أحمد سعداوي..صدمة العالم(*)

المدن – ثقافة|الجمعة18/01/2019

(*) أحتفظ بهذه الصورة منذ 15 عاماً، منذ صدمة العالم باكتشاف المقابر الجماعية التي خلفتها عمليات الإبادة للأهالي المتهمين بمناوءة نظام صدام حسين، عقب الانتفاضة الشعبية في آذار 1991.
أقول “صدمة العالم”، مقترضاً أن العالم صُدم فعلاً في ذلك الوقت، ولست متأكداً تماماً، لأن هناك الكثير مما يشغل العالم في كل وقت وحين، ولأنه من النادر أن تكون القضايا الانسانية بعيدة من الاستثمار السياسي والتسويق الإعلامي الذي يسعى إلى توظيف كل شيء في “الحرب مع الخصوم”.

سحبت الصورة على البرنتر ووضعتها على الحائط في غرفة مكتبي، وكأنها لوحة ما بعد حداثية [جرياً على رأي بودريار في تفجيرات 11 أيلول]. إنها مؤثرة وتحوي طاقة تعبيرية هائلة. ولو أن مَن اكتشف المقبرة الجماعية، وجَمع هذه الأحذية والنعال والمداسات المختلفة، وضعها كما هي على حالها في متحف، لظلت محتفظة بطاقتها التعبيرية حتى يومنا هذا.

احتفظت بالصورة كي أذكّر نفسي دائماً بالهول الذي تنتجه الفاشية والديكتاتورية، وكي أحافظ على انفعالي وغضبي تجاه كل من يحاول تجميل نظام صدام، أو يسعى إلى إيجاد المبررات، ومحاولات تلطيف الصورة. وذلك رغم أن الحاكمين ما بعد صدام، أسقطوا كل حججنا في الدفاع عنهم، أو عن النظام الذي شيّدوه. وذهبوا وداسوا آثار صدام على الأرض واحداً تلو الآخر، وقلّدوه في كل شيء، حتى “بزّوه” ونافسوه في بعض التفاصيل والقضايا، وكانوا “في بعض هذه التفاصيل” أكثر سوءاً واجراماً منه.

إلا أن الصورة هذه بقيت بمحمولها الانفعالي والتعبيري نفسه. إنها ليست صورة نافعة لدعاية انتخابية لأي حزب من الأحزاب الحالية، ولن تكون كذلك يوماً. إنها صورة من الماضي، لكنها في الوقت ذاته صورة مُرسلة الى المستقبل، كي نتذكر العاقبة الرهيبة لتركّز السلطة في يد فردٍ واحد، أو فئة وجماعة واحدة، دون الآخرين، مع موارد ريعية غير مكلفة. صورة تذكّرنا بأن الرومانسية السياسية والبطولات والمغامرات تكون خسائرها الفادحة من المواطنين الأبرياء والبسطاء، الذين قد لا يعرفون لماذا غدوا ضحايا، ولماذا تحوّلوا الى متَّهَمين.

الرحمة لضحايا الاستبداد والحرب الأميركية في العراق التي إبتدأت في هذا اليوم منذ 28 عاماً.

كل نعلٍ وفردة حذاء من هذه التي في الصورة، على رأس كل ساسة اللصوصية والإجرام والعمالة والنذالة.

مدونة كتبها الروائي العراقي#أحمد_سعداوي في صفحته الفايسبوكية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*