الرئيسية / home slide / أبنية بيروت التراثية هي في الواقع.. حديثة

أبنية بيروت التراثية هي في الواقع.. حديثة

محمود الزيباوي|الثلاثاء18/08/2020
Almodon.com

فرن الحايك

أعلنت “منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة” أن 640 من الأبنية التراثية تضررت جراء الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت يوم 4 أغسطس/آب الحالي، وأن ستّين منها معرضة للانهيار. وأكّدت منظمة اليونيسكو أنها ستقود التحرك الدولي لإعادة إعمار تراث العاصمة اللبنانية، وأنها ستستعين بمنظمات ثقافية وخبراء من الطراز الأول في لبنان والخارج لتحقيق هذا الهدف. توصف هذه الأبنية تارة بالـ”تراثية”، وطوراً بأنها “ذات طابع تراثي”، وتتميز بأسلوب هندسي يجمع بين أساليب عديدة في قالب خاص. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: إلى أي حقبة تعود هذه المباني، وكيف تشكّل طابعها الهندسي الذي بات يُعرف بـ”التراثي”؟ ألحق الانفجار الذي عصف بميناء بيروت أضراراً فادحة في القصر الشهير باسم قصر اللايدي كوكرن، كما أصاب الفيلا التي تجاورها، والمتحف الذي يقع في مواجهتها، وترتبط هذه الأبنية باسم عائلة سرسق، وتعرف المنطقة التي تحتضها باسم حي السراسقة. وهي من أقدم الأبنية “التراثية” التي حافظت على طابعها، إلى ان عصف انفجار المرفأ بها.

قصر سرسق

شيّد المدعو موسى سرسق، القصر الذي يحمل اليوم اسم اللايدي كوكرن في العام 1860، وهذه الليدي هي إيفون سرسق التي تزوجت من لود إيرلندي من آل كوكرن، وقد ورثت هذا القصر عن والدها ألفرد، ويستثمره أصحابه الحاليون منذ سنوات لإقامة الحفلات والأعراس في حديقته الواسعة. وتعود الفيلا التي تجاور هذا القصر إلى إبراهيم وليندا سرسق، ويعود تاريخ بنائها إلى العام 1880، وقد ورثتها كريماتهما، وتُستثمر كذلك لإقامة الحفلات من قبل رجل الأعمال بشارة نمور. أما المتحف المجاور فيحمل اسم نقولا سرسق الذي شيّده كدار له في العام 1910، ووهبه قبل وفاته إلى بلدية مدينة بيروت، على أن يتحوّل متحفاً للفنون الحديثة والمعاصرة بحسب وصيّته. إلى جانب هذه الأبنية، نقع في هذه المنطقة على قصر لآل بسترس بات مقرا لوزارة الخارجية ويُعرف بدرجه وأعمدته الرخامية، وقد شيّد كذلك في عام 1880. كما نقع على قصر لآل عودة يعود تاريخ بنائه إلى مطلع القرن العشرين. 

متحف سرسق

في الخلاصة، شيّدت هذه الأبنية بين 1860 و1910، أي في الحقبة العثمانية الأخيرة التي سبقت إعلان ولادة لبنان الكبير في ظل الانتداب الفرنسي. في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر، شهدت بيروت صراعاً دامياً بين حاكمها الأمير يوسف الشهابي، وبين الأغا أحمد باشا الملقب بالجزار، وانتهى هذا الصراع بانتصار الجزار الذي سحق الشهابيين ومنعهم من الإقامة في بيروت، كما منع أهل جبل لبنان من السكن فيها، وبنى سوراً يحيط بها من كافة أطرافها، ومنع الناس من السكن خارجه. وبقي هذا المنع سارياً حتى العام 1832 حينما اقتحم المدينة إبراهيم باشا المصري، ابن محمد على باشا، وهدم السور، وعمل على بناء المساكن في الضواحي التي أصبحت فيما بعد جزءاً منها. دام الحكم المصري حتى 1841، إذ استعاد العثمانيون السيطرة على بلاد الشام، واستمرّ ازدهار بيروت في ظل هذا الحكم، فازدادت عمراناً مع انتقال تجارة الإفرنج إليها، وتضاعف عدد سكانها حين لجأ الكثير من المسيحيين إليها هربا من المذابح التي تعرضوا لها في جبل لبنان ودمشق خلال أحداث 1860. تحول جبل لبنان إلى متصرفيّة ممتازة تدار محليًّا في العام 1864، وألحقت مدينة بيروت بلواء صيدا المؤلّف من هاتين المدينتين ومعهما صور وبلاد بشارة، أي جبل عامل.

من شارع سرسق

عاشت بيروت تحولاً كبيراً في عهد عبد الحميد الثاني الذي بويع بالخلافة في العام 1876، وتولّى العرش في ظروف دولية معقدة للغاية ترافقت مع اضطرابات عديدة في أجزاء كبيرة من دولته المترامية الأطراف. سعى الخليفة إلى تحديث الدولة، فأضفى على حركة التغريب صفة الرسمية، وعُرف عهده بعهد التنظيمات، وهو العهد الذي يعني بتنظيم شؤون الدولة وفق المنهج الغربي. عمدت السلطة العثمانية إلى اتباع تقسيم جديد لبلاد الشام في سنة 1888، ففصلت بيروت عن ولاية سوريا وجعلت منها عاصمة للولاية حملت اسمها، ضمّت ألوية عكا والبلقاء وطرابلس الشام واللاذقيّة، وأُسند الحكم فيها إلى علي باشا، وعاشت بيروت في ظل هذا الحكم عصراً ذهبياً رغم التقلبات السياسية التي عصفت بها، وعرفت حركة عمران واسعة أدت إلى رسم أهم أقسامها. 

حدثت هذه الحركة في زمن تصدّع السلطنة أمام صعود حزب “الاتحاد والترقي” الذي عارض حكم عبد الحميد الثاني وسعى جاهداً إلى عزله والتخلص منه. في العام 1909، تنازل السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش لأخيه محمد رشاد، ونُفي إلى سالونيك حيث عاش بقية عمره.

أدار عزمي بك شؤون ولاية بيروت بين 1915 و1917، وعرفت العاصمة خلال هاتين السنتين حركة عمران مهمة أدت إلى رسم أهم أقسامها، ومنها ساحة البرج وباب إدريس. مع نهاية الحرب العالمية الأولى، خرج العثمانيون من بيروت، ودخلت المنطقة في صراع جديد مع قوى الحلفاء التي سارعت إلى تقاسم التركة العثمانية. استقر الأمر لفرنسا في “سوريا الكبرى” وجبل لبنان، إثر انتداب فرنسا من قِبل عصبة الأمم لتولّي شؤون سوريا وجبل لبنان. أعلن الجنرال غورو قيام “لبنان الكبير” أمام كبار أعيان البلاد في قصر الصنوبر في أيلول/سبتمبر 1920، وأُعلنت بيروت عاصمة لهذه الدولة التي تحولت إلى جمهورية بعد ست سنوات. 

شهدت بيروت في ظل الانتداب الفرنسي حركة عمرانية كبيرة شكلت امتداداً كبيراً للحركة التي عرفتها في العقود التي سبقت هذا العهد. ويشكّل كتاب “بيروت، هندسات معمارية” الذي صدر منذ بضع سنوات، خير مدخل للتعرّف على هذا التحول، وهو من تأليف روبير صليبا، وقد صدر بالإنكليزية، ثم ترجم إلى الفرنسية، ويحوي خزانة من الخرائط والصور المدعومة بشروح مفصلة تستكشف تطور الحركة العمرانية في بيروت التي غدت بفعل هذا التطوّر “بوابة الشرق”. بحسب هذا البحث الأكاديمي الرصين، عرفت بيروت في نهاية القرن التاسع عشر حركة تحديث بشكل غير مباشر من طريق إسطنبول، وتواصلت هذه الحركة بشكل مباشر عن طريق باريس في زمن الانتداب. 

حصل التحول المعماري الكبير في مرحلتين، في نهاية الحقبة العثمانية الطويلة، اتسعت رقعة المدينة وتخطت الحدود التي عُرفت بها في القرون الوسطى. عمرت العاصمة، وارتفعت فيها مبان جديدة ذات طابع حديث. تطورت هذه الحركة في العهد الفرنسي حيث شُيّدت مبان سكنية ذات طبقات متعددة، وجاء هذا التحول نتيجة للنمو السكاني الكبير الذي شهدته بيروت في مرحلة تلاحقت فيها الأحداث السياسية بشكل متسارع. يتجلّى هذا التحول في مجموعة من واجهات ثلاثين مبنى من مباني بيروت، منها ثلاثة من منطقة الباشورة، وثلاثة من منطقة السراي، وعشرة من منطقة راس النبع والبسطة، وستة من منطقة الظريف، وخمسة من عين المريسة.

خلال عقدين من الزمن، ازدهرت العمارة في أحياء عين المريسة، الصنايع، القنطاري، زقاق البلاط، الباشورة، فرن الحايك، الجميزة، راس بيروت، البسطة، والأشرفية. جرى تحديث الوسط عبر شق طرقات وساحات جديدة، منها شارع فوش وشارع اللنبي، وساحة الدباس، وساحة النجمة. وشملت حركة البناء مرافق عديدة، منها مطار بير حسن، ثم دور السينما الأربع في الوسط، والبرلمان والمتحف الوطني.

كيف تكوّن الطراز الذي يُعرف اليوم بـ”الطابع التراثي”؟ يعود روبير صليبا إلى المرحلة التي قامت بها هذه الحركة المعمارية، ويستعيد كل ما وجده من كتيبات البناء الأجنبية والمحلية التي طُبعت في ذلك الزمن. ثم يعمد إلى تحليل علمي ثاقب للنماذج البناء، وهي نماذج متعددة يُصعب على غير المتخصص تصنيفها. يشمل هذا التصنيف أدق تفاصيل الواجهات والشرفات، بما تحمله من مكونات تخص الأعمدة والتيجان ولحنيات والعقود. يشير روبير صليبا هنا إلى “فقر” بيروت المعماري في القرون الوسطى “مقارنة مع دمشق أو القاهرة اسطنبول، أو حتى طرابلس وصيدا”، ويرى أن الأبنية “التراثية” في العاصمة اللبنانية ما هي إلا أبنية “حديثة” راجت في ذلك العصر، ومن هنا جاء العنوان الفرعي لكتابه: “في جذور الحداثة”. 

انتشرت هذه الأبنية “الحديثة” في مناطق “المسلمين” كما في مناطق “المسيحيين”، مما يشهد على “ذائقة مشتركة” انعكست على حركة البناء هنا وهناك. تبنّت هذه الأبنية أنماطاً عديدة شاعت في الغرب كما في الشرق، واعتمدت هذه الأنماط في أحيان كثيرة على المزج بين أساليب مختلفة. افتتن الشرق بالغرب واعتمد قوالبه وحلله. في المقابل، شهد الغرب حركة “استشراق عمرانية” تمثلت في ابتكار حلل شرقية في ظاهرها فحسب. وتداخلت الأساليب حتى بات التفريق بينها مستحيلاً. 

في الخلاصة، يستشهد روبير صليبا بقول المهندس المعماري الشهير بول سيديل: “أي أسلوب هذا؟ أهو بيزنطي؟ عربي؟ يوناني؟ فلورنتي؟ لا هو هذا، ولا ذاك، ورغم ذلك كله، هذا حديث”. تنتمي أبنية بيروت “التراثية” إلى هذه الحداثة، وهي كما يلاحظ الباحث من نتاج مهندسين محليين، جلّهم من أصول ريفية، وليس لهم إي إلمام بإرث بيروت الذي يعود إلى القرون الوسطى. تعكس هذه الأبنية التي شيدها هؤلاء المهندسين الصورة التي أرادوها لبيروت، وهي صورة “مدينة مستعمرة متوسطية” تمزج بين الشرق والغرب. وهذه الصورة هي بتعبير الباحث صورة “ملبننة” لبيروت، “بوابة الشرق”.