أبناء الأمير عبد القادر… كيف تصالحوا مع فرنسا؟

 سعيد خطيبي 
القدس العربي
14092019

■ قضى الأمير عبد القادر (1808-1883) سبعة عشر عاماً في مقاومة الاحتلال، نظم جيشاً، وخاض معارك وكسب بعضها، التفت حوله قبائل ووضع أسس حكمه السياسي، ولا يزال مرجعية في تأسيس الدولة الجــــزائرية الحديــــثة، وانتـــهى به المطاف منفياً في قصر أمبواز، في فرنسا، ثم في الشام، التي فاضت فيها روحه، ودُفن هناك، بجوار مُعلمه ابن عربي، اقتداءً بوصيته، قبل أن ينقل رفاته إلى بلده، في 1965، ولا يزال ـ لحد الساعة ـ يتجادل مؤرخون في ميراثه، وفي تأويل سيرته، كثير من العتمة يلف مراحل من حياته والنقاش حولها لا يهدأ، لكن الشيء الذي أهمله التاريخ إلا قليلاً، ولا نجد مصادر كافية حوله، هو مآل أبنائه من بعده. كيف عاشوا؟ ما هي علاقتهم بالجزائر وفرنسا؟ يكاد الحديث عن الأمير لا يخرج عن سنوات حياته، ويهمل الباحثون ماذا جرى من بعد دفنه، لكن المراجع القليلة، التي يُمكننا الوصول إليها، تتفق على أن أبناء الأمير سلكوا طريقاً مخالفاً لطريق والدهم، لم يُبالغوا في صراعهم مع فرنسا، ولم يميلوا إلى مُعاداتها، أعادوا النظر في صلتهم بالمُحتل آنذاك، راجعوا مواقفهم، وهناك من ارتمى في حضنها وتحصن بها.
إذا كنا نجهل سير بعض أبناء الأمير عبد القادر، فإننا نعرف ـ على الأقل ـ السيرة الناصعة لحفيده الأمير خالد (1875- 1936)، الذي وُلد في دمشق وتوفي فيها، درس في الثانوية الفرنسية (لويس لوغروند)، بصحبة شقيقه، وأدى الخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي، ثم صار واحداً من المناضلين الوطنيين من أجل المساواة بين الجزائريين والفرنسيين، نعرف عنه نضاله السياسي والفكري، مواقفه الصدامية وطلائعيته باعتباره مؤسساً لجريدة «الإقدام»، شارك في الحرب العالمية الأولى، وعاد منها إلى الجزائر وقد ظهرت عليه بوادر السل، لم يتوقف نضاله من أجل الأهالي ونُفي إلى مصر، ومن هناك عاد إلى سوريا. يظل الأمير خالد واحداً من رموز النضال الوطني في الجزائر ومن مؤسسي الحركة القومية، رغم كل العثرات التي صادفت طريقه، والمطبات التي سقط فيها، لكن من هو والده، نجل الأمير عبد القادر، الذي صالح فرنسا، وأقام معها علاقة مودة عكس ما ذهب إليه مؤسس الدولة الجزائرية؟
في مدينة بوسعادة، جنوب الجزائر، سنجد قبراً، يُحيط به سياج بارتفاع متر واحد، في مقبرة لا يظهر شيء مميز فيها، وبالكاد يعرف الناس من يرقد في ذلك القبر؛ إنه الأمير الهاشمي، ثالث أبناء الأمير عبد القادر، ووالد الأمير خالد، وتعد سيرة الأمير الهاشمي بياناً ووثيقة في فهم العلاقة التي قامت بين أبناء مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة والحكومة الفرنسية، التي بسطت حينها هيمنتها على الجزائر. من خلال ما ورد من شذرات عن سيرة الأمير الهاشمي، ندرك أنه بعد وفاة الوالد سعت الدولة العثمانية (أيام السلطان عبد الحميد الثاني) إلى كسب الأبناء في صفها، وعرضت عليهم الهبات والمناصب، لكن الأمير الهاشمي فضل في النهاية، مرافقة فرنسا، وما يلفت الانتباه أكثر أن فرنسا التزمت بدفع هبة شهرية لأسرة الأمير عبد القادر، بمن فيهم أبناؤه وأحفاده (الأمير خالد ظل يتقاضى تلك الهبة إلى آخر أيامه). مع العلم أن بعض أخوة الأمير الهاشمي آثروا الميل للعثمانيين، وشقيقه محيي الدين ترقى في مناصب عليا، لكنه لم يتنازل عن العطاءات الفرنسية، كما لو أن الفرنسيين أرادوا أن يعتذروا، أو أنهم وجدوا في هديتهم سبيلا في كسب ود أبناء الأمير عبد القادر.

أقام الأمير الهاشمي سنواته في الجزائر بدون أن يدفع مليماً من جيبه، يستفيد من هبة الفرنسيين، ويدفعون عنه ثمن إيجار بيته.

لم تمر المنح العينية التي كانت تصرفها فرنسا على أبناء الأمير عبد القادر بدون ضجيج، فقد تلقفتها الصحافة حينذاك، ووردت مقالات تشجب ذلك الفعل، بل إننا نجد في بعض الكتابات الصحافية من يصف أبناء الأمير عبد القادر بالجشع والطمع، وأنهم استغلوا حظوة ومكانة والدهم كي يكسبوا مالاً بدون عرق.
ورغم تلك الانتقادات فقد استمرت المنح الفرنسية، ولم تنضب إلى وفاتهم. وبلغ الأمر أن من كان منهم بوظيفة أو راتب، فلا تنقطع عليه تلك الهبات المادية. من هنا نتساءل: تحت أي بند رضي أبناء الأمير عبد القادر بقبول كرم الفرنسيين إزاءهم؟
كان الأمير الهاشمي من المقربين من والده، ولا شك في أنه من أكثر الأبناء تشبعاً بفكره ومنحاه السياسي، فقد رافقه في منفاه في قصر أمبواز، ثم إلى دمشق، قبل أن تنقلب سيرته إلى النقيض عما سار عليه والده، فقد أرسل ابنيه للتعلم في فرنسا، وانطفأ نور عينيه، وحسبما أورده مؤرخون، فقد بصره إثر سقوطه من حصان أو من عربة يجرها حصان، في الشام (لا توجد معلومة دقيقة عن سبب إصابته تلك)، ووجد العون حينها من الفرنسيين، حيث سافر إلى باريس للعلاج، لكن الأطباء لم يفلحوا في إعادة البصر إليه.
لم يطل مكوث الأمير الهاشمي في الشام، وعاد بمساعدة القنصلية الفرنسية هناك، إلى الجزائر، ملتزماً بعدم الخوض في السياسة، أقام نزراً من الوقت في الجزائر العاصمة، ثم استقر به الحال في بوسعادة، التي توفي ودفن فيها، وكان على صلة دائمة بالمسؤولين الفرنسيــــين، بل يمكــــن القول أنه كان ناطقاً باسمهم، يُساعــــد بالنصــــح والمشورة في تسيير شؤون الأهالي.
وكلما حصلت نزاعات في المنطقة، كان يتدخل في حلها، وبات محل ثقة الفرنسيين، وسندهم في ترتيب شؤون الأهالي، وبسط اليد عليهم. في ذلك الحين، وبعدما لاحظ العثمانيون أن الانشقاق قد حصل في أسرة الأمير عبد القادر وورثته، سارعوا في عرض المناصب على من تبقى منهم في الشام، وكانت تلك لحظة الانقسام الجسيم بينهم، بين من فضل فرنسا وسخاءها ومن فضل العثمانيين ومناصبهم في الجيش والإدارة، وفي كلا الحالتين، لم يتفرق أبناء الأمير عبد القادر سوى بسبب المال والجاه.
أقام الأمير الهاشمي سنواته في الجزائر بدون أن يدفع مليماً من جيبه، يستفيد من هبة الفرنسيين، ويدفعون عنه ثمن إيجار بيته. مع ذلك وردت بعض الإشارات التاريخية تقول إن الأمير الهاشمي استغل زيارته العلاجية لباريس للمطالبة بزيادة المعاش، ولحث الفرنسيين على إقناع اخوة آخرين له بالانضمام إلى صف فرنسا، بدل العثمانيين. هذا التاريخ المطمور من سير أبناء الأمير عبد القادر وقربهم من فرنسا، أو عدم معاداتهم لها، يستحق أن نتوقف عنده، ونزيل المغالاة التي أمست تشوه سيرة الأمير عبد القادر وأسرته، التي تصورها مراجع بلا سند على أنها «ثورية»، بينما الحقيقة تدل على أنها كانت «براغماتية».

٭ كاتب من الجزائر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*