الرئيسية / home slide / أبعد من الحجاب

أبعد من الحجاب

 

عبد الحليم قنديل
القدس العربي
01102022

انتفاضة الإيرانيين الأخيرة، التي يطلق عليها رمزيا وصف «ثورة مهسا أميني»، ربما لن تكون الأخيرة من نوعها، وإن شهدت مظاهر مستجدة نسبيا، من نوع فرار قوات الأمن خوفا من المتظاهرين، وتفشي الاحتجاجات على نطاق عابر للأعراق، رغم بداية اشتعالها في كردستان إيران، تلبية لدعوة أحزابها المحظورة رسميا، وصولا لسيطرة شعبية موقوتة على مدينة كردية إيرانية قرب الحدود مع تركيا، وبعد تواصل ظواهر الغضب الشعبي لأكثرمن أسبوعين، توارت القصة قليلا بقمع دموي عنيف، أسقط عشرات القتلى والجرحى، بعد أيام من التردد والارتباك الحكومي، وإلى أن تطورت الصدامات إلى حرب إيرانية ساخنة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على مواقع جماعات الأكراد الإيرانيين ومعسكراتهم في شمال العراق.

القصة في إيران أبعد من الحجاب طبعا، وتتعلق بمدى قدرة النظام الحاكم على الصمود، وبوسائل الإقناع والاقتناع لا بالقمع الدموي المرعب

الشرارة الأولى باتت مشهورة، شابة كردية إيرانية، كانت في زيارة سياحية للعاصمة طهران برفقة شقيقها، وتضع على رأسها حجابا متساهلا، كعادة أغلب الإيرانيات، اعتقلتها «شرطة الأخلاق» لمخالفتها قانون فرض الحجاب، الذي صدر عام 1983، وهو يلزم النساء بارتداء «الحجاب الإسلامي»، ويعرف في إيران باسم «الشادور» أو «الخيمة»، وهو عباءة سابغة تغطى كل الجسد عدا الوجه واليدين، وهو ما لا تلتزم به سوى نحو 15% من النساء، بحسب استطلاع رأي إيراني جرى عام 2018، بينما تتحايل غالبية النساء، ويرتدين ما يعرف إيرانيا باسم «الحجاب السيئ»، سواء وصف بالمقبول أو بالمرفوض، وفي الأخير تحسر الفتيات والسيدات غطاء الرأس إلى الخلف والأسفل تماما، وبما يكاد يظهر شعر المرأة بالكامل، وهو الخطأ الذي اتهمت به مهسا أميني، واقتيدت بسببه مذعورة إلى مخفر تابع للشرطة الدينية، وإلى أن ماتت سريعا في ظروف غامضة، وبسكتة دماغية بعد اعتداء مبرح بالضرب على قول المعارضين، وأشعلت وفاتها غضب النساء الإيرانيات، وإعلان النقمة على قانون فرض الحجاب، الذي تتراوح العقوبات على مخالفته بين الغرامة والسجن لنحو شهر والجلد سبعين مرة.
بدت القصة نسائية، ومحصورة لأول وهلة في موضوع الحجاب، لكنها فتحت ثقبا هائلا في جدار الغضب الاجتماعي والسياسي، وانتقلت الحوادث من مشهد حرق الحجاب، إلى حرق صور المرشد علي خامنئي وقاسم سليماني رمز الحرس الثوري الراحل مغتالا، ومن شعارات إسقاط الحجاب إلى إسقاط النظام كله، تماما كما جرى مرات قبلها في العشرين سنة الأخيرة، من ثورة الطلاب عام 1999، إلى «الثورة الخضراء» عام 2009، بعد تزوير الانتخابات ضد الإصلاحي مير حسين موسوي، الذي كان مرشحا للرئاسة، وإلى انتفاضة 2019 الواسعة النطاق، على خلفية تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي، بأثر من تراكم وغلظة العقوبات الأمريكية القصوى، المعاد فرضها وتشديدها بعد خروج دونالد ترامب رئيس أمريكا السابق من الاتفاق النووي في مايو 2018، ثم جاءت الحوادث الأخيرة بعد تراجع فرص العودة القريبة للاتفاق النووي، وهو ما توقعنا حدوثه في مقالنا «الاتفاق المعلق» المنشور هنا أواخر أغسطس الماضي، ولم تخف الأطراف المتصارعة حقيقة وجودها هذه المرة، فقد أعلنت الإدارة الأمريكية الحالية تأييدها لانتفاضة إسقاط الحجاب والنظام، وقدمت تسهيلات تكنولوجية لتيسير دخول المتظاهرين على خدمة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، تماما كما لم تكتم أطراف إقليمية كارهة لنظام «الملالي» الإيراني فرحتها الغامرة، وبشّرت كالعادة بقرب ذهاب النظام إلى مزابل التاريخ.
وقد لا يكون من جدال كثير في حقيقة استبدادية وديكتاتورية النظام الإيراني، شأنه كشأن غالب نظم الحكم في المنطقة، واعتماده لما يسميه «ديمقراطية دينية»، تعطي السلطة المطلقة لقادة غير منتخبين مباشرة من الشعب، بل من اختيار مجالس وصاية معينة، كمجلس الخبراء وغيره، فسلطة المرشد دينية وآمرة وبغير تعقيب، أما الرئيس والبرلمان، فهي سلطات أدنى بكثير، يجري اختيارها في «انتخابات محكومة» ومتحكم بها تماما، ويجري استبعاد الأغلبية الساحقة من المرشحين، وبحسب هوى المرشد ومجالسه واعتباراته «الدينية»، في ما لا يبقى معروضا على الناس المستفتين، سوى عينات مختارة، تتوزع في العادة على جناحي «المحافظين» و»الإصلاحيين» على أطراف سلطة المرشد، وإن نال المحافظون حظوة المرشد أكثر، ومزايا القرب من «الحرس الثوري» وهيئاته وشركاته، وحماية «الباسيج»، وهو جهاز نصف عسكري تابع للحرس الثوري، وإلى غيرها من هيئات زاعقة بالشعارات الدينية الشيعية طبعا، وتكاد تحتكر كل موارد إيران، وتتخفي بفساد القادة، وتضعهم فوق كل مساءلة، وتدير النفوذ الإيراني المتوحش في المنطقة العربية، وتنفق بسخاء على جماعات طهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن ودول الخليج، وتجعل من حجاب النساء وسيلة للادعاء الديني الفج تريد فرض «الشادور» على الجميع، وكأن اللباس السابغ للنساء، يغفر لهن ما تقدم من ذنب وما تأخر، بينما الحجاب في أصل الشرع الإسلامي كغيره من الفرائض، لا يصح فيه ولا له أن يكون إجبارا من سلطة، بل أن يكون اختيارا مدفوعا بالقناعات الدينية الفردية والاجتماعية، وكل إجبار من هذا النوع، يؤدي إلى نتائج عكسية تماما، فلا حق لسلطة في فرض ارتداء الحجاب أو خلعه، وقبل نحو تسعين سنة، كان شاه إيران رضا خان، قد أمر بخلع الحجاب عام 1936، وثار الشعب الإيراني وقتها ضد قرار الخلع، تماما كما يثور اليوم على قانون الفرض، وتتحايل عليه أغلب النساء الإيرانيات إلى حد التمزيق والحرق، وربما توليد مشاعر حانقة على مبدأ التدين ذاته، ودفع الناس للكفر بالدين والمروق منه سرا وتقية، وبالذات مع سطوة وسلطة رجال الدين، التي لا يعرفها صحيح الإسلام، إلا في أوساط الشيعة والسلفيين. والقصة في إيران أبعد من الحجاب طبعا، وتتعلق بمدى قدرة النظام الحاكم على الصمود، وبوسائل الإقناع والاقتناع لا بالقمع الدموي المرعب، وقد لا يكون النظام على وشك سقوط قريب كما يتمنى البعض، وإن كان يعانى من متاعب ظاهرة، بعضها مفروض من الخارج كتحديات العقوبات ومضاعفاتها، وبعضها في بنية النظام المغلقة، التي تحصر جمهور النظام في المؤيدين أو المستفيدين من بقائه، وهم قوة لا يستهان بها، تملك دواعي السلاح والمال وسطوة التحشيد الديني، لكن القوة المؤيدة الملموسة لا تخفي وجوه ضعف خطرة، تنفذ منها عناصر مثيرة للقلق والغضب، ليس فقط من منظمات وجماعات المعارضة المقيمة أساسا خارج البلد، وتعاني هي الأخرى من الارتهان لتمويل وإدارة من أجهزة مخابرات صغرى وكبرى، وقد تستفيد من موارد غضب اقتصادي واجتماعي في الداخل، تتدافع أماراته متوالية، على الرغم من طوفان القتل، وما من سبيل لاحتوائه إلا بفتح النوافذ وإتاحة حريات أوسع، وكسر ثنائية التداول الحصري بين محافظي النظام وإصلاحييه، وهو ما قد يعني تجاوز النظام لنفسه ولإخفاقاته، ربما بحثا عن فرص صمود أطول، ودعم ما تحقق له وبه من منجزات وطنية لا تنكر، من نوع البرامج النووية والصاروخية المتطورة وتكنولوجيا الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية وقواعد إطلاقها، وإقامة شبكة عالمية ذكية معقدة للتحايل على العقوبات المفروضة، ودفع العلاقات درجات مع روسيا والصين، وتكثيف التعاون مع تجمعات الاقتصاد المناهضة للغرب وديكتاتورية الدولار، وتطوير التعليم التقني المتقدم في مجالات الرياضيات والفيزياء والذكاء الاصطناعي وغيره، والنجاح الملحوظ في الصناعات المدنية كالسيارات والحاسبات وغيرها، وكلها منجزات أحسنت استغلال الظروف، واستفادت للأسف من فراغ وتخلف الواقع العربي المحيط، واستخلصت جمهور الشيعة العرب في غالبه لمعية إيران، إضافة لجذب ودعم حركات المقاومة على جبهة الصدام مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، لكن كل هذه الإنجازات على تفوقها وأهميتها، تبدو معرضة للتراجع وربما للانهيار، فثمة تمرد شعبي مرئي متصاعد ضد النفوذ والتغول الإيراني في جهات المشرق العربي المنكوب، وثمة غضب متفاقم في الداخل الإيراني نفسه، فالنزعات الانفصالية الاستقلالية تتمدد في البلد متعدد الأعراق، وكثيرمنها مسلح ومدعوم من الغرب، أو من جوار ملغوم، وجمهور الطبقة الوسطى الإيرانية النامية يضيق بالتشدد الظاهري المفرط لنظام «الملالي»، وتتوالى انتفاضاته الاجتماعية والسياسية، شوقا إلى تغيير لا تستبين علاماته، وحتى بافتراض زوال العقوبات الخانقة ذات يوم قريب، فقد يهيئ ذلك التطور مجالات أرحب للاعتراض، تستنفد طاقة النظام على البقاء متجمدا في مواقعه، خصوصا مع تربص الخارج الأمريكي والإسرائيلي وبعض الخليجي، وهو ما قد يؤدي إلى وضع حرج، قد تخلع فيه إيران حجاب نظامها، وليس حجاب النساء وحده.
كاتب مصري

كلمات مفتاحية

إيرانالانتفاضةالحجابعبد الحليم قنديلمهسا أميني