الرئيسية / مقالات / أخطر من إنقلاب!

أخطر من إنقلاب!

يجزم الخبراء الماليون والاقتصاديون (الحقيقيون وليس منتحلي صفة الخبراء الذين يتكاثرون على الشاشات) بان اصلاحا جذريا لواقع المالية العامة اللبنانية سيكون كفيلا بطي كل خوف صادق او مفتعل من انهيار مالي. يقود ذلك ضمنا الى تعويل الحكومة على نهاية سعيدة لمخاض الموازنة بما يحول دون هاجس خسارة مشاريع الدعم الدولي المرصدة في مقررات “سيدر” والتي باتت الخشية عليها اكثر بكثير من اي وقت سابق. وليس من المغالاة القول ان الايام الاخيرة بما شهدته من تعريض المشهد الداخلي لمغامرات هددت الاتجاهات المتواضعة لاقرار موازنة ترسل الى المجتمع الدولي المانح إشارات تقدم نحو التصحيح المالي والاقتصادي الذاتي وضعت ملف الدعم الدولي ومقررات “سيدر” بمجملها على محك عد عكسي يواكب الجلسات اليومية لمجلس الوزراء لاقرار هذه “المأثرة” العجائبية. تبعا لذلك ثمة حقائق لم يعد ممكنا لجميع الافرقاء السياسيين المنخرطين في مخاض الموازنة تجاهلها او التعامي عن تداعياتها ومن ابرزها اطلاقا الادراك بان ثمن اي انقلاب محتمل يجري التخطيط له لضرب مقررات “سيدر” لغايات في نفس يعقوب ما لن تقف مفاعيله هذه المرة عند حدود تبخر ما يناهز الـ12 مليار دولار مرصدة لأضخم عملية تطوير للبنى التحتية اللبنانية بل ستتمدد الى الاخطر وهو تجفيف كل مسارب الدعم الدولي وترك لبنان لمصير بائس. ما حصل سابقا في مؤتمرات باريس الثلاثة التي كان الرئيس رفيق الحريري رافعتها الكبيرة وجرت المخططات الخبيثة مجراها لضربها وإفراغها من جدواها كان بقصد اجهاض نهوض لبنان من تركات الحروب ومنعه من التفلت من وصاية النظام السوري بعدما استشعر هذا النظام الخطورة الزاحفة على احتلاله للبنان في ظل الدور الكبير للحريري ونادي علاقاته الدولية المؤثرة. الآن ستشكل أي استعارة محتملة او استعادة لتلك التجارب، لأي سبب او دافع او هدف وايا كان من يقف وراءها ودائما في الإطار الافتراضي، الضربة القاتلة للآمال الحقيقية والجادة في امكان انقاذ لبنان ووضعه على سكة الخروج من الهوة المخيفة التي يتخبط فيها. لا تأتي اثارة هذه الاحتمالات من عبث او فراغ او عقدة توجس مقيمة في عقول أدمنت الخوف وتصور الأسوأ لفرط ما اعتملت فيها التجارب المرة. ولكن ثمة مؤشرات حسية ودلائل وقرائن خطرة برزت مع اتجاهات تصاعدت في “ايام الموازنة” وخصوصا في اللحظات الاخيرة ويخشى تصاعدها تباعا في ما تبقى من ايام مفضية الى إقرار الطبعة الحكومية النهائية للموازنة. وهي مؤشرات تنذر بتراجعات في مواقف افرقاء سياسيين اساسيين عن توافقات وتعهدات والتزامات حصلت سابقا تمهيدا لانطلاق مجلس الوزراء في اخراجها رسميا بما يخشى ان يشكل ركوبا لموجات شعبوية او استثارة لمناخات سلبية قد تبلغ حدود تهديد مجمل المشروع المطروح امام مجلس الوزراء والذهاب بالبلاد الى مجهول. ليس الامر اقل من هذه الصورة القاتمة اذا لم تشكل الايام الطالعة تسفيها لهذه الهواجس الصاعد بقوة. فثمة انقلابات من طراز كهذا تكون تداعياتها وانعكاساتها أشد خطورة من انقلابات عسكرية او امنية او فوضوية ولبنان لا يحتمل ايا من هذه الكوابيس.

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد