أبو سليمان لـ”النهار”: الحرب سياسية… ولن أتراجع!

يتراءى لمن يتحدث إلى وزير العمل كميل أبو سليمان أنه Daydreamer، وبقوّة، أو أنه كما يقال على “اللبناني”، “قابضها جدّ!”. فهو يعبّر عما يخالجه بعفوية تامة، وحين يتعثر – قليلا – في التوصيف، وتخونه اللغة العربية، يلجأ إلى استخدام مصطلحات أكاديمية بحتة، وينفعل: “ما بدي اشتغل سياسة”. وكل هذا يدفع محاوريه إلى التساؤل، وبتأسف: “شو جابك على وزارة العمل؟”. وأولئك المتشائمون إلى حدّ القنوط من أوضاع البلاد الميؤوس منها، قد يذهبون أبعد في رسم علامات الاستفهام: “شو رجّعك على لبنان؟”. المهم أن معاليه “مبسوط”… وجديّ في عمله. فهو يقول لـ”النهار”، وبكل ثقة، إنه “شخص يقوم بواجباته لمجرد تطبيق القوانين”، مؤكدا “أنني لن أبدّل قناعاتي ولا أريد شيئاً، واذا كانوا لا يريدونني فليخرجوني”. إصرار الوزير على المضي في خطته التنظيمية، نابع من اصرار على “المحاربة بالقانون ولا أطلب دعم أحد، فقد دخلت الوزارة من منطلق علمي غير سياسي”.

يتبين أن أكثر ما يثير الاستغراب في القضية، هو ادعاء الملكية أكثر من الملك، ومحاولة أطراف سياسيين ارتداء العباءة الفلسطينية وتعرية المخيمات بتظاهرات لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ويشدّد ابو سليمان على أن “لا ردود فعل فلسطينية شاجبة، والحرب التي تمارس سياسية”، مضيفا: “لا أعلم ما الذي أخاف الفلسطينيين، فلا معطيات رسميّة أو علميّة في القضيّة”.

الإثبات الذي يقدّمه ابو سليمان، واضح وصريح. فالخطّة التي أعادت سريان الدّماء النّظيفة في عروق الوزارة، نشّطت الكادر الوظيفي. وهو يقول إن “كبار موظفي الوزارة ومفتشيها الذين يزيد عددهم عن ثلاثين، عبّروا عن حماسة في السير على الطريق الصحيح، اذ استطاعت الوزارة تسطير 850 مخالفة خلال عشرة أيام”. وما يؤكد أن القضية المثارة خارجة عن الإطار الفلسطيني، وفق وزير العمل، هو أنه “تمّ تسطير مخالفتين فلسطينيتين فقط، وقد عمل أحد المخالفين على تسوية وضعه”. ويؤكّد أن “أحدا لم يتحدّث اليّ عن مطالب فلسطينيّة، بل السّجال يدور حول المستندات المطلوبة بغية الاستحصال على اجازة عمل”.

يصف ابو سليمان اجتماعه أول من أمس بالرئيس سعد الحريري بالإيجابي، و”شرحت الأسباب التي تجعل اجازة العمل مفروضة قانوناً. من جهته، استمع الحريري الى الطروحات وتناقشنا في المستندات المطلوبة للحصول على الاجازة، فالتساهل يتم ضمن سقف القانون”. المطالبة بتأجيل سريان القانون ستة اشهر، وهو مطلب أثاره أحد المفاوضين كحل للقضية قبل ايام، لا يلقى قبولا لدى وزير العمل. فـ”القانون لا يتجزّأ ولا يسمح لي باستثناء قسم من العمال، ولا يمكن المفتّش متابعة عمله، والتغاضي عن العامل الفلسطيني”. ويجزم: “لن أخضع للتهديدات، بل سأبحث عن حلّ واقدم كامل التسهيلات ضمن اطار القانون”.

ثمار الخطة بدأ أبو سليمان يقطفها، فكيف يرميها أرضا؟ يقول: “لمست دعماً قوياً من الشعب اللبناني المتعطش لتطبيق القانون فعلا، وأدركت أن ثمة وعياً لدى اللبنانيين لضرورة تشغيل اليد العاملة اللبنانية”، مؤكدا ان “الخطة تعطي ثماراً جيّدة على صعيد تشغيل اليد العاملة اللبنانية”. ويلفت الى انه يتعاطى بـ”انسانية مع ملف العمالة السورية متفهماً المشاكل، وقد توافد أكثر من مئة عامل سوري لطلب اجازة عمل من الوزارة “. وعن امكان تقديم استقالته من الحكومة اذا ما استشرست الحملة لكبح مساعيه، يجيب بأن “المركز الذي أشغره ليس مكتوباً باسمي، فأنا أمثل حزباً نال المنصب نتيجة فوزه في الانتخابات النيابية الأخيرة. أنا مؤتمن على منصبي من هذا الحزب ولا أتصرف كما أريد”.

لا يبدو أن طريق وزير العمل معبّدة بالورود، رغم الأحلام الوردية التي تخالجه. فالمعارضة التي تلاحق خطته، شعبية كانت أم سياسية، شرسة. وتصوّر أوساط معنيّة بوجهة النّظر الفلسطينية القضية على أنها قضية حياة أو موت بالنسبة الى بعض اللاجئين، وهم يشعرون أنهم مرميون و”بيعملو يللي ما بينعمل” بغية تأمين الغذاء لعائلاتهم، وغضبهم غير مدفوع رغم أن بعض القوى السياسية تحاول الافادة منه. وقد تظاهر في الأسبوع المنصرم 15 ألف شخص في مخيم عين الحلوة. وتنقل الأوساط المطلعة على فحوى اجتماع الحريري – ابو سليمان، معلومات مفادها أن رئيس الحكومة طلب من الوزير إنهاء الموضوع وضرورة الإسراع في بتّ القضية، نتيجة الأوضاع المحتدمة داخل المخيمات.

ويفترض أن يخرج الحلّ من جعبة الحريري، في رأي الاوساط، مؤكدةً أنه يكمن في تجميد الاجراءات وإعطاء فترة سماح لستة أشهر، وإعداد مراسيم تنظيمية للقانون تتيح للعامل الفلسطيني الحصول على إجازة العمل بأقل شروط ممكنة. وترى أن عقد العمل المطلوب شبه مستحيل، فالوزير مصر على إضافة بند يتوجب خلاله على العامل الفلسطيني الحصول على العقد من رب العمل كشرط للحصول على الإجازة. وتعتبر ان وضع العامل الفلسطيني يختلف عن العمال الأجانب، فهو لجأ قسرا إلى لبنان نتيجة التهجير الاسرائيلي ولم يأتِ ليعمل. واذا كان العامل الأجنبي يضطر الى المغادرة عند انتهاء العقد، فاللاجئ الفلسطيني سيبقى في البلاد، ولو بصورة طويلة وموقتة. واذا كان الأمن العام يُجبر العامل الأجنبي على حيازة عقد عمل للاقامة، فالفلسطيني يحظى بإقامة باعتباره لاجئا. وتذكّر الاوساط بأن معظم ارباب الاعمال الصغيرة، لا يوقّعون عقود عمل وثمّة سوق سوداء في أوروبا أيضاً.

أمام هذا الواقع يبدو وزير العمل صامداً ولن يتراجع، متسلحاً بعبارة: “أنا شخص يقوم بواجباته لمجرّد تطبيق القوانين”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*