الرئيسية / مقالات / أخيراً… نهاية “صادقة”!

أخيراً… نهاية “صادقة”!

في بعض الاصداء المتشعبة التي اثارها خطاب الرئيس سعد الحريري في بيت الوسط لمناسبة الذكرى الـ15 لاغتيال والده الرئيس رفيق الحريري ثمة ما يستأهل التوقف عنده لجهة تساؤلات طرحت تتصل بما اذا كانت الكارثة المالية والمعيشية تتيح بعد للناس الاهتمام بتصفيات الحساب السياسية. تستقي هذه التساؤلات مشروعية ايا تكن دوافعها لجهة الافتراض ان الشحنات المتعاقبة للكارثة المالية والاجتماعية لا تبقي اي هامش للسياسات بمفهومها السابق للازمة وتاليا فان نبض الناس حيال السياسة قد انحسر الى سقوف متدنية غير مسبوقة. ومع ذلك لا تبدو هذه التقديرات دقيقة ومطابقة للواقع بدليل ان كل ما احاط بمناسبة 14 شباط خطابا وتحشيدا وردودا من ضفاف الحلفاء والخصوم بدا بمثابة استفتاء سياسي جاذب اخترق زمن الاخطار الكبرى المالية والاقتصادية. وسواء اعترف بذلك كثيرون ام أنكروه فان كشف الحساب مع العهد ورجله القوي “الثاني” الذي فلشه الحريري امام اللبنانيين في هذا التوقيت لم يكن ممكنا تصور مرور المناسبة من دونه والا لكان الحريري سيرشق حتما بتهم أخرى وبتبعات الباطنية والتورية وربما الاستسلام السياسي. في اي حال لم يكن مدعاة للاستغراب ان يفتح الحريري مسالك الطلاق الناشئ بينه وبين العهد وتياره غداة انهيار تسوية ادت في ما ادت اليه الى انفجار سياسي مواكب للانفجار الاحتجاجي الشعبي كنتيجة حتمية لا بد منها في مكان ما. لا بل ان الخبث بعينه كان ليكون فاضحا في تجاهل انهيار التسوية وتسوية الأرض الملتهبة بالاحتجاجات بها وعدم اعلان نعيها على لسان الحريري. لا نزعم ان خطاب الحريري قدم هدية ابتهاج لكل من رفض سابقا التسوية الرئاسية ونحن منهم لان اي لبناني كان ليفضل لو ان التسوية ساهمت في منع الانهيار وحينها تبقى للحسابات والمواقف السياسية هوامشها وساحاتها وحساباتها. اما وقد وقعت الواقعة فلا بد من الافصاح بانه لم يعد جائزا بعد هذا الوبال السياسي ان نحتمل اكاذيب وازدواجيات وانصاف مسرحيات سخيفة في مشهد سياسي بات يثير في معظم نواحيه التقزز لفرط امتهان معاناة الناس وجحيم اليوميات الذي يعيشونه. واذا كان يمكن النقاش والجدل في جوانب مختلفة من خطاب سعد الحريري في ما يتصل بالموقف من حلفاء وخصوم آخرين فان المداهنة والتركيز على استهدافه في ملف انهيار التسوية مع العهد لا تستقيم اطلاقا ولا تبدو ناجحة ابدا في تقليص اهمية التحول البادئ مع هذا السقف، حتى ان الردود العونية نفسها تلتقي مع هذا التقويم اذ بصرف النظر عن مضمون هذه الردود فانها بدت اكثر واقعية من كثير من اصداء اتسمت بزيف المداهنات. معنى ذلك ان سقوط التسوية بما مثلته من تجربة تعويم لمصالحة كبيرة وجذرية ومصلحية كهذه بين الحريرية والعونية ولو انه ليس حدثا عاديا يشكل تحولا مهما من شأنه فرملة ان لم نقل وضع حد لتجارب مماثلة لا تستقيم بطبيعتها مع تركيبة القوى المتحالفة ومبادئها مهما فعلت المصالح فعلها. وهو امر لا نحزن عليه اطلاقا بعد كل هذه الكلفة ولا نظن ان الحريري اخطأ ابدا في اعلان هذه النهاية بكل المراسم الشعبية والسياسية التي أحاطها بخطابه.

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد