الرئيسية / home slide / أخطر من 6 و6 مكرر!

أخطر من 6 و6 مكرر!

02-11-2020 | 00:04 المصدر: النهار

نبيل بومنصف

أخطر من 6 و6 مكرر!

 على طريقة الحفر بإبرة في جبل بحثاً عن مكامن نادرة في الواقع اللبناني الراهن الغني عن أي وصف دراماتيكي، نجدنا أمام مشهد لبناني معقول، بل إن البعض يذهب الى رؤية موقف متقدم نوعاً، في مواجهة ما يمكن ان يشكل طلائع حرب دينية يريد مجانين من هذا العالم إشعالها انطلاقاً من موطن أعظم الثورات المتحررة في التاريخ فرنسا. بدا الاختبار اللبناني الأوّلي في التفاعل مع أحداث فرنسا من تسلسلها، ولا سيما أمام المجزرتين البربريتين اللتين ارتُكبتا تباعاً، حريصاً بداية، وفي معالمه العريضة، على توازن يقوم على رفض المسّ بالديانات كما على الجرائم البربرية التي يرتكبها متطرفون إسلاميون. هذا الموقف يغلب عليه الطابع التقليدي الذي لا يفاجئ أحداً في لبنان أو ممن يرصدون البيئة اللبنانية كساحة مؤهلة دوماً للتفاعل السلبي مع أحداث الخارج التي تكتسي طابعاً إقليمياً يرتبط بصراعات النفوذ، أو إذا كانت ذات طابع طائفي أو ديني. ومع ان خطورة الحدث الجاري في فرنسا والذي يبدو مرشحاً لمزيد من التصعيد البالغ الخطورة تباعاً يستدعي مواقف أكثر من تقليدية ولا تنحصر بذلك التوازن الاضطراري على طريقة الـ”6 و6 مكرر” الشهيرة في الصيغة التعايشية المسيحية – الإسلامية في لبنان، كنا نطمح ان تذهب مواقف المرجعيات الدينية والسياسية مثلا نحو إدانة متجرّئة شرسة صارمة قاطعة للظاهرة المتوحشة بقطع الرؤوس واستهداف الأبرياء بصورة منعزلة تماماً عن أي تبريرات اطلاقاً حتى لو كانت بمستوى الرسوم المسيئة للأديان والرموز الدينية. لا يتصل الأمر هنا بواقع التوازن التقليدي، بل إن ما يجري في يقظة ظاهرة متطرفة داعشية بدأت حربها على فرنسا وتنذر بتمدد واتساع خطيرين نحو انحاء أخرى ككندا بالأمس، لن يبقي بلدان المشرق اطلاقاً في منأى عن ترددات المواجهة خصوصاً مع الدور البالغ السوء المزدوج والملتبس لتركيا وايران في التحريض على المواجهات ذات الطابع الطائفي والمذهبي والديني. يمكن اتخاذ موقف الكنيسة المارونية الذي وازن ما بين الإدانة القاطعة للتعرض للديانات والوحشية التي طبعت مجزرتَي نيس وقطع رأس المدرّس الفرنسي كعيّنة “مريحة” طبعاً حيال إبعاد لبنان عن ملابسات إضافية لا يحتملها أي تفاعل سلبي راهناً في حال لم يعجب موقف المرجعية الدينية والوطنية لبكركي مراجع الطوائف الإسلامية مثلاً. كما يمكن النظر الى مشهد الإسلاميين المتظاهرين على طريق قصر الصنوبر الجمعة الماضي ببعض رحابة الصدر نظراً الى ضآلة حجمهم رغم كل التحريض والتحشيد المعروف الجهات. ولكن ذلك لن يكفل للبنان تمرير أي عاصفة من شأنها ان تتعاظم كما يخشى من المجريات المتلاحقة في فرنسا وبعض الدول وتزجّ بكل العالم في أتون مواجهة تستنفر اليها أقصى أسلحة اليمين المتطرف في الغرب كله في مواجهة الإجرام الداعشي المتطرف المتلطّي بالإسلام. ولعلها مسؤولية لبنانية جامعة بطبيعة الحال ان تمنع أي ارتدادات لمواجهة خطيرة كهذه. ولكن الحماية والاحتواء المطلوبين من خطر خارجي وافد كهذا قد لا يكفي لتوفيرهما الاحتماء بمواقف “متوازنة” قد تكون في النهاية سبيلاً سهلاً للهروب من الإحراج أكثر مما هي مواقف قاطعة من مسألة مقدسة تتصل بالحق في الحياة والأمن والسلامة والسلام كما بالحرية. الرؤية من لبنان الى الحدث لا تبدو بعد على هذه السويّة من خطورته.