الرئيسية / home slide / أديب إسحق.. أرمني دمشقي في قلب النهضة العربية

أديب إسحق.. أرمني دمشقي في قلب النهضة العربية

آداب وفنون
فارس يواكيم07 يناير 2022
(العربي الجديد)


أديب إسحق في بورتريه لـ أنس عوض

استحقّ أديب إسحق (1856-1885) الإشادة به من مجايليه ومن كتّاب أجيالٍ لاحقة. وكُرّم بإطلاق اسمه على ثلاثة شوارع: في دمشق وبيروت والإسكندرية. قال عنه جرجي زيدان: “إذا خطبَ تدفّق السيل، يهتزّ المنبر وتنقاد إليه الكلمات آخذةً بعضها برقاب بعض”. وقال مارون عبود: “يُرسل عبارته فتئزّ أزيز السَّهم وقد فارق الوتر”. وهو عند رئيف خوري “من أعمق كُتَّابنا صِلةً بالثورة الفرنسية وبمبادئ مفكّريها”. أما ناجي علوش، فاعتبره أحد أبرز الروّاد الطليعيين في النهضة الأدبية السياسية خلال القرن التاسع عشر. وعن موهبته في الترجمة ذكَر إلياس أبو شبكة: “إذا عمد أديب لنقل طرفة فرنجية إلى لسانه، فأوّل همّه أن يُلبسها حلّةً قشيبة من البيان”.

تَلقّبَ أديب ظالمتيان بالاسم الأول لجدّه، فدُعي أديب إسحق. شاعرٌ، صحافي، كاتب وناشر، مؤلّف، محاضر، خطيب، مترجِم، ومناضل سياسي؛ فكيف تسنّى له أن يغدو عدّة أشخاص مُفَكِّرةٍ في شخص، وقد اضطرّ إلى هجر المدرسة وهو في الحادية عشرة من عمره للعمل المِهَنيّ وإعانة عائلته؟

مضى قطار عمره بسرعةٍ وصخب في رحلة قصيرة اختُتمت في العام التاسع والعشرين، وفي كلّ محطّةٍ تركَ ما يثير الانتباه والإعجاب.

لم تكن السنوات الخمس التي أمضاها في مدرسة “الآباء اللعازريين” بدمشق (حيث وُلد سنة 1856) كافيةً لتأهيله للنجاح في أداء الأدوار التي لمع بها، مع أنها منحته أساساً متيناً بنى عليه. الأمر الذي يعني أنه ثقّف نفسه، وكان لا يشبع من القراءة في كتب التاريخ والأدب العربي واللغة الفرنسية، وأنه استوعب ما قرأ واستخلص نتائجَ سيُجيد توظيفها في مجتمعه.

التقى الأفغاني في القاهرة وأصبح المروّج الإعلامي لفكره

في عمر السادسة عشرة نظمَ الشعر. وأيّاً كان مستوى القصائد البواكير، فهي تشي بأنّ ناظمها يملك زاداً لغوياً وافراً ومعرفة تامّة بالعَروض لم يتلقّنها في سنوات الدراسة الأولى. كتب في قصيدة غزلية: “أَصَبرٌ وقد ذاب الفؤادُ من الوجدِ/ ونومٌ وعينُ الصبّ وقفٌ على السهدِ/ وكيف اصطباري والغرامُ محاربي/ بسيفِ الجَوى والشّوق في الهجر والصدِّ/ فيا زمنَ اللذّات هل أنت عائدٌ/ ويا مالكي هل أنت باقٍ على العهدِ؟”.

في السابعة عشرة عَرف القرّاء اسمه كاتباً صحافياً في بيروت؛ نشر المقالات في صحيفتي “ثمرات الفنون”، و”التقدّم”. وفي السنة ذاتها انضمّ إلى جمعية “زهرة الآداب”، وبعد عام تولّى رئاستها! وفيها ألقى محاضرات تتّسم بجمال اللغة وبالوعي الفكريّ. ومنها قوله: “الذين يلتمسون الزّلفى إلى الله بالوعيد والتهويل، والذين لا يريدون أن يُعْبَد إلّا كما يريدون، والذين يحاولون رسم آرائهم في القلوب والجباه بالحديد والنار، كلّ هؤلاء يُغضبون الله ويكفرون بالحقّ ولا يشعرون”.
وكان في التاسعة عشرة من عمره عندما ترجم مسرحية “أندروماك” لجان راسين، بناءً على طلب القنصل الفرنسي في بيروت، وأشرف على إخراجها مع فرقةٍ من الهُواة.

وفي عمر العشرين سافر إلى الإسكندرية تلبيةً لدعوة سليم النقّاش، الذي أسّس أوّل فرقة مسرحية في مصر ورغب في أن تكون “أندروماك” ضمن عروضه الأولى، فأضاف إليها أديب اسحق قصائدَ من نظمه. وإبّان تلك الإقامة ترجم أيضاً مسرحية “شارلمان”. ولم تكن هذه الترجمات من إبداعاته المذهلة، بينما تجلّت موهبته في ترجماتٍ صاغها أشعاراً، أشهرها ما اقتبس فيها من عباراتٍ لفكتور هوغو في البيتين الأولين: “قتْلُ امرئٍ في غابةٍ/ جريمة لا تُغتَفَرْ/ وقتلُ شعبٍ آمنٍ/ مسألة فيها نظرْ/ والحقّ للقوّة لا/ يُعطاه إلّا مَن ظَفر”. وبرغم اشتغاله بالمسرح، إلّا أنّ هذا الفن لم يكن هدفاً يسعى له.

في الحادية والعشرين من عمره التقى جمال الدين الأفغاني في القاهرة، وانضمّ فوراً إلى حلقته الدراسية، وأخذ عنه معارفَ في الفلسفة والمنطق والتاريخ الإسلامي والتراث العربي. وسرعان ما أصبح من أقرب المقرّبين إليه، فأصدر الصحف التي كانت تعبّر عن الرأي المشترك لكليهما. وكانت الباكورة جريدة “مصر”، وقد نقلها إلى الإسكندرية بعد فترة وجيزة من صدورها، وأقنع صديقه سليم النقّاش بمشاركته تحريرها، وكان أن هجر النقّاش المسرح واحترف الصحافة. ومن بعد، أصدرا معاً جريدة “التجارة”، وحرّرا في جريدة “مصر الفتاة”. وكان الأفغاني ينشر في هذه الصحف مقالاتٍ باسمه، ومقالاتٍ كان يوقعها باسم مستعار (مظهر بن وضّاح). وبعدما أصبح الشاب الأرمنيّ من أعلام الأدب العربي، غدا المروِّجَ الإعلاميّ لفكر جمال الدين الأفغاني.الصورة

ولم يكن الانتماء إلى الماسونية العامل الوحيد الذي جمع بين أديب اسحق والأفغاني. كلاهما نجح في الكتابة والخطابة بغير اللغة الأم. كلاهما نجح في الخروج من بيئة الأقلّية العِرقية والمذهبية واللغوية إلى رحابة العالم العربي، وصارا من أعلامه عَبْر تبنّي قضاياه وهمومه. جمع بينهما التآلف والتآخذ: الأفغاني غذّاه بالتراث الإسلامي والعربي، وإسحق نقل إليه مستحدثات الفكر الغربي، خصوصاً الفرنسي. وجمع بينهما المصير ذاته: نُفِيُ الأفغاني من مصر صيف 1897، فتوجّه إلى الهند، ولاحقاً أغلقت الحكومة صحيفة “مصر” وطُرد صاحبها أديب اسحق هو الآخر، فقصد باريس وبلغها في الأيّام الأخيرة من العام ذاته.

أمضى في منفاه الفرنسي تسعة أشهر، لم يهدأ خلالها يوماً. داوم على زيارة “المكتبة الوطنية” في باريس، فجدّد معارفه، وحضر في مجلس النوّاب جلسات كثيرة، تابع فيها أساليب الخطابة والممارسة الديمقراطية. والتقى فكتور هوغو في دارته، وحين خرج سأل الصحافيون شاعر فرنسا الكبير عن ذلك الشاب الغريب، فأجاب بجملة موزونة على البحر الإسكندري: “هذا اليوم/ استقبلت/ عبقرياً/ من الشرق”.

لا تكون السجون فارغةً إلّا إذا امتلأت المدارس

وفي باريس أنشأ جريدة “مصر القاهرة”، وكتب في العدد الأول: “هذه صحيفة ‘مصر’ طواها الاستبداد فماتت شهيدة، ثم أحيَتْها الحرّية فعاشت سعيدة”. وكتب أربع رسائل بعنوان “نفثات مصدور” شرح فيها أنه يوجّه مقالاته إلى بني قومه، “أُبيِّن لهم أن النعمة لا تُملَك من غيرِ تعَب، وأن الغاية لا تُدرَك من غير طلب، وأن النجاة وقفٌ على سبيل الهمّة، وأن النجاح بإرادة الأمّة، لتظهر عليهم علائم القصد فتكون طليعةً لجيوش العزم، فيعلَم المستخِفّون بهم أنهم لا يزالون أحياءً، وإن كانوا مِن ظُلمهم في ظلمات القبور”.

ضاق صدره من هموم الشرق، ونهش صدرَه داءُ السلّ. لم يتحمّل برد باريس، ولم تكن الشقق الثلاث التي سكن فيها مُدَفّأةً، ودفعه المرض ممزوجاً بالفقر إلى هجر باريس إلى بيروت. عاد إلى قواعده في صحيفة “التقدّم”، وتبادل إطلاق المقالات المضادّة مع صحيفة “البشير” التابعة للآباء اليسوعيين. ومن أقواله وقتها: “لا تكون السجون فارغة إلّا إذا امتلأت المدارس، ولا تمتلئ المدارس إلّا إذا حصل التعليم إلزاميّاً”.

في أواخر 1881 تغيّرت الحكومة، فعاد إلى القاهرة، وعُيِّن ناظرَ قَلمِ الإنشاء والترجمة بديوان المعارف. واعتبر بعض مريدي الأفغاني أن ذلك انقلابٌ عليه وخيانة. لكنّه ظلّ على ودٍّ معه، وكتب عنه مقالة ظلّت مخطوطةً نشرها أخوه عوني إسحق في “الدُّرَر”، وهو كتابٌ جمع ما أمكن من مقالات أديب الأديب وبعض محاضراته وقصائده وترجمته لمسرحيتَيْ “أندروماك” و”شارلمان”. أمّا “تراجم مصر في هذا العصر”، ففُقِد في جملةِ ما فُقد من آثاره.

اشتدّت ضراوة السلّ وهَدّه الداءُ، فقصد لبنان على أمل الاستشفاء، بيد أن إقامته فيها لم تطل، ومات في بلدة الحدث المتاخمة لبيروت، في سنة 1885.