الرئيسية / أضواء على / أرشيف “النهار” – أي علم آثار لبيروت

أرشيف “النهار” – أي علم آثار لبيروت

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 21 شباط 2020 | 06:50

(تعبيرّية).

نستعيد في #أرشيف_النهار مقالاً كتبه ناجي كرم بتاريخ 17 كانون الثاني 1996، حمل عنوان “أي علم آثار لبيروت”.

اذا جازفنا اليوم مجدداً بعرض مشاكل الآثار في بيروت، فذلك لاننا نعتبر ان الاحداث تأخذ منحى متزايد الخطورة بالنسبة الى تراثنا الوطني، ولم يتأخر الوقت بعد لبدء النقاش ودعوة الاختصاصيين والمثقفين لكسر “المحرم” والتعبير بجرأة. هذا على الاقل اذا كانوا يشعرون حقاً انهم معنيون بهذه القضية التي طغى عليها لمدة طويلة الطابع الاركيولوجي البحت مع ان لها وجهاً وطنياً ودولياً. تشكل مسألة التنقيب عن الآثار، شئنا أم أبينا، وعلى كل الاصعدة، مسألة شديدة الخصوصية في تاريخ علم الآثار العالمي، سواء بالنسبة الى اتساع حقوق التنقيب او الكلفة الاقتصادية او عدد الوسائل المعتمدة عملياً ونظرياً على الارض… لهذا نجد من الطبيعي ان ينشأ النزاع بين متعهد مهتمّ بالنتائج الفورية وعالم آثار مهتم بالتعرف الى تاريخ المدينة ومعني بالمحافظة على المعالم الاثرية المهمة في مواقعها. قد يمكننا الكلام على “النزاع الابدي” بين المقاول وعالم الآثار، وهو النزاع الذي اوجدت له الدول السباقة في هذا المجال حلاً مقبولاً ومناسباً.

ولكن الوضع اللبناني، ويا للاسف، جعل الاستثمار الخاص – وهو حالياً شركة “سوليدير” المنشأة خصيصاً لتنظيم الوسط التجاري واعادة اعماره – مدعوماً من جانب عدد كبير من المسؤولين في الادارة الرسمية، ما يسمح لهذه الشركة بالالتفاف على القوانين غالباً وفرض شروطها على الجميع. لا شك في ان شركة “سوليدير”، كسواها من الشركات، تسعى الى غاية مادية هي تحقيق الارباح باسرع وقت ممكن من خلال عملية اعادة الاعمار. فهل ينبغي ان تتعارض غايتها مع الاحترام الواجب عليها للتراث الوطني المشترك بين جميع اللبنانيين؟ يبدو ان هذا هو رأي الرئىس السابق لمجلس الانماء والاعمار، والوزير حالياً، اذ صرّح في مستهل عمليات التنقيب بان الهدف هو اعادة اعمار بيروت وليس تحويلها متحفاً لشعب قابع في التاريخ.

وقد ردّد المسؤولون في “سوليدير” اكثر من مرة ان الآثار عندهم ليست سوى نوع من الترف الثقافي وانهم لن يسمحوا لعلماء الآثار بعرقلة اعمال اعادة البناء. أوَلَم يقل رئىس مجلس ادارة سوليدير ذلك، ضمناً، امام البعثة العلمية الدولية؟ ألم يتّهم علماء الآثار امام لجنة الاشغال البرلمانية بانهم أخّروا تقدم اعمال شركته القديرة؟ وبناء على هذا الموقف، كان التدمير المنظم للمعالم الاثرية يجري، ويُعزى دائماً الى خطأ “بشري”، ويغطّى بالدعاية الاعلامية و”الزيارات الموجهة”. فأين علماء الآثار من كل هذا؟ لقد قضت مصلحة الشركة بالتعاقد مع عالِم آثار يرضي منهجه في التنقيب رضى خاصاً ملتزمي اعمال “اعادة الاعمار”. فهذا العالِم، الذي يمسك اليوم بعدد كبير من ورش الوسط التجاري، يتبع مبدأ مفاده عدم ترك اي اثر في موقعه، وتمهيد الطريق سريعاً امام الجرافات. والشركة تواجه الاثريين المنتقدين بعدد من الشعارات التي نرغب في اخضاعها للمناقشة. الشعار الاول: “الافضلية في الاماكن المدينية هي للعمران”.

ولكن ماذا عن التنقيب في صرح تاريخي بمثل اهمية بيروت؟ هنا يواجهون بالشعار الثاني الموحى به: “لا تترك الآثار في داخل المدن”. ولكن ماذا عن باريس ومرسيليا وليون وبراغ وصوفيا وبرلين الخ… هل تعزى المحافظة على الآثار في داخل هذه المدن الى الجهل او الغباء او التبذير؟ هنا يواجهون بالشعار الثالث العفوي: “ان عملية التنقيب هي تحديداً عملية تهديم”. ولكننا نجيب بان التنقيب لا يكون بنزع الصروح الاثرية ورميها في البحر. التنقيب “يهدم” طبقات اثرية في الارض لدراستها ولكشف ما دونها وترميم ما ينبغي ترميمه قبل عرضه للسياح، خصوصاً في بلد كلبنان كانت السياحة فيه قبل الحرب ذات اهمية اقتصادية اساسية. وهنا يرفعون شعاراً جديداً: “ليس دور عالِم الآثار التفتيش عن المعالم السياحية!..”.

ان هذا صحيح، فليست السياحة هي هدف عالِم الآثار. ولكن اذا اكتشف هذا العالِم مواقع اثرية يمكن استغلالها سياحياً بما يعود بالفائدة على اقتصاد البلد، أفلا تقضي النزاهة بأن يحافظ عليها؟ لا يمكننا كلبنانيين ان لا نفكر في المحافظة على ثروتنا التاريخية، ووضعها في خدمة مستقبلنا الاقتصادي. ولا يمكننا كعلماء آثار ان لا نستهجن الطريقة المستوردة (لا ندري من اين) التي لم يعتمدها احد في اي مكان. اننا ندعو الاختصاصيين والمثقفين الى مناقشة “اثريات الجرافة” التي يترتب عليها نتائج مأسوية علمياً واثرياً وسياحياً. ونرغب منهم في ان يعلنوا مواقفهم من الاقتراحات الآتية:

– وقف عمليات البناء موقتاً.

– منح علماء الآثار الوقت والامكانات للتنقيب في كل الوسط التجاري وتحديد المعالم الاثرية التي ينبغي المحافظة عليها في اماكنها، وتلك التي يمكن نقلها.

– اعادة وضع تصاميم بيروت الجديدة مع الاخذ في الاعتبار المعالم الاثرية الواجب المحافظة عليها في اماكنها.

– منح الثقافة مساحة واسعة من الوسط التجاري الجديد: متاحف، مكتبة وطنية، قصر للموسيقى، معارض للفنون، الخ… هل هذا كثير؟.. ربما، ولكن، كما ردّدنا سابقاً، ان الانجازات الكبيرة التي يفخر بها اليوم العديد من البلدان، وربما الانسانية كلها، كانت في البدء “احلاماً مجنونة تماماً”…

اضف رد