهج فخر الدين الثاني الجديد في السياسة والاقتصاد، جعل من بلاد الشوف حالة عمرانية توقف نجاحها على ايجاد المهارات اليدوية. فكانت بلاد الشوف المدى الاقتصادي الآمن الذي استقطب نزوح الكثير من المزارعين والفلاحين والحرفيين والمهنيين من جبل لبنان الشمالي. وبحكم تلبية الحاجات المتبادلة بين الجبلين، تزايد عدد النازحين، فشكّل النمو السكاني عامل التحول البطيء في المدى الطويل. ولا يفهم هذا التحول خارج نظام التعايش في الجبل وصيغة الاجتماع السياسي الذي قام اساسا على الثنائية المجتمعية. وقياس هذا التحول يتم عبر مراحل النزوح ومعدل النمو السكاني وتوسع استثمار الاراضي الزراعية، ونسبة انتقال الملكيات من الاعيان الى المزارعين، في ظروف سياسية مختلفة. واللافت في هذا التحول انه ادّى الى تغيير معالم بلاد الشوف، كما ظهرت جلية في خريطة البلاد السكانية – المجتمعية في اواسط القرن التاسع عشر. ولم يقتصر التغيير على الظاهرة السكانية، انما تعداه الى الاجتماع والسياسة، اذ طرحت الديموغرافيا مشكلة السلطة في المجتمع التعدّدي. فكانت “الحركات” في مجتمع الجبل في القرن التاسع عشر. ودراسة هذه “الحركات” كحالات طارئة في مجتمع الجبل، كما تناولها الكتبة والمؤرخون، تظل على هامش التاريخ الاجتماعي، وفي اطار الزمن القصير المتقطع، الذي يفقد المجتمع استمراريته، بمقدار ما يفتقر البحث الى استيعاب عامل الزمان. وقد يكون من الصعب استيعاب هذا العامل وقياسه تاريخيا، بمعزل عن الظاهرة السكانية وطبيعة المجتمع التعددي. فادخال مفهوم الزمن في البحث التاريخي امر ضروري لفهم حدوث الماضي. وحدوث الماضي لا يتم في فترات زمنية متقطعة ومعزولة، انما يقاس في الزمن الطويل، طالما ان المجتمع بكل عناصره وتفاعلاته، وبكل تحولاته وتقلباته في المدى الجغرافي، هو محتوى الزمان. فعلى البحث، اذا ما اراد ان يكون في صميم التاريخ الاجتماعي، ان يتناول المجتمع من خلال عناصره المكوّنة وعبر حدوث ماضيه. وقد يكون تحديدنا التاريخ الاجتماعي، تاريخ الانسان كفرد وكجماعة، في ذاته، وفي علاقته بالآخرين، وما يطرأ على تلك العلاقة من تحولات في الزمن الطويل، المدخل الى غاية مزدوجة سعى اليها هذا البحث: الاولى، المساهمة المتواضعة في مناقشة موضوع هو من الحساسية ما يتطلب منهجية تطبيقية تحرّر البحث من الظرفية السياسية والالتزامات الايديولوجية والانفعالات، وتعيد الى المنهج العلمي مهمته الاساسية في طرح موضوع الطائفية وطرق معالجتها في ضوء حقيقة تكونها. والثانية، محاولة استيعاب الماضي والتقرب من حقيقته بقدر المستطاع، بغية فهم ادّق للحاضر وادراك البعد المستقبلي لواقعنا بروية وعقلانية. جان شرف استاذ في الجامعة اللبنانية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*