الرئيسية / home slide / أبكي على الوطن وأبكي منه… كفّرتونا

أبكي على الوطن وأبكي منه… كفّرتونا

عشتُ حرب الـ15 سنة كلها مع “النهار” ولها. أمضيت على الأقل نصفها بعيداً من زوجتي وابنتي وإبني خارج البيت أطارد الأخبار والتطورات والمعلومات والتصريحات في القصر الجمهوري وفي السرايا الحكومية وفي “الكفور” ملجأ الرئيس الراحل سليمان فرنجية كما في المخيمات الفلسطينية وعلى تخومها. تقاسمنا نحن عشيرة “النهار” العمل واللقمة والخوف والمرح في وقت واحد عند اندلاع المعارك وفي نوبات القصف العشوائي. كنت أذهب لرؤية العائلة بشوق وأفكّر بالعودة السريعة في وقت واحد. كان هذا في “نهار” شارع الحمراء. والعتاق جداً من أبنائها يؤكدون أن “نهار العجمي” آخر سوق الطويلة لم تكن مختلفة والـ”هذا” استمر في “نهار ساحة الشهداء” رغم تغيّر الظروف والأشخاص والتطورات. ربما لهذا السبب تناوب عليَّ أول من أمس شعوران متناقضان الأول مزيج من الخوف على البلاد وعلى “شعوبها” والغضب على حكّامها وأحزابها وسياسييها وطوائفها ومذاهبها الذين ما قاموا بشيء منذ انتهاء حرب 1975 – 1990 لإعادة لبنان السلم والحرية والديموقراطية والمواطنة أو بالأحرى لبنائه لأنه لم يكن كذلك يوماً. والثاني “شعور بالذنب” لأنني لم أشارك أخوتي فيها مواجهة “الانفجار الهيروشيماوي” الذي لم أعرف له منفّذاً ومخططاً حقيقياً رغم دخول السياسة والعجز مختلف الروايات من رسمية وغير رسمية. علماً أنني لا أغادر “النهار” يومياً تقريباً إلّا قبيل السابعة مساءً. أحسست بداخلي أنني كان يجب أن أكون معهم. علماً أن مغادرتي المكتب في الخامسة إلا ربعاً كانت للقاءٍ فيه تشاور سياسي معلوماتي حول الأوضاع على تنوعها. وعلماً أيضاً أن مكان الاجتماع لا يبعد عن مبنى “النهار” إلا مئاتٍ من الأمتار، وإننا سمعنا ما يشير الى بدء الانفجار أو التفجير ثم سمعناه وكاد دخانه أن يعمينا. لكننا لم نصب بأذى وعرفت السبب بعدما أزحت إحدى البردايات فتبيّن لي أن زجاج النوافذ “صامدٌ كله” رغم تناثر زجاج الأبنية المحيطة بكامله. شكرتُ الله لكن معرفتي أن أضرار مبنى “النهار” لا بد أن تكون فادحة وأنني لن أشارك الزملاء مأساتهم أعادت إليّ بعض شعور الذنب بعد العودة الى البيت حوالي الثامنة مساءً. إذ بسبب عجقة السير تأكدت مما قالته لي زوجتي على الخليوي وهو أنها مصابة بجروح والدم يسيل منها لكنها قد لا تكون في حاجة الى المستشفى. كانت إصابتها بستة أو سبعة جروح بعضها في أماكن خطرة لكن “اكتظاظ” (وهذه عبارة لا أحبها) المستشفيات جعلها تصمّم على البقاء في المنزل وكانت محقّة. أما المنزل فكان بلا أبواب ولا زجاج ولا ألومينيوم ومشرّعاً أرى فيه مآسي الأشرفية بل بيروت وغالبية المناطق المحيطة بها. أحمد الله أن دم 15 “نهارياً” الذي أريق في ذلك اليوم البشع لم ينهِ حياتهم ولا التزامهم المهني والوطني. وأحمد الله على نجاتي. لكنني أبكي الوطن أبكي عليه وأبكي منه. فشعبه أثبت منذ مئويته التي “هلكونا” بها وبالاستعداد للاحتفال بها، ومنذ وصف البابا القديس يوحنا بولس الثاني له بالرسالة، كما منذ إقرار الأمم المتحدة أنه بلد حوار الحضارات، أثبت أنه شعوبٌ ولاؤها لأديانها وطوائفها ومذاهبها ولزعمائها وأحزابها وليس له أو للدولة التي يفترض أن تدير أموره. وولاؤها أيضاً هو لجهات إقليمية دولية متناحرة. وذلك يفسّر تقاتلها في لبنان وعليه. ويثبت أنها تجهل حقيقة أساسية هي أنها تُستخدم (أي الشعوب) لتحقيق أغراض وأهداف لا علاقة للبنان بها.

في أي حال “الانفجار الهيروشيماوي” الذي ضرب العاصمة بل البلاد كلها لم يعرف به أحد قبل حصوله ولا يزال التناقض حول أسبابه أو حول المخطّطين له قائماً. لكن كل الذين يتعاطون الشأن العام السياسي والإعلامي والاقتصادي… كانوا “يشمّون” رائحة البارود من مواقف قبائل الداخل وأسياد الخارجَيْن الإقليمي والدولي. وكانوا يرون غبار عدم الاستقرار تلوح في الأفق القريب وتتقدم في سرعة. لكن أحداً من المسؤولين لم يهتم لأن الصراع على الحصص والمصالح والكراسي وعلى حماية الفساد أعمى عيونهم وقلوبهم وعقولهم وبصيرتهم، ولأن صراع المذاهب حجب الإيمان الحقيقي عند الجميع، كما لأن مصالح الدول الكبرى و”العظمى” في العالم وفي المنطقة لها الأولوية رغم ادعاء أصحابها قرابة الدين أو قرابة المذهب أو قرابة الايديولوجيا أو قرابة الديموقراطية.

هذا “الانفجار الهيروشيماوي” الرهيب قد يكون بداية عدم الاستقرار الأمني الذي حذّر منه “الموقف هذا النهار” مرّات عدّة بالتحليل وليس بالمعلومة الموجَّهة، وخصوصاً بعد وصول عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والمالي والمصرفي الى حال متردّية جداً لا بد أن تجعل لبنان وطناً للفقر والجوع والقتل والنهب على كل المستويات. علماً أنه الآن وطن الجهل رغم كل الادعاءات. والدليل العجز التامّ عن إقامة دولة العدل والقانون والمواطن.

في اختصار لا يمكن أن يُقال للحكام ولقادة “الشعوب” إلا كلمة: كفّرتونا وجعلتمونا وخصوصاً نحن كبار السن نأكل أصابع يدينا ندماً لأننا راهنا على قيامة لبنان فبقينا فيه. أما الشباب من الجنسين ومن كل الطوائف والمذاهب فسيرحلون وبلا عودة كلما استطاعوا تاركين البلاد “للختيارية”، وللطامحين الى السلطة ولو على كرسي مصنوعة من عظام المواطنين ودمائهم.

“تهنّوا بوطنٍ كهذا”.

sarkis.naoum@annahar.com.lb