أرشيف “النهار” – الأرثوذكس في لبنان

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 8 نيسان 2019 | 06:30
  • النهار

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه المطران جورج خضر في “النهار” بتاريخ 11 شباط 1995، حمل عنوان “الأرثوذكس في لبنان”.

الارثوذكس في لبنان بقلم المطران جورج خضر الارثوذكسيون في بشريتهم فيهم الغث والسمين والحديث عنهم حتى لا يكون لغوا حديث عن ضعفهم. ولن اؤدي عنهم شهادة لئلا تأتي شهادة عن ترابيتهم وقد ادلي بشهادة عن الحقيقة التي يحملون ولعل بعضا منهم يجسدها بقدر وهم عالمون ان البهاء الذي اليه يشيرون يمكن ان يرتسم على وجه كل انسان فالحق اذا اوتوه انما هو قوت البشر جميعا الذين يصيرون اذا اكلوه على استقامة رأي. وينتابني في هذا الحديث وجل من يخشى اختلاط امانيه بالواقع الذي يتدارس وينتابني خفر الحديث عن قوم انتمي اليهم واشاطرهم عيوبا ادرى بها من يتفحصها من خارج وعلى ذلك يسوغ الخطاب اذا اعتبرنا هذه الجماعة تحت الغربال. ولعل فائدته في انه قد يأتي مشاركة للآخرين في ما يصبون معا الى خير بلد يعسر بناؤه بجهل اي عنصر من عناصر تركيبه. وانا ادرك ان هذا الخطاب قد لا ينفع كثيرا لأن الجماعة قليلة ولا يبدو انها ذات فعل كبير في الحياة السياسية بسبب من الاهمية القصوى للعدد في لبنان وعاشت القلة ابدا في مواطن الهامشية. فمن لم يملك قوة لا يملك سياسة ويعوض غيابه بأدب سياسي يلقيه خارج الطائفة في تكتلات عقائدية سياسية يريدها علمانية والعلمانية نافعة للأقلية. ولا يعني هذا ان من سلك هذه الدروب ما كان صادقا ولكن تنكشف له هذه الدروب لتوقه الى الخروج من الاقلية الى رحاب مجتمع واسع، حر، تتعدد فيه المواهب والمشارب وتجعل له العبقريات مجتمعة وجها فريدا. طائفة تعرف نفسها على رؤية تجعلها متمردة في العمق ولو تهذبت فلا تستشيط غضبا اذا تجوهلت وبسبب من تراثها اللاهوتي ومن رؤيتها ذاتها كنيسة لا تعرف لنفسها مكانة حقيقية في تركيبة الطوائف. تتململ من وضعها في السباق الى الوظائف وكأنه يعتريها خجل – اذا احتدم حسها الروحي – ان ترى نفسها متحدا سوسيولوجيا الى جانب المتحدات الاخري. فمهما “تلبنن” الكثيرون في هذه الجماعة من حيث التنافس في ما بينهم على شؤون الدولة وشجونها يحس الارثوذكسي نفسه العبانا لو رقص في السيرك اللبناني. فاللعب اللبناني مريح لأنه يسطحك اذ يرصفك مع من قبل الرصف وينهي فيك هذه اليقظة الالهية التي توطنك في السماء. ذلك ان الارثوذكسيين – واقولها في تواضع وبلا غلو – أخرويون، لا يقبلون حشرهم في وطأة هرمية كنسية لأن كنيسة الارض ان هي الا عتبة الملكوت وليست الملكوت مكتملا. اخرويون لأنهم لا يرتاحون الى انتظامهم في دولة. العميقون منهم لم يرتاحوا الى بيزنطية الارضية ولا الى روسيا القديمة. هم في الاخير سياح على دروب الرب. عباداتهم تدفعهم الى الزهد بالمنظور يشهدون فيه. لا يتربعون في التاريخ ولو اعطوه كثيرا. انهم ابدا مجروحون اذ ليس لهم في دنياهم تركيز.    لذلك يقولون في حيرتهم ليس لنا كيان. لكن مسيسي التركيبة منهم لا يعرفون السبب. السبب انهم ليسوا كيانا ولكنهم حركة. لذلك تراهم يعرقلهم الخطاب السياسي عندما توسوس لهم غربتهم انهم مثل كل اهل الارض. توجعهم هذه الارض، تغضبهم. ليس لهم حكمتها. يبكون ولا يتمرمرون. ظنوا انهم اذا كانوا سماويين قادرون ان يخرجوا من كل بوتقة، انهم من المدى كله. ان تكون من المدى هو ان تكون على مد بيزنطية في كل رحابتها ثم على العروبة في صحاراها والمدن وزرعوا فيها اساقفتهم من اليمن الى رصافة الفرات مرورا بأزرع. واذا كان عليهم ان يترجموا السماء فلحنا ابديا تكون او ايقونة. وما يقول الملكوت مباشرة دير. ولهذا اكثروا الصوم واوغلوا. يتدنسون مثل كل الناس عندما ينسون نشوات الابد. الخطيئة فيهم تلمس لغير المنظور وليست سعيا الى الجحيم. الخطيئة وهم السماء التي ينشدون. ومع ذلك ينبغي لك ان تعيش. والانسان يعيش بالتجارة والتجارة قوة المال. فانكبوا على ذلك وكانوا مدينيين. والمدينة بديل السماء اذا امست هذه سرابا. في معاصيهم كانوا وراء السراب، وراء ملكوت لا يتحقق. ولهذا كان ارثوذكسيو بلدي في سعي الى ما لا يتحقق. وهذا يقال له في اللغة اليونانية اوتوبيا. اوتوبيا العدالة لحقوها كما لم يلحقها آخر. اجل، انتجت اوروبا اعظم اوتوبيا في التاريخ: الماركسية. سكبتها كتابا ولكنها لم تتحقق شيوعية الا في روسيا. احتضن الاشتراكية تصوف ارثوذكسيين صاروا ملحدين بسبب ما قرأوه في كتاب وضع في الالمانية اسمه رأس المال. الزخم الارثوذكسي حوّل الشيوعية دينا. اضخم فلسفة عقلانية في العالم كانت في حاجة الى تصوف ليموت الناس من اجلها، ليموت الناس بها. واذا حُشر الارثوذكسيون، هنا وثمة، في بقعة ظنوها ضيقة عليهم ارتحلوا في اذهانهم الى رحاب امبراطورية اصطنعوها لكونهم احسوا انهم في حاجة الى صوفية جديدة ينشئون بها مدى. مع ذلك ارتضوا لبنان واخلصوا له من بعد مرارات ذاقوها فيه ولكنهم ابوا ان يُرصفوا مع سائر مسيحييه رصفا. يزعجهم تراص يزيل عنهم المدى، يحجب عنهم بادية الشام ومفازات العرب حيث رتل الانجيل في اناء النهار والليل جسدهم حيث اريد له ان يكون. زاوجوا تراب لبنان ولم يزنوا. لكن المبتغى لا حبات تراب بل الفردوس الذي منه نفيت الى ان يرث الله الارض ومن عليها اذ لهم دولة الله كما يقول دوستويفسكي.    من هنا انهم لا يعرفون ازمة زعامة. لا يرون مشكلة في الا يوحدهم احد في دنياهم لأن الله موحدهم ولا يقلبون الدنيا رأسا على عقب اذا أصاب الاسقف عورات لقولهم: “الرب يرعاني فلا يعوزني شيء” (مزمور 23:1). خطاياهم ستأكلها الجحيم او تأكلها التوبة وتبقى دولة الله. ولذا تضحكهم الدولة المسيحية او فكرتها. اذن لكانت دولة مسيحيين اي خطأة وقد قرأ الارثوذكسيون من التاريخ قدرا كشف لهم ان سياسة الدول “المسيحية” كانت سيئة بمقدار ما استترت بالقيم المسيحية واستباحت من الانسان ما شاءت. اجل ليسوا على غباوة توحي بأن الوطن ممكن بلا سياسة أنس أو جن. اذ ذاك وفي نسبية كل شيء يتعاطون السياسة مع كل الناس بسبب ما في هذا العالم من تجانس في الرؤى والأساليب ويحاولون في تواضع ان يبثوا في جهود الارض ما رسب في نفوسهم من خلابة الترتيل وعبق البخور. وقد يبدو خطابهم دنيويا ذلك لأنهم لا يحبون الحكايا الدينية خارج صدق معابدهم ولكنك تشتمّ ان كنت من الفاهمين انهم يجيئون من هذا التراث الذي بناه الاطهار ولو قاله اهل العصر بلغة اخرى. ولهذا يفحصون كلام كل واحد منهم مهما علا كعبه على محك التراث. هذا هو الذي يحمل وحده العصمة. وعلى غرار شكهم في دولة المسيحيين يشكون في دولة الاسلاميين ليس استنادا الى شعور اقلوي فإن الارثوذكسيين على كبر تاريخي يدنو من الكبرياء وعلى اشواق روحية تدنو من التصوف ولكنهم ينبذون الاقلوية لأن الحقيقة التي يؤمنون بها تهزأ بالعدد ولأنهم عاشوا في إلفة الشهادة. وما استقرئه عندهم ليس فقط ان حرية الجميع والديموقراطية بمعنى حرية الاختلاف هما اعظم من الحكم الاسلامي ولا يدركهما ولكني استقرئ ان الاسلام شيء والاسلاميين شيء آخر. الاسلام في ابعاده واعماقه ولد غريبا كما قال نبيه وما رسب في مقام الشرع يحمل سمة الازمنة صالحها ورديئها وسمة التفسير اي انه من بشرية الفقهاء. عظمة الاسلام كما نزل في انه اوتوبيا وفي الاشتقاق اليوناني يعني هذا انه لا يوضع في موضع وانه صبو تصبو اليه وتجرب منه لدنياك ما تجرب. “قلت كلمتي هذه عن الدولتين المسيحية والاسلامية واستغفر الله” لأبدد خشية من خشى في الافق سياسة ارثوذكسية. لا، يا صاحبي الارثوذكس لا توحدهم سياسة لا هنا ولا في الخارج. وقد يكون بعض من سرهم في لبنان انهم يقولون اقوالا متقاربة حتى لتظن انهم تشاوروا. اجل شاوروا التراث وجاؤوا من حيويتهم. قد يخيفون لأن كل حيوية مقلقة ولكنهم يقدمون لك حظا في سلوك الملكوتية ما استطعت اليها سبيلا. المطران جورج خضر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*