أربعون عامًا على غياب الشاعر بولس سلامة… لا تنسوا أنّ فيروز غنّت له “نوّار يا حلم الصباح”

دخل بولس سلامة (1902-1979) تاريخ الشعر العربي في لبنان ودنيا العرب من باب الملحمة الشعرية، ولعل باكورته الشعرية “عيد الغدير” (3500 بيت) هي أولى الملاحم الشعرية في القرن العشرين. يؤكد وديع فلسطين في كتابه “في الأدب والتراجم” ان لقب شاعر الملاحم في العربية يتنازعه “شاعران اللبناني بولس سلامة والمصري كامل أمين وقد أوتيا قدرة عامرة على صوغ الملاحم ذات النفس الطويل وبهذين الشاعرين انقرض زمن الملاحم وشعراؤه” الا ان للشاعر اللبناني جورج شكور رأياً آخر فقد تابع هذا الخط حديثاً من خلال ملحمة “الرسول” (2010) وملحمة “الامام علي” (2007) وملحمة “الحسين” (2017).

مضى على غياب الشاعر بولس سلامة أربعون عاماً ولا يزال شعره يرن وكذلك سيرته التي توّجته أيوب القرن العشرين للمعاناة التي عاشها جراء المرض والعمليات الجراحية حتى كتب يقول: “سالت على حد المباضع مهجتي/ فشفارها مصبوغة بدمائي”. ولد بولس سلامة في بتدين اللقش (سمّاها الأمير بشير تمييزاً لها عن بيت الدين). تلقى تعليمه في مدرسة القرية تحت السنديانة ثم انتقل الى مدرسة في بكاسين سقفها من جذوع الصنوبر. وأكمل دراسته في مدرسة الأخوة المريميين في صيدا 1913. ثم انقطع عن التعليم بسبب الحرب العالمية الاولى. دخل في العام 1919 الى مدرسة الحكمة في بيروت وكان من تلامذتها شكيب ارسلان وأمين تقي الدين وشبلي الملاط ونعوم مكرزل وغيرهم. حاز إجازة الحقوق من مدرسة الحقوق الفرنسية. وعيّن في العام 1925 مدرّساً للغة العربية في مدرسة الحكمة بعدما خضع لامتحان قاسٍ على يد الشيخ عبدالله البستاني الذي قال له: “يا شب لو لم تكن حديث السن لسلّمتك صف البيان”. ويروي انه سلّم على عبدالله البستاني على الطريقة التركية برفع اليد اليمنى الى الصدر والشفة والجبهة. دخل سلك المحاماة في العام 1926 متدرجاً ثم عيّن في العام 1928 حاكم صلح في الشوف ثم مستنطقاً في بعبدا ثم قاضياً في طرابلس ثم قاضياً في المحكمة المدنية في بيروت حتى تقاعده في العام 1944 او بالأحرى ملازمته للسرير الذي تسمّر عليه لربع قرن عليلاً من المرض وعليلاً من الحظ والرقة وعبّر عن ذلك شعراً: “ان حظي من الحياة سرير/ صار مني فلم يعد خشبياً”.

يروي في كتابه “حكاية عمر” كم شغفته المطالعة في الأدب والتاريخ والدين والفكر والفلسفة. ولكن من اين جاءه شغف الملاحم؟ يجيب عن هذا السؤال في حوار للاذاعة اللبنانية أجراه معه عصام محفوظ في برنامج “حوار للمستقبل”. يقول: “جاء ولعي بالملاحم من روايات السيرة الشعبية والتراثية وأخبار البطولة”. وكان بطل ملحمته الإمام علي: “يا مليك الحياة انزل علياً/ عزفة من تبعث الصخرة حياً”. نظم ملحمة “الرياض” عام 1955 التي تروي بطولة عبد العزيز آل سعود ويتحدث فيها عن صحراء شبه الجزيرة العربية. بولس سلامة الشاعر الماروني اللبناني نظم في التاريخ العربي الاسلامي ما يدل على إيمانه العميق بالعروبة وانفتاحه وعدم تعصبه. نظم عام 1964 قصيدة طويلة بعنوان “عيد الستين” وتغّنى فيها بلبنان واصفاً أحواله. واستمر في نظم القصائد الطويلة مثل “علي والحسين” و”فلسطين واخواتها” و”الامير بشير” ومطولة “فخر الدين”.

له العديد من المؤلفات النثرية مثل: “حديث العشية” (1950) و”تحت السنديانة” (1969) و”حكاية عمر” (1962) و”مذكرات جريح” (1973) راوياً مذكراته ووقائعها. ورغم الجراح والآلام ظل الشعر والأمل يمدانه بأسباب الحياة وعناصر البقاء. كم مرة أنسته الكلمة نوبات الألم. في ختام كتابه “مذكرات جريح” يقول: “اللهم لئن شللتني عن الحركة وعزلتني عن العالم الخارجي فاعزلني عن السيئات”. ولبثت ملاحمه تنساب انسياباً كأنها المطر الهطول. وبقي الشعر عنده إبحاراً وفسحة حرية وصيداً بين ألمين: ألم الجسد وألم الروح. أما رأيه بالشعر: “أحب الشعر اليّ ما كان منه فخماً جزيلاً، خالياً من التعقيد، مشتملاً على الجمالية، قريباً الى الطبع، بحيث يظهر من خلاله الانسان بعاطفته وعقله وجده وهزله وقوته وضعفه”.

ماذا عن قصائده المغناة؟ يذكر فارس يواكيم في كتابه “حكايات الاغاني” ان فيروز غنت له قصيدة “نوّار يا حلم الصباح”. ويؤكد الباحث محمود زيباوي ان هذه القصيدة غنتها فيروز وسجلت في القاهرة عام 1955. ولكن ثمة قصيدة غير منشورة للشاعر بعنوان “الى فيروز” يقول في مطلعها: “فيروز يا أسطورة الواقع/ وآية الروعة في الرائع/غنّت فيا عرس الدوالي ويا/ رجع المنى في الأخضر الراجع” وغنّت له نجاح سلام أبياتا من قصيدة فلسطين وغنّت له ماجدة الرومي قصيدته عن لبنان “جاور الأنجم واحتل السحابا…”. ويفيد ابن شقيقته الكاتب الكبير الزميل سمير عطاالله ان المطرب محمد غازي غنى أيضاً القصيدة عينها. كتابه الاخير “من شرفتي” فيه تأملات في الطبيعة وفي قريته التي أحبها حباً جماً. يقول: “في بتدين اللقش تمضي الصيفية كالحلم”. او “كلما افتر برعم داعبته كف ريح/ تقول للطيب: هيا”. ولكن هل لديه في الجعبة ما لم ينشر بعد؟ يؤكد نجله رشاد سلامة ان لديه 7 دفاتر لقصائد غير منشورة وكتابات نثرية يجب العمل على نشرها. ويتذكر أيضاً انه ما دخل مرة الى غرفة والده الا وكان يقرأ او يكتب. كتابة الشعر في الليل والنثر في النهار. وما يرومه حقاً الايمان وكيف يكون المرء مستقيماً ومفيداً لمجتمعه. اما ابن شقيقته سمير عطاالله فيقول: “كم يسعدني وكم يعزيني انه كان معلمي واستاذي الأول”. ويؤكد ان ديوان بولس سلامة الغزلي ضاع عام 1939 ولم يبق معه سوى قصيدة “وردة الغاب”. عام 1949 أقيم احتفال تكريمه ودعي للمشاركة أدباء وشعراء من لبنان والعالم العربي أما هو فأقعده المرض ولم يحضر. والقيت قصيدة بالنيابة عنه يقول في مطلعها: “انا لست الا ريشة معتلة/ نقرت على وتر الجمال قليلاً” وقال عنه ميخائيل نعيمه: “ما انكسرت ارادته في أشد الشدائد وأقسى الاوجاع، بل كان وما برح يتخذ من الشدة قوة ومن الوجع نصيراً. وأغرب من ذلك انه بديلاً من ان يسكره الألم راح هو يسكر الألم. وبماذا؟ بالشعر! حقاً انه لرحيق عجيب ما اكتشفه الا الشعراء. فالشعر والالم منذ البداية توأمان لا ينفصلان”.

قصة بولس سلامة في الشعر العربي هي قصة لقاء اللغة بالالم والشغف بالحب، هو الذي احتفظ حتى آخر ايامه على ما يقول جوزف أبي ضاهر، بشجاعته وروحه المرحة، وفي اخطر اللحظات كان يلعب مع الالم بالنرد والقصائد. أعطى الشعر، والكلمة في لبنان ودنيا العرب، جذوة العمر وهمس الروح وآلاف الابيات. كل ذلك، وليس هناك شارع باسمه في بيروت، ولا طابع تذكاري، ولا جائزة ولا متحف في قريته ولا تمثال في احد شوارعها. ثمة أعمال ومخططات تستحق النشر وإعادة النشر وتقبع في الادراج. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*