الرئيسية / مقالات / أجواء “الثنائي”: الأمور أكثر اطمئناناً وتمضي قدماً نحو التأليف

أجواء “الثنائي”: الأمور أكثر اطمئناناً وتمضي قدماً نحو التأليف

بدقّة متناهية، انصرفت الدوائر المعنية بالحراك الشعبي لدى “حزب الله” وحركة “أمل” الى رصد مآل التحركات المفاجئة في الشارع مساء الاثنين الماضي بعدما خرجت مجموعات في مناطق الكولا وجسر المدينة الرياضية وقصقص في بيروت، فضلاً عن الناعمة وتعلبايا، مستعيدة تجربة قطع الطرق الرئيسية عبر الاطارات المشتعلة، مضيفة اليها هذه المرة الاسلاك الشائكة، الى عرض عضلات واثارة اجواء ترهيب.

وفي الوقت عينه، انصرفت هذه الدوائر الى مراقبة طريقة تعامل وحدات الجيش المنتشرة في هاتيك المناطق مع هذه المظاهر والمجموعات المشاركة في العراضات، وسعيها (الوحدات) الحثيث والعاجل للحيلولة دون تكرار تجارب سابقة أفضت الى قطع طرق رئيسية تربط ما بين العاصمة والجنوب من جهة وما بين العاصمة والبقاع من جهة اخرى.

وبناء على عملية الرصد والمتابعة هذه وتفاصيل ما حصل، خرجت تلك الدوائر بحزمة استنتاجات يمكن البناء عليها لاحقا، أبرزها:

– ثمة قناعة قطعية مفادها ان هذه المجموعات النازلة الى الشارع تنتمي بشكل او بآخر الى بيئة “تيار المستقبل” حصراً، وإن كان “التيار الازرق” قد سارع الى نفي هذا الامر عبر بيان اصدره في هذا الشأن، متنصلاً من علاقته بهذه المجموعات وداحضاً فرضية انها خرجت على النحو العنفي الذي خرجت به إنفاذاً لتوجيهاته، فان ذلك لا يقنع اطلاقا من يعرفون طبيعة تلك المناطق والهوى السياسي لغالبية قاطنيها.

– الواضح ان الحزب التقدمي الاشتراكي قد التزم الى حد كبير تعهدات ضمنية كان اعطاها “لمن يلزم” بان عناصره أو محسوبين عليه باتوا خارج لعبة التحرك في الشارع والاستثمار فيه، والدليل العملاني على هذا الامر ان مجموعات خلدة التي سبق لها ان لعبت لعبتها على المثلث قد عزفت عن قطع الطريق واكتفت بالتجمهر على جوانب الاوتوستراد لبعض الوقت، ثم ما لبثت ان انصرفت بسلام، فيما خلت عاليه وضهور العبادية في الجبل من اية عمليات قطع طرق على غرار ما كان يحصل سابقا.

– ايضا اظهر عدم نزول مجموعات في منطقتي ضبية وجل الديب وما قبلهما وما بعدهما، ان قيادة حزب “القوات اللبنانية” قد تعلمت من اخطاء المرحلة السابقة التي كان تتويجاً لها محاولة بناء جدار في نفق نهر الكلب، وهو ما استدعى موجة رفض قاطعة من السكان والمرجعيات، وما يوحي ان سمير جعجع قرر فعلاً الخروج من لعبة الضغط في الشارع، وإنْ متأخراً، بعدما وجد ان ميزان الخسائر من هذا السلوك هو اثقل من ميزان الارباح.

– وفي المقابل، اتضح للدوائر عينها ان وحدات الجيش كانت حاسمة وحازمة هذه المرة في منع قطع الطرق، وقد تعاملت بخشونة غير معهودة مع مجموعات الناعمة عندما حاولت هذه المجموعات “تكبير رأسها “والمضي في لعبتها، مما يشكل دليلاً على ان قائد الجيش كان عند كلمته وتعهده حماية حق المتظاهرين وحقوق العابرين على السواء، الامر الذي يعزز مقولة ان هناك مرحلة جديدة لجبه قطّاع الطرق ومنعهم من بلوغ هدفهم.

– وبالاجمال، تبدَّى لهذه الدوائر ان الرئيس سعد الحريري ليس في افضل حالاته اطلاقا لجهة طرح الشروط وتعلية السقف في بازار السعي الى استيلاد الحكومة المنتظرة. لذا كان مضطراً مساء اول من امس الى ارسال رسالة لمن يعنيهم الامر، مؤدّاها انه ما برح قابضاً على جزء من لعبة الشارع وممارسة الضغط عبره، وانه استطراداً لم يعدم بعد فرصة استخدام هذه الورقة ذات التأثير العالي والموجع في آن.Volume 0% 

ولكن استناداً الى هذه الدوائر، فان رياح الامور سارت بخلاف ما كانت تشتهيه سفنه (الحريري)، لاسيما ان الثنائي الشيعي ظل متحصناً بقراره الابتدائي وهو مراقبة ما يحصل بأقصى درجات ضبط الاعصاب. وعليه ما لبث “التيار الازرق” ان سارع الى الخروج ببيان يدعو فيه الجمهور الملتزم او المناصر الى الخروج من الشارع والعودة الى دائرة الهدوء. وهذا يعني انه ربما اقتنع اكثر من اي وقت مضى بان هذا الاستثمار في الشارع لم يعد ذا جاذبية وجدوى وبات ممجوجاً من شريحة واسعة لما ينطوي عليه من ارتدادات سلبية وما يمكن ان يستدرجه من ردود فعل من شوارع اخرى.

وفي موازاة هذه الاستنتاجات، فان الدوائر المعنية عينها صارت خلال الايام الأخيرة تقيم على قناعة فحواها ان أمر سد الفراغ الحكومي الحاصل اخيرا قطع اشواطا يعتدّ بها، وقد تكونت جملة ثوابت وخطوط حمر في هذا الاطار لم يعد من السهولة بمكان التفلت من موجباتها من الآن فصاعداً، وفي مقدمها:

– ان الحديث الذي سرى بعض الوقت عن ضرورة السير في خيار حكومة التكنوقراط وما يتبعها من طلب صلاحيات تشريعية استثنائية والذهاب الى انتخابات مبكرة في غضون اشهر قليلة، قد باتت من زمن مضى، لاسيما ان التفاوض والحوار يتركزان على مسار توزيع الحقائب الوزارية.

– ان المناخ القاضي بتسمية المهندس سمير الخطيب لخلافة الحريري قد تعزز اخيرا، وان الاتجاه بات يميل الى حكومة تكنو- سياسية على ان تخلو من تمثيل الكتل والقوى لنواب منها.

وفي الضمن، يجري تداول كلام مفاده ان الحريري اذا ما قرر العودة عن عزوفه وخوض الغمار مجدداً (وهو الاحتمال الاقل رجحانا) فان شكل الحكومة ساعتئذ سيختلف تماما.

– في كل الاحوال، فان “حزب الله” وحلفاءه لا يكتمون انهم صاروا اكثر اطمئنانا الى مسار الامور والى المرحلة المقبلة، واكثر ثقة بانه تم تجاوز دائرة الاخطار، لاسيما وقد تبلَّغ من اكثر من جهة ان ثمة قناعة دولية تكونت تنصح بعدم المضي في فكرة إبعاد الحزب او اي طرف آخر من التمثل في اي حكومة مقبلة، فضلاً عن ان كل الامور تجاوزت مرحلة المفاجآت غير المحسوبة او تلك التي يمكن ان تتعدى حدود السيطرة.

ibrahim.bayram@annahar.com.lb

اضف رد