أبناء العميد

“أنا واقعي، تزعجني الحقائق”

جول رينار

كان احياء حزب الكتلة الوطنية حدثاً اجتماعياً. لا سياسياً. مجموعة من النُخب، ذوي النيات الطيبة والسمعة الحسنة، يحاولون تذكير اللبنانيين ببلد لم يعد في الوجود إلا على سبيل الحنين وأغاني شارل أزنافور،
Hier encore>
. لبنان الكتلة الوطنية، انتهى عندما لم يعد على أرضه مكان لريمون اده. ذلك النقي، العصبي، الذي كان موهوماً بأحلام افلاطون. فلما ايقن الى اي درجة هو حالم، نفى نفسه الى الخارج تاركاً خلفه وطناً مكفّناً بسرابه، الحقيقة الوحيدة فيه، الخراب والفوضى وموانىء الهجرة.

لم تكن الكتلة الوطنية حزباً بالمعنى المتواطأ عليه في “هذا البلد” كما كان يسميه رشيد كرامي، في حسرة وسخرية. كانت عبارة عن ريمون اده، ومعه ناديه من الشجعان القابلين بشريعة النزاهة واحترام الذات. ومع رجل مثله، يتكهرب من أصغر المخالفات، ويرفض أعلى الاغراءات، صار الحزب اشبه بتلك الطبقة التي عرفتها فرنسا قبيل الثورة. ليس النبلاء بل “الأعيان” أي المميزون بنجاحهم الذاتي، لا بما نزل إليهم مع الإرث، أو بما أغدق عليهم في الأنساب والاستنساب.

وما كان حزباً شعبياً أيضاً. فمن في بلد مثل لبنان يريد حزباً لا يسمع إلا أن رئيسه مستقيل من الوزارات، معارض للحكومات، ملعلع في وجه السلطة والنفوذ، رافض رئاسة الجمهورية، رافض رضا القوى التي تؤمِّن الوصول إليها، معترض على أميركا، معارض سوريا، مهاجم الاتحاد السوفياتي، غير مهادن للعسكر، متخانق مع الاحزاب المسيحية، هلم جراً… هلم جراً.

من يرضيك إذاً، يا عميد؟ “ولسوف يعطيك ربك فترضى”. هنا، على هذا الكوكب، لم يكن يريد شيئاً من أحد. لا المال ولا السلطة. وكان يقول إنه لم يتزوج لئلا يهدده احد، أو يغريه احد بأولاده.

لا نريد أن ننكر على الكتلويين الجدد حق المحاولة. جميعهم “أعيان”. أوادم وناجحون وسمعة حسنة. ورجال مثل روبير فاضل يعطون الحزب أكثر مما يأخذون منه. وما من أحد جاء الى الحزب ليأخذ. لا يحتمل الإرث الكتلوي العادات السيئة والشهوات الفاقعة.

ولكن هل يصمدون؟ هناك تجربتان، في اقدار لبنان: تجربة فؤاد شهاب في الحكم، وتجربة ريمون اده في المعارضة: النزاهة الشخصية المطلقة الى درجة قريبة من القداسة. كلاهما من المدرسة الفرنسية، في الانضباط وفي القانون. الأول، كان يملك القوة المطلقة، لكنه رفض التجديد. والثاني كان يملك المواصفات التامة، لكنه رفض المساومة، مفضلاً على القصر شقة من 80 متراً في فندق من أربعة نجوم، أو تكاد.

تحولت الشهابية والكتلة، الى مجرد مقياس تقيس به السياسة كما كان الجاحظ يقيس الأدب والبيان: اللاعنف، واللا سلاح، واللا سباق برلماني، واللا علاقة خارجية، واللا سلطة، واللا نفوذ. ومع ذلك تبرز صورتا المؤسسين كمرجعيتين في محاولة بناء الدولة المتداعية. كلاهما أبى ان يرتبط اسمه بلطخة تاريخية، أياً كان حجمها. بل حتى لو انها لا ترى. لا بصفقة. لا بإشاعة. ولا حتى بمظنة في بلد الاشاعات والظنون.

ليست هناك منطقة رمادية في النصاعة الوطنية: إما ابيض وإما مبقّع. مات فؤاد شهاب لا يملك سوى راتبه التقاعدي. وكان عبد العزيز شهاب من اكثر المؤهلين للرئاسة، لكنه استُبعد وأُبعد، بسبب اسم العائلة. الشبهة لا تجوز حتى في شبه الاسماء. لا منطقة رمادية عندما تكون الكرامة الوطنية، وقبلها الكرامة الذاتية، على المحك.

ريمون اده كان نقيضنا جميعاً. لبناني بلا ماكيافيليات. تماماً عكس الرجل الذي قال “من لا منصب له في الحياة، لن يجد حتى كلباً ينبح عليه”. لكنه مثل ماكيافيلي كان فشلاً رائعاً. مثله كان يحب الجمال في كل شيء. ومثله، وربما أكثر، يعرف مكامن الضعف في شعبه وهبله أمام المظاهر والالقاب والاطراءات الكاذبة والأوسمة التي هي اختراع بلا براءة.

لكن بعكسه لم يكن متفائلاً بشيء. ماكيافيلي كان يأمل في عملية يغير فيها الايطاليين: خليط من الإرهاب والقوة والاصلاحات والرشى والسموم والخداع والجواسيس، وحتى العدالة، إذا، وحين، يقتضي الأمر. ريمون اده كان، بتجربته، يدرك ان لا شيء يمكن ان يغيّر أهل هذا الخليج من المتوسط. لذلك حزم حقيبته ويأسه وآلامه الداخلية العاصفة ومضى يكرر جملته المعترضة وفلسفة الشك في الرجال: “يا خيي انت شو بيفهمك”؟ “يا صاحبي هات تنشوف، انت شو بيفهمك”؟.

عاصفة دائمة بلا أثر يا عميد. عاصفة حلوة ولذيذة ومهضومة وصادقة وبلا عصا ولا مسدسات ولا بواريد ولا خطب، وبسيطة وأنيقة ومكانها الأمثل اللوكسمبور، أو الكانتون الألماني في سويسرا، أو قصر ملك البلجيك. أما هنا، عميد، فلا توظف ولا تعين نائباً موفوراً، ولا تقف البواخر قبالة الشاطىء مثل الاسطول البريطاني بمدافعه قبالة سواحل البدائيين. ولا. وليس. لن.

مبادرة جميلة في اي حال، ومبادرة طيبة ومغامرة شجاعة. أن يبحث “الأعيان” عن مكان في هذا الدغل الوعر. لكن المشكلة كيف؟ أول مرة انتخب ليندون جونسون عضواً في الكونغرس، استغرب كثيرون وصول ابن مفتش حافلات، فسأل احدهم المتبرع الأول، كيف حدث ذلك، فاجاب “أموال”. ويبدوان السائل لم يسمع الجواب جيداً، فكرره المتبرع Money, Money.

ماذا يملك الكتلويون الجدد: المال؟ القوة؟ المُثُل؟ الطاقة؟ النفوذ؟ المقدرة الاستشارية الكبرى؟ بلد لذيذ هذا البلد. وعلى ما غنت الصبوحة “عزيز يا عزيز، الحب شو لذيذ”. قافية وحضرت، وحبكة وحبكت.

يبقى شيء اساسي. أن السادة المؤسسين الجدد اختاروا أعضاء مسلمين في الحزب، لاعطائه صبغة غير طائفية. شكراً. أي شكراً للمسلمين فيه. أما انا، فكنت اتمنى حزباً غير طائفي وخال من بضاعات الغرائز، ويكفي بذلك ان يكون حزب المسلمين أيضاً. ليست كتلة ريمون اده في حاجة الى شهادة في العلمانية. ولا لبنان في حاجة الى أحزاب “مشكّلة”. نحن في حاجة الى لبنايين يرفضون الدعوة الطائفية الخاسئة، ويحاولون احياء الغرائز البالية. لبنان وطن، وليس ربطة عنق، أو جوارب، تغير الوانها مع تغير الاحوال. عظمة ريمون اده أنه لم يرد ولا شاء ولا قبل ان يكون أحداً سوى ريمون اده. مات مكللاً بنفسه، وعلى نعشه باقة غار من غار الخسارة، اجمل من كل أكاليل الانتصار.

شكراً لمحاولتكم. وطوبى لذوي النوايا الحسنة. ولكن .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*