الرئيسية / مقالات / أبو العبد في مكتب غادة عون

أبو العبد في مكتب غادة عون

آخِرُ صيحات لبنان مصادرةُ “روبِ” القاضي والضربُ بمطرقته. يَكفي أن يستشيطَ النائبُ غضباً في لبنان ليتحوّلَ إلى نائبٍ عام تمييزي أو رئيس ديوان محاسبة. مع قليل من الصلاحيات الإضافية يتحول إلى رئيس غرفة. ربّما أيضاً إلى محكمة عرفية متكاملة. زعاماتٌ التهَمَت كلَّ شيء. أكلتِ الفِراخَ بِعَظمِها على مائدة الدولة. تاجرَت بكلّ أنواع اللحوم الطازجة والمقدّدة. عَصرَتها ومصَّتْ دَمَها. الأمير دراكولا تلميذٌ متدرّجٌ في مدرسة هؤلاء. زعاماتٌ وضَّبت الله في عبوات طائفيّة وباعته بالمفرَّق. ألّهَتْ نفسها وجلسَت عن يمينِ الآب. تناسلت بالمحاسيب فأنجبت عبيداً. مارست على رعاياها المطيعة فنونَ الخَنق من العنق. أبعدتهم واستعبدتهم. حتى الأمس القريب كانت تشتهي كلَّ شَيْءٍ تقريباً إلا أنها كانت تتهيّبُ المحاكم. يومَها كان التعرّضُ للقاضي يوازي هتكَ الأعراض وبمثابة خطيئة أصليَّة لا يُبرِئها جرنُ معمودية ولو بشفاعة يوحنا المعمدان. حتى الرشوة لسنواتٍ خَلَت كانت سَكوتةً وممزوجة بِشَيْءٍ من السِّترة وتأنيبِ الضمير. اليوم يُنبِئنا “دالوزٌ” مَنحولٌ باجتهادٍ جديد يتيحُ محاكمةَ القُضاة على السوشيل ميديا.

شهدنا منذ أيام على دخولِ وريثٍ غير مألوف لِلورَنس العرب إلى مكتب قاضية. دخولٌ أشبَهُ بفتوحات صلاح الدين الأيوبي. المشهد “ثوري” خصوصاً لأنه وُثِّقَ بالهواتف الجوالة بأسلوب أهل “الثورة” وبحضور بعض رموزها. يدأبُ هؤلاء القادة الجدد من الذين خرجوا لتوّهم من عمر المراهقة إلى سنّ البلوغ على اعتماد الهواتف نفسِها لتوثيق بطولاتِهم خصوصاً أمام فروع المصارف في لبنان. شيءٌ من الإغتصاب تشعرُ به عندما يحوّلُكَ هذا الجهاز من كائِن حَيّ إلى كائن ذبذبات هاتفيّة. الجوَّالُ المزوّدُ بهذه القوة أشبَهُ بمسدّس بَكَر “سْمِسّْ أند ويسُن”. إستعماله على هذا النحو يُعتَبَرُ تهديداً بالقتل العَمد. في بعض الحالات عن سابق تصوّر وتصميم. تشعرُ حينَ تصبِحُ مستَهدفاً بكاميرا ذكية “ميغا بيكسِل” من هذا النوع أنّك مكشوف تماماً. تُصبِح كَمَن يُفتَحُ عليه باب الحمّام فجأةً وهوَ لم يَضَع بعد البرنصَ عليه.

مع اقتحام نيابي بهذه القوة الضارِبة لا نفكِّرُ في الإفراطِ في استعمال الحصانة البرلمانية فَحَسب. نفكِّرُ بتَبِعات تسطيحِ العدالةِ وإذلالِ القاضي. بعد الذي حدث، يمكنُ توقُّع سَحب أي قاضٍ من شَعرِه وطردِهِ مِن على يمينِ القوس. صارَ القاضي بعد حادثة القاضية عون من عامّة النَّاس. يمكن بعد هذه الواقِعة إعتراضُ أي قاضٍ وهو في طريقِ عودته إلى بيته وإذلالِه وربّما قتله بسبب دعوى إيجار أو إزالة شيوع. الدخول إلى مكتب قاضٍ خلال إصداره الأحكام أو خلال المذاكَرة هو بمثابة سطو مع كسر وخلع. مطالبتُه بالعودة عن أحكامه أمام عدسات الكاميرا أمرٌ لم يحدث في أي دولة في العالم حتى على أيام المافيا الإيطالية. فقط عندنا نتعرّف الى الظاهرة في مسقط رأسها وفِي وطنها الأُم. نُدرَتُها نُدرَة خسوف الشمس. أسلوبٌ يمهّدُ لهدر دم القاضي. يحوّله إلى كبش فداء وسط صليل سيوف المتقاتلين من أَهْلِ السياسة. مَن يقنِعُ بعدَ اليوم أبا عبد البيروتي أنه لا يتمتع أسوة بالنائب حبيش بحقِّ التحوُّل في أي وقت إلى قاضي أمور مستعجلة؟ إلى قاضي أحداث أو إلى رئيس محكمة “الرُّوتا”؟ أبو العبد سيدخلُ قريباً إلى مكتب أي نائب عام إستئنافي أو تمييزي مُطالباً بإبطال وصيّة أو بحقِّ شِفعَةٍ أو بالعودة إلى قانون حمورابي مزوّداً بهاتف جوّال أو كاتم صوت لا فرق. هادي حبيش ربّما له دوافعه وقد تَكُونُ نبيلة. صدقاً لا ندري. لكن هادي حبيش بالتأكيد فتحَ بابَ اغتيالٍ معنويٍّ ذكّرنا باغتيالٍ جسديٍ للقضاةِ الأربعة على قوسِ محكمةِ الجنايات في صيدا عام 1999.

“فَتحُ” مكتب القاضية عون مناسبة لمزاولة حلم. حلمُ استقلال السلطة القضائية عن التنمّر الذي يمارسه السياسيونَ على هؤلاء الرُّسُل الذين ينطقون باسم الشعب اللبناني. القضاء بِحاجةٍ إلى “حراك” أُسوَةً بما يحدث في شوارِعِنا. إنتفاضةُ سيادة يصير ممكناً بموجبها أن يدخل القاضي إلى مكاتب النوّاب والوزراء والرؤساء لا العكس. روبُ القاضي آخِر وِشاحٍ للحريّة. إذا تمزّقَ بَرَد الوطن.

اضف رد