أرشيف “النهار” – “البجعة السوداء” و… “البجعة المارونيّة”

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 10 تموز 2019 | 06:30
قصر بعبدا

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه بول ناصيف عكاري في “النهار” بتاريخ 16 آذار 2015، حمل عنوان “البجعة السوداء” و… “البجعة المارونيّة”.

تقوم نظرية نسيب طالب “البجعة السوداء” على أنها أحداث غير منتظرة أو متوقعة يصعب التنبؤ بوقوعها بحسب معرفتنا وخبراتنا السابقة على رغم تأثيرها الكبير علينا. معظم الأحداث العظيمة كانت بمثابة بجع أسود غير متوقع مثل الغزو المغوليّ، وأخيراً غزوة “داعش”. أثبت لبنان على مرّ الأزمان أنّ تركيبة مجتمعه وسلوكيته أكسبتاه المرونة اللازمة لصدّ الصدمات والأزمات المتلاحقة. ولكن تمعناً في الوضع المستجد حاليا يمكن الجزم بأنّ ديناميكيّة الأحداث باتت تفرض على الوطن المهترئ أن يكون متماسكاً وقوياً بما فيه الكفاية لمقاومة الأزمات الآتية وأحداث “البجعة السوداء” المحتمل حصولها.

إنّ تحصين الوطن وحمايته يتطلّبان تغيير المنهجية – السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة – السّيئة المتّبعة من جميع اللاعبين على مساحة الوطن. خلال الخمسين سنة الماضية اختار أهل الحلّ والرّبط استعمال “سياسة الشّر” بالتعامل في ما بينهم، فأدّت الى ما أدّت اليه من نتائج كارثية. دُمِّرَت مكوِّنات بلد عمره ستة آلاف سنة…والمستقبل غامض! في المقابل وللاعتبار اختار أهل الإمارات “سياسة الخير” لبلدهم وصنعوا وطناً خيّراً مستقراً يمَكِّنَهُم من الاستمرار لستة آلاف سنة.

لبنان الآن على منعطف تاريخيّ ومصيره مرتبط بارادة القيّمين عليه وسلوكهم؛ إمّا الدمار او الاستقرار… حالياً الوطن يُحَصَّن من خلال محورين: المارونيّ والوطنيّ. المارونيّ اولاً لإنتاج رئيسٍ للجمهوريّة يكون المدخل لإنتاج دولة وطنيّة محصّنة. ثانياً الوطنيّ لدرء الفتن المتربّصة بالوطن وإعادة تكوين المجتمع اللبنانيّ الخيّر تحت عناية راعي الدستور وحاميه والمؤتمن على الوحدة الوطنيّة. آن الاوان كي ينبذ اللبنانيّون سلوكيات الشرّ والحقد والالغاء والفساد واعتماد سلوكية الخير والمحبّة والوطنيّة.

معضلة انتخاب الرئيس تكمن في سلوكيّة الغلاة من الموارنة بالاتفاق على مرشح واحد أوحد خلافاً للأعراف المارونيّة والكنسيّة والدستوريّة والديموقراطيّة. المعادلة الماسيّة تقول: “إذا الموارنة بخير فلبنان بخير”… الموارنة ليسوا بخير… عندما تسقط تلك المعادلة تسقط تلقائياً باقي المعادلات. مارونيّ على الهويّة شيء ومارونيّ بالسلوك والفعل شيء آخر… أثبت ورثة تركة الرئيس بشير الجميّل (جميل – عون – جعجع) من خلال سلوكيّتهم واشكاليّة العلاقة بينهم منذ بدايتها بأنّهم ثلاثة خطوط متوازية لا يمكنها الالتقاء على هذه الأرض. إنّ جميع أوراق التّفاهم بينهم أنتجت وسوف تنتج بديهيّاَ دمّاً على الورق. فبأيّ منطق يمكنهم الاتفاق على رئيس من بينهم؟ هذه أحداث “البجعة البيضاء”… أمّا أحداث “البجعة المارونيّة” المنتظرة فتكمن في أن يبادر النائب فرنجيّة – “القويّ الرابع وغير المعنيّ بالتركة – بفروسيّته المعهودة الى بمبادرة وطنيّة خيّرة مع الرئيسين نبيه بري وسعد الدين الحريري بما يمثلان على الصعيد الوطنيّ والإقليميّ والمونة على الحلفاء وتتمثل بما يأتي:

1. يعود المتناحرون الثلاثة الى جذورهم وضميرهم المسيحيّ المارونيّ – المحبّة والمسامحة والغفران – والوطنيّ مترفّعين عن شخصانيتهم بانسحابهم من الترشح للرئاسة لخلاص الموارنة ولبنان.

2. يزكّي كلّ من 8 و14 آذار، بالاضافة الى البطريركيّة المارونيّة (أكبر ناخب مسيحيّ) مرشّحه المفضّل خلال أسبوع.

3. يعطى المرشحون الثلاثة مهلة أسبوعين لتقديم برامجهم الانتخابية وعرضها على المواطنين من خلال الاعلام والوسائل القانونيّة المتاحة (مناظرات تلفزيونيّة…).

4. الذهاب الى مجلس النواب في حضور جميع أعضائه متسلّحين بضميرهم الوطنيّ وبجلسة واحدة مفتوحة حيث يُنْتَخَب رئيسٌ صناعته لبنانية صرفة.

إنّ معظم أحداث “البجعة السوداء” السياسية شرّيرة بطبيعتها فهل تأتي أحداث “البجعة المارونيّة” لتناقضها وتساهم في القضاء على إله هذه الأرض؟ إنّ عقلنا سوف يجتهد لوقتٍ طويل بعد حصول هذا الحدث للبحث في الأسباب المنطقية التي أدت إليه…

بول ناصيف عكاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*