الرئيسية / home slide / أحمد عبده ماهر حقوقي وباحث مصري يقوده الأئمة الأربعة إلى السجن

أحمد عبده ماهر حقوقي وباحث مصري يقوده الأئمة الأربعة إلى السجن

المحامي والباحث في شؤون التراث الإسلامي تحدى الأزهر بالفكر فعوقب بالحبس لازدراء الدين.



صحيفة العرب
الخميس 2021/11/25

ضابط سابق

أحدث حكم بحبس المحامي والباحث في شؤون التراث الإسلامي أحمد عبده ماهر، خمس سنوات بتهمة ازدراء الدين الإسلامي قبل أيام، ضجة في الأوساط الحقوقية والثقافية، باعتبار أن هذه التهمة يفترض أن تنتهي طالما أن الدولة المصرية بحاجة إلى مجددين للخطاب الديني، وتعمل على نسف الأفكار المتطرفة. بينما قال آخرون إن الرجل يستحق العقاب لأنه شكك في الكثير من الثوابت وتطاول على القرآن ذاته وأثار لغطا في بعض آياته، ما يتنافى مع طبيعة الباحث الجاد، لأن ما قاله الرجل لم يمس فقط ما رسخ في الأذهان بل قدم تفسيرات مغلوطة عن عمد.

قارع ماهر المؤسسة الدينية في مصر منذ أكثر من 11 عاما، سعى خلالها لتغيير قناعات الفقهاء ورجال الدين حول التراث، وقال إنه يحتوي على نصوص وأحاديث دخيلة على العقيدة السمحة، لكنهم تجاهلوه وأداروا ظهورهم إليه، وتعاملوا معه باعتباره يبحث عن شهرة على حساب تشويه الإسلام والأئمة الأربعة وكتبهم الموروثة عنهم، حتى جاء قراره بتأليف كتاب “إضلال الأمة بفقه الأئمة” ليزج به إلى السجن، والذي شكك في كل ما ساقه الأئمة من تراث ونصوص فقهية.

يُعرف بكونه أحد أكثر الباحثين في التراث الذين أثاروا جدلا لا ينتهي. لم يترك صغيرة ولا كبيرة في كتب الأئمة الأربعة إلا وطعن فيها، وكان له السبق ضمن من فتحوا النار على صحيح البخاري، وكذّب معظم ما جاء فيه، حتى شعر البعض بأنه يعادي البخاري لموقف شخصي، والذي يتعامل معه الأزهر كمقدس.

منذ قرر خوض معاركه لإقناع المؤسسة الدينية بحتمية تجديد الخطاب الديني وتنقيح التراث من النصوص المدسوسة عليه تمسك بتجاوز كل الخطوط الحمراء، فلا يعترف بلغة المهادنة ولا اللين في الكلام، واعتاد فتح النار على من يكذب كلامه.

شجاعة أم تحريف

ورث ماهر، البالغ من العمر 77 عاما، جرأته وشجاعته في النقد من عمله السابق لسنوات كضابط سابق في صفوف الجيش المصري، شارك في حرب الاستنزاف عام 1967، وحرب السادس من أكتوبر عام 1973، وكانت مشاركاته ضمن القوات المكلفة بالقتال في الخطوط الأمامية، أي في وجه العدو مباشرة.

بعدها التحق للعمل كضابط في جهاز الاستخبارات الحربية، ثم خرج من الخدمة على المعاش لعدم اللياقة الطبية، وقيل إنه لم يعد يصلح من الناحية الصحية ليمارس عمله، بعدها انضم لجمعية المحاربين القدماء وضحايا الحرب.

لم يجلس كثيرا في منزله بعد خروجه على المعاش وانضم لنقابة المحامين ثم أصبح محاميا في النقص، ودفعه تدينه لأن يقرأ في الكتب الفقهية واكتشف ما بها من مفاهيم ونصوص وأحاديث منسوبة للنبي محمد ولا علاقة لها بصحيح الإسلام، خاصة التي تنشر التطرف وتبيح سفك الدماء وسبي النساء.

قرر أن يقود مهمة تجديد الخطاب الديني من تلقاء نفسه، وبدأ يتحسس خطواته في نهايات فترة حكم حسني مبارك، وتعرض لهجوم من الإخوان والسلفيين والأزهر، واعتقد كثيرون أنه بصعود الإسلاميين إلى المشهد السياسي عقب سقوط نظام مبارك عام 2011، أنه سيلتزم الصمت خشية انتقام المتشددين منه.

خيّب ماهر آمال هؤلاء ومضى في طريقه غير مكترث بالتهديدات التي طالته، لدرجة أن بعض شيوخ السلفية أهدروا دمه وكفروه، لعله يصمت أو يتراجع عن أقواله وأفعاله، لكنه لم يصمت، وأعلن صراحة أنه لن يهدأ له بال، إلا بعد تطهير التراث من النصوص الدموية وغير الإنسانية التي يتعامل معها الناس بقدسية.

المفتري والمفترى عليه

أزمة الأزهر والمؤيدين له أنهم اعتادوا عدم الرد على المجتهدين بالحجج، بدلاً من التحريض عليهم

قام برفع دعاوى قضائية تطالب الأزهر صراحة بنسف مناهجه الدراسية لأنها عنيفة ومأخوذة نصا من كتب التراث الجاهلية وتسيء للدين الإسلامي، وتخرج المتطرفين، لكن كان مصير هذه الدعاوى أدراج المكاتب، لأسباب كثيرة مرتبطة بحساسية الظرف السياسي واستمرار نفوذ الإسلاميين اجتماعيا وسياسيا.

كان يظهر على الناس من خلال بعض القنوات التلفزيونية ويكتب على صفحات الصحف في ذروة تصعيد الشارع ضد الإسلاميين وحكمهم، لكنه اختفى عن المشهد لشعوره بأن الناس أصبحت تمتعضه لأنه جريء أكثر من المعقول. فالمجتمع في معظمه متدين وصوت التشدد أعلى صخبا فقرر مخاطبة جمهوره عبر المنصات.

وقام بتأليف عدة كتب تطعن في ما يسوق له الأزهر والأئمة الأربعة حول صحيح الإسلام، من بينها “إسلامنا والتراث.. نحو تقويم الخطاب الديني”، و”السنة النبوية بين الدس والتحريف”، و”أوهام عذاب القبر”، و”كيف كان خلقه القرآن”، و”القرآن معجزة البيان”، بحثا عن تأييد شعبي نسبي لرؤيته وأفكاره التي طرحها.

وسط كل هذه المناوشات اكتفت المؤسسة الدينية بالصمت، ولم ترد عليه بشكل رسمي، لكنها أطلقت بعضا من شيوخها للطعن في أفكاره واتهامه بازدراء الدين وإحداث الوقيعة بين المسلمين والأقباط، وتأجيج الرأي العام، والطعن في المقدسات، وتشويه الرموز الدينية، وإهانة النبي محمد، والتشكيك في السنة النبوية والآيات القرآنية.

تقدم الرجل بطلب رسمي إلى مؤسسة الأزهر لترشح من تختاره من العلماء للدخول معه في مواجهة فكرية فقهية، فإما أن تكسب المعركة لصالحها وبعدها يصمت للأبد، أو تؤمن بأنه يتحدث بكلام صحيح وعليها أن تراجع مواقفها وتنقح مناهجها من التطرف وتسرع وتيرة تجديد الخطاب الديني.

لم يرد الأزهر واكتفى بتصريحات صحافية أطلقها عباس شومان وكيله السابق، مطالبا ماهر بأن يأتي بدليل واحد على ضلوع أي طالب أو خريج من الأزهر في عملية إرهابية أو متهم في قضية لها علاقة بالتشدد، للإيحاء بأنه يكذب ويحاول تشويه صورة الأزهر وينشر التحرر والرذيلة ويقضي على التعليم الديني.

جاءت تصريحات شومان على طبق من ذهب للرجل، حيث أعد قائمة طويلة، بالاسم والسن والكلية، لطلاب وخريجين من الأزهر أدينوا بالفعل في قضايا إرهاب، ومثبت عليهم الانتماء إلى تنظيمات متطرفة وساعدوا وخططوا عناصر مسلحة في قتل أقباط، واغتيال قضاة ورجال أمن، وطالب الأزهر بالتأكد من صحة كلامه بالعودة إلى سجلات أجهزة الأمن.

أزمة الأزهر والمؤيدين له أنهم اعتادوا عدم الرد على المجتهدين بالحجة والفكر والبرهان، ويستسهلون الهجوم والتحريض على الطرف المناهض لهم لتجييش الرأي العام ضدهم، والإيحاء بأن ما يسوقون له تشويه متعمد للإسلام لخدمة أطراف معادية.

عدو التراث البشري

يؤمن ماهر بأن أي تراث من نتاج فكر بشري مطعون فيه ويجب نقده بالعقل، لكن هذا الأسلوب يتعارض مع قناعات الأزهر الذي يتعامل مع أي فقه متوارث كأنه وحي نزل من السماء، أي في مرتبة القرآن الكريم، مع أن الرجل قال مرارا إنه لا يريد نسف التراث ويريد أخذ مزاياه وترك سلبياته لأنه ليس مقدسا.

وما أشعل غضب المؤسسة الدينية والمدافعين عنها أن ماهر وضعها في مواقف حرجة بالجملة عندما اعتاد الخروج في الإعلام على منصات التواصل وقناته على “يوتيوب” ليكشف باسم الكتاب، ورقم الصفحة، كم أن مناهج الأزهر تحض على التطرف والتشدد وتدعو صراحة لتكفير الأقباط، ومعاداة المرأة، وهو ما يسيء للإسلام.

وعندما صدر الحكم بحبسه، سجل فيديو ونشره على حساباته الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي، مخاطبا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن يتدخل لإنصافه، قائلا له “أنا الباحث والمجدد الذي نفّذ طلبك، واستجاب إليك، بأن أفكر في ديني، وأبحث فيه، وعندما فكرت عاقبوني بالحبس، ومن عاقبوني هم أخطر الناس على الإسلام”.

وأضاف “يا رئيس الجمهورية، لا يوجد قتل للمرتد ولا تارك للصلاة ولا سبي للنساء ولا إرضاع للكبير. هذا ما يقومون بتدريسه في الأزهر. هم يعلمون طلابنا أنه لا تبنى كنيسة في الإسلام، وإذا بنيت هدمت. هذا منهج في الأزهر. هذا فقه العنف وعدم التسامح والغل. كيف أؤمن بمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ولا إكراه في الدين، وفي نفس الوقت أؤمن بتراث يقول من بدل دينه فاقتلوه، وأن النبي أُمر أن يقاتل الناس حتى يؤمنوا، مع أن الله هو الذي قال لكم دينكم ولي دين”.

الأوساط الحقوقية والثقافية المصرية ترى أن اتهام ماهر بازدراء الأديان يتناقض مع توجه الدولة نحو تجديد الخطاب الديني

وبغض النظر عن هجومه على الأئمة ومناهج الأزهر، فإن ما أشعل غضب المؤسسة الدينية وأنصارها عليه أنه دعا صراحة إلى إغلاق الأزهر لعشر سنوات، وبرر ذلك بأن يتم وضع حد فاصل بين الجهل المهلهل فكريا وفقهيا، وبين الجيل الذي سيقدم الإسلام للعالم، بحيث تكون هناك مناهج معاصرة، يضعها علماء وسطيون مشهود لكهم بالكفاءة والموضوعية، لا التشدد، متهما المناهج الأزهرية بأنها تمهد الطريق أمام تنظيم داعش الإرهابي لتطبيق نصوصها.

ما يميز ماهر كباحث في التراث والفقه، أنه لا يمكن أن يتحدث وينتقد إلا وهو يمتلك ما يبرهن به على صحة كلامه وموقفه، فإذا انتقد حديثا منسوبا للنبي محمد، يضع أمامه آية قرآنية تتناقض معه، ويطالب الناس بإعمال عقولهم، ويسألهم: هل الأحق، الحديث أم القرآن؟

عندما تعرض للهجوم بسبب كلامه عن حرية العقيدة استعان بحديث منسوب للنبي يقول نصه “جئتكم بالذبح”، ثم يأتي بآية قرآنية نصها “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، وأخرى تقول “ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك”، أي أن الإسلام دعا إلى التسامح والتراحم، لا العنف والاضطهاد والكراهية.

وعندما اتهمه بعض رجال الأزهر بأنه يطعن في الإسلام، بطعنه في صحيح البخاري، لأنه أصبح كتابا فقهيا ثمينا بعد القرآن، أجابهم بطريقة تعكس إيمانه الوسطي المعتدل، وقال إن مساواة كلام البخاري بكتاب الله استخفاف بالقرآن، فلا يمكن مقارنة كتاب شخص بكتاب الله المقدس، واصفا الأزهر بأنه يدرس دين البشر، لا دين الله، ويتعامل مع الطعن في الأئمة أنه طعن في الدين.

ما كرس اقتناعه بأن صحيح البخاري “مجرد خرافات” أن البخاري ولد بعد 200 سنة من وجود النبي، ومصر فُتحت عام 14 هجرية ولم يكن هناك بخاري، وأقيم الدين في الدولة من دونه، أي أن الناس عاشوا دون الفقه والأحاديث التي ورثت عنه، فهل كان هؤلاء غير مسلمين، وهل في عدم وجود صحيح البخاري سينتهي الدين، أم تكون ممارستنا له خاطئة.

الاشتباك مع التجديد

المؤسسة الدينية تصب غضبها على ماهر بسبب دعوته صراحة إلى إغلاق الأزهر لعشر سنوات

بنى ماهر خلافه مع الأزهر وأنصاره من السلفيين وغيرهم، على أنهم من قالوا إن اختلاف الأئمة الأربعة رحمة، وهو ما دفعه دائما للتساؤل: ولماذا اختلافنا نحن جريمة تزج بنا إلى السجون؟

مشكلة المؤسسة الدينية أنها لا تزال تعتقد أن التعامل مع الباحثين في التراث بطريقة الترهيب والحبس سيجعل أفكارهم وطروحاتهم تموت. مع أنه في الواقع، صار كثيرون يؤمنون بكلامهم، خاصة إذا بني على أسس مقنعة، ويزداد الاقتناع عندما تلتزم المؤسسة الدينية الصمت عند عجزها عن المواجهة.

وبغض النظر عن تنفيذ حكم حبس ماهر، خمس سنوات، أو العفو عنه بقرار رئاسي، تظل المعضلة ليست في منع صوت باحث، بل في العقول التي تتعامل مع التراث على أنه هو الإسلام، وفي الحكومة التي تنشد تجديد الخطاب الديني وتطبق قوانين ترهب كل من يقترب من التجديد. وأمام ذلك لن تكون هناك بادرة أمل طالما أن الأزهر يتعامل مع التجديد كمشروع مؤسسة لا مشروع دولة.