الرئيسية / home slide / أدونيس المناصر للمرأة «الشجرة»

أدونيس المناصر للمرأة «الشجرة»

إيلي عبدو
القدس العربي
29092022

 في حوار صحافي، وبصوت «خفيض وناعم وحضور مرهف وأنيق»، على ما حرصت محررة الحوار الكاتبة ديمة شكر، أن تسجل في المقدمة، مستعيرة كلمات من قاموس التنميط الذكوري، للنساء، روت الناقدة خالدة سعيد، محطات من تجربتها «الغنية». وما، بدا لافتا، في السرد، أن اكتشاف هذه الناقدة المعروفة، كان من خلال تقييم الذكور لها، تحديداً زوجها أدونيس، وشريكه في مجلة «شعر» يوسف الخال.

فعند صدور ديوان أدونيس «قصائد أولى»، حسبما تروي خالدة، استكتب الخال بعض النقاد حوله، لكن تلك المقالات لم تعجبه، فقال لأدونيس دع خالدة تكتب، ليجيبه «لكن خالدة لم تكتب نقدا في حياتها، فأجابه (الخال) مصرا «سوف تكتب». وكرر أدونيس: هي تكتب نصوصاً وجدانية، لكن لم يسبق لها أن كتبت النقد، فأصر الخال مؤكداً: بلى إنها تعرف وستكتب. وحين سأله أدونيس وكيف تعرف أنت أنها تعرف، فأجابه: سمعتها تناقش في جلسات «خميس شعر». هكذا كتبت خالدة، مقالها الأول، وفق ما تروي، ولم توقعه باسمها، بل باسم خزام صبري. لتصبح الصورة على النحو التالي، امرأة ناقدة تبصر موهبتها النور، من خلال حوار ذكرين، وموضوعها كان الكتابة عن ديوان الزوج ـ الذكر، فيما الاسم الحقيقي للناقدة، غاب وتوارى خلف آخر مستعار.

تنزيه المرأة وإدراجها في الصور الشعرية، عبر الأسطرة والتصوف، هدفهما موضعتها، كوظيفة وأداة، ضمن عالم ذكوري، أدواته ليس القمع والتهميش بل المحو

 بمعنى آخر، ولادة خالدة النقدية، كانت في سبيل كتاب أدونيس والدوران من حوله، وبعد انتقاء صعب عبر حوار تقييمي شارك فيه الخال، وعليه فإن، زوال الاسم يصبح نتيجة طبيعية، لهذا الذوبان في الشاعر ـ الذكر. لقد بدأت خالدة مسيرتها «الغنية»، بوضع نهاية لهذه المسيرة، باعتبارها امتدادا لمن منحها شرعية الكتابة النقدية، بعد أن سمعها في جلسات «خميس الشعر»، وقرر أنها تنفع للكتابة.

وضع هذه الحادثة، في إطارها التاريخي، سيفسح المجال لتفسيرات شتى. تتعلق بالأوضاع التي تهمش النساء في أواخر الخمسينيات، أي بشروط اجتماعية واقتصادية وسياسية، تتجاوز علاقة خالدة بأدونيس أو بالخال، وبقية صناع تجربة «مجلة شعر». لكن في الوقت ذاته، لا يمكن فصل تجربة هؤلاء عن هذه الشروط، لاسيما في ما يتعلق بشعرهم، وحضور المرأة في هذا الشعر.

صحيح أن أصحاب تجربة مجلة «شعر» كانت لديهم مواقف حاسمة من تحرر المرأة وحريتها وحقوقها، لكن أدونيس مثلا، الذي اهتم في قصائده، باستعادة الأساطير والتغني بالطبيعة، ضمن تجريد ذهني، جعل المرأة معرّفة دائما بخارجها، سواء كان هذا الخارج دورا أو وظيفة، في ما الخال، الذي انصرف في قصائده إلى الصوفية المسيحية الإنجيلية، انحاز إلى النساء النقيات المعاديات للحسية. ما يعني أن، المرأة من لحم ودم وحضور واجتماع، غابت عند هذين الشاعرين، لصالح تلك المؤسطرة أو الملحقة بتشبيه مستل من الطبيعة أو الفلسفة، وأيضاً لصالح القديسة، المترفعة عن العالم.

تنزيه المرأة وإدراجها في الصور الشعرية، عبر الأسطرة والتصوف، هدفهما موضعتها، كوظيفة وأداة، ضمن عالم ذكوري، أدواته ليس القمع والتهميش المباشرين للنساء، بل محوهن، في قصائد، ظاهرها الاحتفاء بالمرأة، وباطنها، وضع الأخيرة، في صورة، بالضد من اليومي المعيش، حيث المرأة تخوض التجارب وتسعى لاستعادة حقوقها. وبداية خالدة سعيد في عالم النقد، كما روتها في الحوار الصحافي، قد لا تكون بعيدة عن هذا التموضع للمرأة لدى أدونيس وشعراء مجلة «شعر» «الحداثيين»، لكن هذه المرة كناقدة تكتب عن ديوان الشاعر – الذكر، بدل أن تكون ملحقة بصوره الشعرية.

من هنا، قد لا يبدو غريبا أن يجيب أدونيس في مقابلة تلفزيونية، عن سؤال حول أمه، بقوله إنها شجرة، إذ يخرجها من أي اجتماع، ويحيلها إلى الطبيعة، أي إلى إحدى موضوعاته الشعرية، متقاطعا بذلك، مع شيخ مقرب من «حزب الله» في لبنان، سبق أن نصح النساء بتغيير صور بروفايلاتهن على الفيسبوك بصورة، شجرة. واحد، يريد إخفاء النساء عبر الصور الشعرية، وإحالتهم للأسطرة والطبيعة، وآخر يريد إخفا ءهن، ضمن تصور محدد للدين.

وعليه، فإن الذين يسألون في الفترة الأخيرة، عن صمت أدونيس حيال الاحتجاجات في إيران، فعليهم أن يفكروا بعيدا عن الانحيازات السياسية لهذا الشاعر، وإعجابه القديم بالثورة الإسلامية، ثمة من يستحق العودة لقصائد أدونيس، حيث لا مكان لنساء منتفضات على نظام ديني قمعي، ويرفضن أن يكن أشجاراً، أو صاحبات أصوات «خفيضة ناعمة».

كاتب سوري