الرئيسية / home slide / أجراس النضجِ الجَماعي تقرع

أجراس النضجِ الجَماعي تقرع

لا أظن أن حركة البطريرك الماروني بشارة الراعي في تجديد الدعوة لحياد لبنان، وهي دعوة كل الكنيسة، ومعها دعم هائل من كل نخب المجتمع اللبناني، والكتلة الوازنة، ولو غير المُعبَّر عنها سياسيا، من النخب الشيعية، ستكون دعوة عابرة التأثير في مستقبل لبنان أي في تاريخه الآتي.

تسبح دعوة البطريرك بين أمواجٍ صعبة، بين تكوين لبنان الحيادي، وبين تاريخه الانحيازي في معظم المائة عام المنصرمة. لكن السباحة ليست مستحيلة، لأن نضج التجارب كأنه ريح جديدة تهب على المسار المتلاطم تدفع صوب شاطئ خلاص مفهومي حيادي لم يعد صعباً على اللبنانيين الاتفاق عليه.

في التاريخ الجديد في المنطقة، فإن طوائف لبنان في القرن الحادي والعشرين “ليست ” طوائف الربع الأول من القرن العشرين إذا جاز التعبير عن هذه البديهية بهذا الشكل. النخب المسيحية لم تعد كما منذ قرن عليها أن تمسك الدولة الجديدة آنذاك وسط سوء تفاهم تكويني مع بعض

داخل هذه الدولة، والنخب الشيعية والسنية العربية، استفاقت في نهايات القرن العشرين وقد اختفى الإسلام السياسي الموحّد لتحل مكانه عصبيتان متنافستان في الجيوبوليتيك واحدة تقودها دولة أمة، إيران، يقودها نظام ديني يقاتل جاهدا ضد منطق العصر وأقول ضد حقائقه، وثانية تجتمع عليها دول عربية مأزومة لا يساعد الصلف الإسرائيلي المتجاهل لحق الشعب الفلسطيني في قيام دولته المستقلة، لا يساعد على تعزيز خيار معظم النخب العربية السلمي والذي بات حقيقةً موضوعية في المنطقة.

من الطبيعي أن لا يتأخر بطاركة لبنان، وهم بطاركة الموارنة، عن الانخراط في هذا التيار، التيار السلمي، ولكن باتزان عالي المستوى يراعي أولويتهم التوحيدية اللبنانية. حياد لا تكفي كلمة “إيجابي” للتعبير عن إيجابيته وعمق انخراطه في العالم العربي. ولذلك لا أشك لحظة في أن البطريرك الماروني في “حلوله” الحالي، يمثّل سياسياً بين النخب الشيعية، ومعظمها ليبرالي في الداخل والخارج ككل النخب الأخرى، أكثر مما يمثِّل بينهم النظام الديني الإيراني. كحفيد لعائلة دينية كانت كبعض غيرها من العائلات الدينية وغير الدينية في جبل عامل “مختَبَراً” صغيرا وطبيعياً في أجيال متعددة لكل تيارات المنطقة الكبرى في المائة عام الأخيرة أشعر أن فكرة الحياد اللبناني هي حالياً تعبير عن النضج الكياني الوطني اللبناني كما لم تكن في أي وقت سابق..

النضج، النضج، النضج.

تنضج الجماعات كما ينضج الأفراد. وأفترض بعد كل هذه الرحلة الصعبة والشاقة لجماعات المنطقة في المائة عام الأخيرة، ولاسيما الشعب الفلسطيني، ان تعريف أي شعب كشعب، هو في نضج جماعاته الجماعي. لا تعبِّر عن ذلك إلا النخب. ولا يأتي النضج، كما يمكن أن يُقال بداهةً،

من السجال الإقناعي، فلطالما أعْيَيْنا بعضَنا في محاولة الإقناع، ولم يحل ذلك دون دفعنا إلى الحروب الأهلية، أي إلى ذلك الانتحار الذاتي الذي نسفحه في المنطقة الإرادية من وعينا العاجز أو المريض.

كل مشروع كبير يدخل علينا يعاملنا أسيادُه كمرضى. الوحشية الإسرائيلية في التعامل مع الشعب الفلسطيني، هي علة العلل في منعنا من التكيف مع حقائق العصر، والحقيقة الأولى الكبرى هي التفوق الحضاري الغربي على العالم، لكنها وحشية تدير دولة باتت شديدة التقدم العلمي والاقتصادي والعسكري، والعجيب أنه كلما تقدّمت، كلما تراجعت داخلها التيارات الراغبة بسلام حقيقي وعادل لصالح يمين عنصري أقل تسووية مع الفلسطينيين. إيران التي تبدو وكأنها ضد مجرى التاريخ، تَنْفُذُ إلى لبنان من خلال مشروع تعبوي لم يعد يعامله اللبنانيون، بمن فيهم النخب الشيعية، أنه يتواءم مع نظرتهم إلى المستقبل لبناء دولة متقدمة ومستقرة، تخرجنا من التخلف العميق الذي نحن فيه مع كل المنطقة.

النضج الجَماعي يقول، وأزعم أننا نسمع رنين أجراسه القوي من الثقافة الممزوجة بالتجارب والمسماة صوت التاريخ، إذا كان للتاريخ صوت، وله ذلك الصوت الذي يتفاوت بين الأقوياء والضعفاء سماعُ إيقاعه، والأدق بين المتخلفين والمتقدمين….. النضج الجماعي يقول: كفى انتحاراً بنا.

انتهى الزمن في الشرق الأوسط الذي تصبح المطالبة فيه بالاستقرار، خيانة. خيانة من لمن؟ يسأل نضجُ المائة عام. لا تقدم من دون استقرار، وارتباط المسألتين، التقدم والاستقرار، بات محسوما بالنسبة لمجتمعات أنهكتها الهجرة والحروب والحكومات الفاسدة والديكتاتورية.

دعوة البطريركية المارونية للحياد، حياد لبنان عن ميكيافيلية الاستخدامات الإقليمية لنقاط ضعفه ستعطي هذا البلد الغني ثقافيا وتعليميا ودياسبورياً فرصة خدمة الشعب الفلسطيني المقهور بطريقة فعّالة لا نظير لها تساهم سلماً في إنقاذ ما تبقّى من قضيته.

النضج الجَماعي يقول أن العالمَين العربي والمسلم يغادران حقبة الإسلام الأصولي السنية والشيعية، الحقبة التي حملت نظام قيم سياسية عنيفة وعنفية وتعنيفية وساهمت في وصول المنطقة إلى القاع المتدهور الذي هي فيه. فشلت هذه الحقبة في تحقيق سلم عادل للفلسطينيين فازدادت إسرائيل قوة وتقدما وكما قلنا سابقا وعنصرية رغم وجود أصوات مثقفين شجعان فيها يشهدون على تحولها نحو نظام تمييز عنصري. لكن المرحلة رغم الضياع العربي الظاهر هي على الأرجح في طوْر بلورة بديل سياسي وثقافي لمقاومة الانهيار. ربما لن يكون باستطاعة هذا الجيل أن يواكب ولادة البديل الكاملة لكن نزوع لبنان الحيادي هو أحد الإرهاصات الأكيدة على التحول.

j.elzein@hotmail.com

Twitter: @ j_elzein