الرئيسية / أخبار الاقتصاد / أجندة سياسية وراء الشائعات المالية؟

أجندة سياسية وراء الشائعات المالية؟

روزانا بومنصف
النهار
25092018

مساء الجمعة الماضي سرت شائعات عن تقديم حاكم المصرف المركزي رياض سلامة استقالته من منصبه. أثار ذلك صدمة فورية وحركة اتصالات أدت الى نفي هذه الشائعات والسعي الى وأدها في مهدها نظرا الى تداعيات ارتسمت على وجوه سياسية واقتصادية اكفهرّت لدى وصول هذه الشائعات اليها. ومع ان سلامة نفى الموضوع برمته وكذلك فعل رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، بدأت علامات استفهام كبيرة تطرح، تتصل بالغاية من بث مثل هذه الشائعات وأهدافها ومن يقف وراءها، خصوصا ان الشائعة الاخيرة يمكن ان تعتبر جسيمة قياسا على وضع اقتصادي تثار حوله كل أسبوعين، ومنذ حزيران الماضي تساؤلات كبيرة. علامات الاستفهام الاخرى التي تفاعلت في ضوء الشائعات الاخيرة تتصل بواقع وجود اتجاهات متناقضة في البلد بين من يحذر من خطورة الوضع الاقتصادي كما يفعل الرئيس نبيه بري مثلا ووزير المال، والتطمينات التي اطلقها رئيس الجمهورية ميشال عون قبيل مغادرته الى نيويورك، من دون إهمال موقف لرئيس الجمهورية نقله البطريرك الماروني بشارة الراعي عنه، لا يوحي بالتفاؤل. والاسئلة تندرج وفق الآتي: لماذا هناك من يحذر من خطورة الوضع والمخاوف عليه؟ وهل الفريق الخائف هو أكثر حرصا على البلد من سواه من الافرقاء، أم أن هناك تبرئة مسبقة للذمة إزاء مسؤولية ما يمكن ان يحصل في المرحلة المقبلة؟ هل الفريق المطمئن الى الوضع الاقتصادي، وتاليا التشدد في مطالبه في تأليف الحكومة حتى تأتي مناسبة لما يطلب، يملك من المعطيات المطمئنة الى سلامة الوضع الاقتصادي من دون أي خشية على عرقلة طويلة لتأليف الحكومة؟ ولماذا هذه المعطيات المطمئنة يملكها فريق ولا يملكها آخر، علما أن هناك من يرسم علامات استفهام حول اتهامات متلاحقة بالسعي الى إفشال العهد، وما اذا كان تمهيدا لالقاء المسؤولية في اي تطور سلبي على الآخرين؟ هل استخدام الموضوع الاقتصادي ببعده السياسي هو من أجل الضغط لتأليف الحكومة وفق شروط معينة، ام ان هناك اجندة مخفية لأفرقاء سياسيين سواء في ابراز الموضوع الاقتصادي الى الواجهة أو في اخفائه؟ هل المسؤولون السياسيون باتوا يستخدمون الوضع الاقتصادي من ضمن الصراع المستعر بينهم، غير آبهين بما يمكن أن تؤول اليه الاوضاع في البلد، علما أنه على رغم التطمينات المتلاحقة من حاكم المصرف المركزي او من رئيس الجمهورية اخيرا فان اللبنانيين يعيشون وضعا ضاغطا ومتوترا الى حد بعيد ان لم يكن اكثر من ذلك. والحال أن للشائعات مفعولا كبيرا، إن لم يكن في انهيار الثقة اكثر فاكثر بالواقع اللبناني، فإنما في ما يخشاه كثر ان تكون تمهيدا على نحو غير مباشر لمرحلة قاتمة من خلال المؤشرات الكثيرة التي ترمى في سوق التداول السياسي والاعلامي.

هذه الشبهة باتت تطاول غالبية الطبقة السياسية ان لم يكن كلها، على خلفية ان التحذيرات المسبقة او الاتهامات للآخرين لن تعفي كل الافرقاء من مسؤولية ما ينزلق اليه البلد بسرعة. فهناك طمأنة واقعية يقدمها حاكم المصرف المركزي لاستقرار الليرة اللبنانية، وهو أمر يوافق عليه جميع الافرقاء السياسيين، لكن الغالبية تتفق على أن الوضع الاقتصادي متعب وغير مطمئن ويتجه الى الانهيار ما لم تتخذ سريعا اجراءات تمنع ذلك. ولكن مع التمييز الذي يحدثه كثر بين الوضعين الاقتصادي والمالي والنقدي، وهو أمر صحيح، فإن الاخير لن يتأخر عن الانزلاق لما يمكن ان يشده اليه انهيار الوضع الاقتصادي. ومع ان الاطمئنان قد يكون ان انهيار الاقتصادي لن يؤدي الى انهيار البلد في حين ان الخطورة تكمن في انهيار الوضع المالي والنقدي وهو احتمال ليس قائما راهنا، فان اللعب بمقدرات البلد على ما يحصل يظهر استخفافا كبيرا باللبنانيين واملاكهم وارزاقهم. ولذلك ان لم تكن هناك اجندة خفية يسعى اليها البعض، فان الملحّ على نحو كبير هو الذهاب الى حكومة فاعلة باختصاصيين وليس بأزلام للاحزاب، انطلاقا من ان تأليف الحكومة متوازنة توحي بالثقة للداخل كما للخارج يمكن ان يعد اشارة اولى ايجابية بمعنى اعطاء الوضع بعض الاوكسيجين لمرحلة قصيرة الى حد ما. اما اذا لم تكن الحكومة على مستوى التطلعات فان لا امل باي ايجابية تذكر. والخطوات اللاحقة مهمة جدا بعد الخطوة الاولى المتمثلة في تأليف الحكومة وتبدأ بموضوع الكهرباء الذي لا يمكن ان يستمر على هذا النحو. ومن ثم هناك ضرورة الاعلان عن وقف التوظيف ووضع حد له واعتماد التقشف من اجل ضبط وضع المالية العامة وضبط الانفاق وتحسين الجباية وتفعيل الرقابة الى جانب ضرورة التزام الحكومة والوزراء القوانين انطلاقا من ان ما يرد مثلا في الموازنة العامة من ارقام للكهرباء مثلا لا يمكن رفده بوعود بمبالغ اضافية لاحقا على غرار الاعتمادات الاضافية المطلوبة للكهرباء وهي اعتمادات غير متوافرة وتحتاج الى قانون. وهذا اقل ما يمكن ان يطلب من الحكومة علما انه وفي ظل الرهانات على ان مؤتمر سيدر واحد يمكن ان يساعد لبنان في المرحلة المقبلة فان هناك مخاوف يبديها اقتصاديون مطلعون من ان هناك كماً من المشاريع الضرورية ستتم الموافقة عليها في المدى المنظور وهي لوحدها كافية لان تضع البلد على المحك اكثر فاكثر لان عطاءات مؤتمر سيدر لن تبدأ قبل نهاية 2019 في حين ان الانفاق مفتوح على غاربه في لبنان. وفيما الجميع يدور في فلكهم اقتصاديون يتحدثون بهذه اللغة، فإنه لا يفهم لمَ لا يبدأ تنفيذ بعض هذه الإجراءات.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد