«أتهم»… حكاية درايفوس والعدالة التي يبحث عنها بولانسكي

عبدالله الحيمر 
القدس العربي

«…. أما بالنسبة للأشخاص الذين أتهمهم، فأنا لا أعرفهم، ولم أرهم أبدًا، وليس لديّ أي ضغينة أو كراهية ضدهم. إنهم بالنسبة لي فقط الكيانات، أرواح العيب الاجتماعي. والتصرف الذي أقوم به هنا ليس سوى طريقة ثورية للإسراع في انفجار الحقيقة والعدالة. ليس لديّ سوى شغف واحد، هو النور، باسم الإنسانية التي عانت كثيراً ولها الحق في السعادة. احتجاجي الناري ليس سوى صرخة روحي، لذلك اسمحوا لي أن أجرؤ على ترجمة نفسي إلى محكمة من الحمائم ودع التحقيق يحدث في وضح النهار».
من رسالة « اتهم»: الأديب الفرنسي إميل زولا.
من تاريخ حقيقي Alfred Dreyfus. تعتبر القضية واحدة من أكبر الأخطاء القضائية في التاريخ الفرنسي (تصل حد المؤامرة). فالرسالة المفتوحة « J’accuse…!» (أتهم) هو عنوان المقال الذي كتبه إميل زولا خلال قضية درايفوس ونشر في جريدة «لورور» (13 يناير/كانون الثاني 1898). تم تقديم المقال باعتباره «رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية» (كان الرئيس آنذاك فيليكس فور). وتعد قضية Dreyfus «درايفوس» نزاعًا اجتماعيًا وسياسيًا كبيرًا في الجمهورية الثالثة في نهاية القرن التاسع عشر، حول اتهام بالخيانة العظمى ضد النقيب ألفريد درايفوس، وسيخلى سبيله بعد حصوله على دعم من جان جوريس وإميل زولا، وجان جوريس يخاطب النواب في يناير عام 1898، ويطلب منهم أن يجلبوا إلى البلد «الحقيقة كاملة وليس حقيقة مشوهة وغير كاملة». فلا عجب إذن أن الفيلم الروائي الجديد لرومان بولانسكي يستعيد اللقب في عنوانه «أتهم»، يركز الفيلم في المقام الأول على البحث عن الحقيقة للعقيد بيكوارت، بروفيسور درايفوس السابق الذي تحول إلى ملازم أول ورئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، عندما اكتشف الكولونيل جورج بيكارد، أن الفريد درايفوس أدين خطأً. ففي فرنسا بلد النقاشات الفكرية والفلسفية حول المواطنة والوطن وقيم الجمهورية، تتم فيها مناقشة كل الافكار التي تتعارض مع قيم الجمهورية، وتولي اهتمامًا كبيرًا للمناقشات التي تتعارض فيها المبادئ والأنظمة الرئيسية للقيم المتضاربة.
الفيلم يجيء بقضية درايفوس الرمزية من القرن التاسع عشر إلى القرن الواحد والعشرين، للسعي وراء الحقيقة والكرامة والعدالة في قلب نظام منحرف ومليء بالأكاذيب والتحيزات. مازال المخرج رومان بولانسكي الفرنسي البولندي، بعمر 86 يدافع عن نفسه، ضد دعوى قضائية ضد الاغتصاب في الولايات المتحدة. بموجب مذكرة توقيف دولية في عام 1977، بتهمة تخدير واغتصاب سامانثا جيمير البالغة من العمر 13 عامًا آنذاك، يعترف بالحقائق ويقضي 42 يومًا خلف القضبان. ولكن خوفًا من العقاب، فرّ في النهاية من الولايات المتحدة، ولكن بموجب شروط مذكرة التوقيف الدولية الصادرة عن قاضي في الولايات المتحدة، التي لا يزال يخضع لها، فقد قُبض عليه في سويسرا في عام 2009 ووجد نفسه رهن الإقامة الجبرية لعدة أشهر قبل إطلاق سراحه. وترفض سويسرا تسليمه، وهو ما سيحدث أيضًا في بولندا في عام 2014.
تم تعيينه رئيسًا للجنة تحكيم سيزار الفرنسية في عام 2016، في مواجهة النقد الشديد والتوتر، يتخلى عن الحضور. وكذلك لم يحضر مهرجان البندقية السينمائي في دورته الـ76 خوفًا من التسليم. في مذكراته المنشورة عام 1984، يتحدث رومان بولنسكي عن علاقة جنسية مع فتاة تبلغ من العمر 13 عامًا في الولايات المتحدة، لكنه ينفي اغتصابها.

أراد المخرج رومان بولانسكي حصارهم بفيلم سينمائي، «أتهم» باعتباره «رسالة مفتوحة إلى الجمهور الفرنسي والعالمي، وهو للطعن في هذا الاضطهاد باسم القيم العالمية

عيوب العدالة

تعامل رومان بولانسكي مع قضية درايفوس. كقضية إنسانية اقتربت من روح الظلم الذي لحق به تاريخيا. واهتم بالصدى الذي يمكن أن تتركه هذه القصة الإنسانية من صدى بين العدالة والسينما في تقريب وجهات النظر والانتصار للحق والعدل والغفران. بدأ الانكباب على هذه القصة منذ سنة 2012، مع التركيز على عدم رغبة وسائل الإعلام، مثل الجيش في ذلك الوقت، أي مؤسسة حكومية أخرى، في الاعتراف بالخطأ. يقول بولنسكي : «كنت أرغب دائمًا في إنتاج فيلم عن هذه القضية (في عام 1894، تم اتهام ضابط فرنسي/ يهودي، الكابتن ألفريد درايفوس، خطأً بتهمة الخيانة والتجسس نيابة عن ألمانيا ) كقصة تجسس، حتى نتمكن من إظهار صدى الموضوع في ما يتعلق بما يجري في العالم اليوم. الحرب والاضطهاد ضد الأقليات، جنون العظمة الأمني​​، والمحاكم العسكرية السرية، ووكالات الاستخبارات، التي لا يمكن السيطرة عليها، والتغطية الحكومية لسحق الشركات والصحافة المستعرة». مضيفا: «القصص الكبيرة عادة ما تصنع أفلامًا رائعة، كما أن قصة درايفوس قصة استثنائية». ووفقا له، فإن مثل هذه الحالة لا تزال تحدث اليوم: «إن قصة رجل متهم بالخطأ هي دائما رائعة، لكنها أيضا موضوع حالي، وأضاف «كل العناصر متجمعة من أجل هذا، اتهامات كاذبة وإجراءات قضائية سيئة وقضاة فاسدون وشبكات اجتماعية تدين قبل الحكم». تعرض للاضطهاد منذ مقتل شارون تيت زوجته السابقة، ولحملات نسوية جديدة تطارده في جميع أنحاء العالم، وتحاول منع عرض أفلامه، وتجعله مستثنى من التتويج والتكريم في أكاديميات السينما ومن ترؤس لجان التحكيم السينمائية العالمية.
ما جعل الممثلة كاترين دونوف تتدخل على الخط وتدلو بدلوها في هذه الأزمة قائلة: «أعتقد أن أكثر من 40 سنة مرت. وأعتقد أنه حتى أعظم المجرمين، عندما يكونون قد عانوا من آلامهم، بعد 40 عامًا، لديهم الحق في أن يعيشوا من جديد، وأن يحاولوا إعادة تكوين الحياة لأنفسهم». مضيفة إنها أعتقد أن المخرج يجب أن يكون لديه «الحق في أن ينسى» لأنه بالفعل دفع الكثير». وفي مقابلة مع وكالة فرانس برس قالت مرة أخرى، في غضبها من انتقاد النسويات، أي حملة حركة MeToo، ضد رومان بولنسكي في قضية اغتصاب فتاة في الثالثة عشرة من عمرها عام 1977، «أجدها عنيفة بشكل لا يصدق، وأجدها مفرطة للغاية، ويجب ان تتوقف». وتعتقد كاترين دينوف أن رومان بولنسكي «لا يزال يدفع الثمن غاليًا طوال حياته كرجل ومخرج سينمائي، كان مظللاً بذلك، وكان الأمر ثقيلًا وصعبًا للغاية».

الحق بالنسيان

يقول إميل زولا في ختام رسالته: «ليس لديّ سوى شغف واحد، هو النور، باسم الإنسانية التي عانت كثيراً ولها الحق في السعادة. احتجاجي الناري ليس سوى صرخة روحي. لذلك إسمحوا لي أن أجرؤ على ترجمة نفسي إلى محكمة من الحمائم ودع التحقيق يحدث في وضح النهار».
أراد المخرج رومان بولانسكي حصارهم بفيلم سينمائي، «أتهم» باعتباره «رسالة مفتوحة إلى الجمهور الفرنسي والعالمي، وهو للطعن في هذا الاضطهاد باسم القيم العالمية، يقرر ويعترف قائلا: «في ما يتعلق بما فعلته، انتهى، اعترفت بالذنب، ذهبت إلى السجن، عدت إلى الولايات المتحدة لتنفيذ عقوبتي، نسي الناس ذلك، أو لم يفعلوا لا أعرف، لذا فقدت ما يقرب من أربعة أو خمسة أضعاف ما كان يجب عليّ فعله». هذا الفيلم هو بمثابة رمز لقوة الفنون، خصوصا السينما، في خدمة قضيته العادلة، وحجة في وجه عيوب العدالة والإصرار على عدم رغبة وسائل الإعلام، مثل الجيش في ذلك الوقت، أو أي مؤسسة حكومية أخرى، في الاعتراف بالخطأ. وكما بدا فيلم «أتهم» بلقطة تجريد درايفوس من زيه العسكري وكسر سيفه ثم نقله بالسيارة مقيداً، بعدما صاح بصوت جلي بأنه بريء من التهمة التي ألصقت به. وكما يثبت الكولونيل جورج بيكارد (لعب الدور الممثل جان دوجوردان)، طيلة الفيلم بالأدلة الرد على تلك الشكوك. وتبرئة درايفوس من التهم الموجهة إليه. تنجح نبوءة المخرج بولان بولنسكي، في إيصال المقارنة بين نفسه وبطل فيلم «أتهم». ويذهب رومان بولنسكي إلى أبعد من ذلك ويعتبر عمله بمثابة منقذ للاضطهاد قائلا: «صنع فيلم كهذا يساعدني كثيرًا، عملي ليس علاجًا. يجب أن أعترف بأنني أعرف الكثير من الأعمال الداخلية لجهاز الاضطهاد المقدم في الفيلم، وأن هذا قد ألهمني بوضوح». وها هو مهرجان فينسيا السينمائي الإيطالي في دورته 76، يكرم الفيلم الذي أثار نقاشا أخلاقيا وفنيا بالأسد الفضي.

٭ ناقد مغربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*