آن أوان تسوية تاريخية مع ” حزب الله”؟

ما وراء المشهد السوريالي المتصل بالارتباك والعجز لدى افرقاء الصف الواحد في وجه انتفاضة شعبية معبرة عن فقر الناس والجوع والغضب وان وصف بعضهم بالمخربين والمندسين لا ينفي واقع ان اهل السلطة في مأزق كبير ولكن اللبنانيين ايضا جميعهم في مأزق انهياري يقضي على كل امالهم وودائعهم. ثمة اسئلة مطروحة امام الجميع على ضوء مجموعة تطورات متسارعة في المنطقة.

في الشق الاقليمي يصعب عدم متابعة التطورات المهمة التي طرأت على الحسابات الايرانية ولا سيما على اثر اغتيال اللواء قاسم سليماني والموقف الجديد الذي اعتمدته الدول الاوروبية الموقعة على الاتفاق النووي من اصطفاف مع الجانب الاميركي لجهة الذهاب الى اتفاق جديد مع الادارة الاميركية على هذا الصعيد. تحسب ايران جيدا على اثر ردة فعلها المدروسة جدا على قاعدة عين الاسد التي تضم قوات اميركية في العراق حساباتها واذا كان يمكن ان تذهب الى الحرب وهي اظهرت انها لا ترغب ولا تستطيع اعتماد هذا الخيار فيما الحسابات الاهم تتصل بطبيعة الكلفة التي ستترتب عليها اذا ذهبت الى مفاوضات جديدة مع الادارة الاميركية. فالاطلالة الاخيرة للمرشد الايراني علي خامنئي للخطابة في المسجد لاول مرة منذ ثماني سنوات لم تفهم موقفا حاسما ونهائيا ازاء الاميركيين على رغم ما تتضمنه من انتقادات وحملات بل فهم منه ارباك نتيجة حسابات ايران اذا كانت تذهب الى تفاوض مع الرئيس دونالد ترامب قبل الانتخابات الاميركية الرئاسية في تشرين الثاني المقبل او بعدها.ذلك ان التفاوض مع هذه الادارة في حال عودة ترامب لولاية ثانية انما يرجح ان يكون اكثر كلفة لايران مما قد تحصل عليه راهنا قبل الانتخابات. والنقطة هنا تتعلق بتقدير ايران ما اذا كان ترامب سيعود ام لا لان انتخاب ديموقراطي للرئاسة الاميركية قد يطرح مقاربة مختلفة وتجد فيه ايران متنفسا لكن بقاء ترامب لولاية ثانية يطرح تحديا كبيرا بالنسبة اليها بحيث ينبغي ان تقارب موضوع التفاوض مع الادارة الاميركية قبل الانتخابات او بعدها لان ايران قد لا تتمكن في ظل الضغوط الاقتصادية الكبيرة عليها والاختناق الذي تعاني منه انتظار ان ينهي ترامب ولاية ثانية. وعلى وقع القرار الايراني الذي يفترض ان يحسم سريعا على رغم الضوضاء الكلامية والتصعيد السياسي المتواصل تتقرر مسائل كثيرة في لبنان ومن بينها الوضع اللبناني علما ان على ايران ان تقيم حساباتها ما بعد سليماني في العواصم التي قالت اكثر من مرة انها تسيطر عليها اي العراق حيث يثور العراقيون ضد نفوذها وفي سوريا التي باتت في الحضن الروسي كليا وسيفتح لها ابواب للبقاء بعيدا عن ايران فيما ان لبنان يواجه انتفاضة غير مسبوقة. ومع ان هذه الانتفاضة لم تقارب سلاح ” حزب الله” من قريب او من بعيد فان الحزب نفسه استشعر مبكرا ان نفوذه يطرح اشكالية كبرى ويرهق كاهل لبنان. وقد خرج الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله باكرا من عمر الانتفاضة ليعلن لاءاته التي تدافع عن مكاسبه في الحكومة وفي رئاسة الجمهورية كما في مجلس النواب معلنا رفض التنازل فيها كلها وان كانت استقالة الحكومة شكلت خرقا ادى الى ابعاد الرئيس الحريري في نهاية الامر لعدم قبوله ان يكون بعد الان رئيسا فخريا لشركة سياسية لا كلمة له فيها.

ومن هذه الزاوية بالذات يثار الشق الداخلي من الازمة الحالية. اذ ان ” حزب الله” يريد فعلا حكومة تتألف في الظروف الراهنة من اجل محاولة فرملة الانهيار او تخفيف تداعياته فيما يعرف جيدا كما يعرف الجميع ان الحكومة ستفشل ولن تحقق الشيء المطلوب منها بغض النظر عن فترة ولايتها اكانت اسابيع او بضعة اشهر. اذ يدرك الحزب جيدا ايضا انه وان كان مهيمنا على كل مفاصل القرار والواقع السياسي في لبنان فانه يسيطر او يهيمن واقعيا على الة معطلة وغير منتجة لان الحكومة التي سيشكلها لن تأتي نتيجة لا على صعيد الاصلاح ولا على صعيد الثقة بان لبنان قد يحظى باي مساعدات او ان يستثمر اللبنانيون حتى في لبنان في ظل حكم هذه الاكثرية. من المرجح ان الحزب او المحور الاقليمي الذي يوضع فيه البلد لن يستطيع ان يقدم اي امر ايجابي للبلد على خلفية ان موضوع الصراع مع اسرائيل مجمد راهنا ولا حرب ممكنة لاعتبارات كثيرة فيما حكم الاكثرية سيقفل الابواب على لبنان ويعزله ما يزيده فقرا ماليا واقتصاديا. والقول بتحميل المسؤولية الى تراكمات سابقة قد يصح لكنه مكلف مع مواجهات ومناكفات ستستمر ولن تطعم خبزا في نهاية الامر. فالضرر الذي يلحق بلبنان واللبنانيين بات كبيرا جدا سواء كانت الولايات المتحدة مسؤولة عن العقوبات التي تفرضها على الحزب وبات يدفعها هو كما يدفع اثمانها اللبنانيون او كانت هناك اسباب اخرى تتصل بالسياسة التي اعتمدها الحزب في معاداة الدول العربية وذلك فيما مروجو تصنيف الحزب ككل ارهابيا سيزيد صعوبة على الجميع. وكما يدرك الحزب ان الرئيس الحريري وحده قادر من حيث امتلاكه الاتصالات والعلاقات التي يمكن ان تساعد لبنان فان على الاخير المبادرة الى اعلان الامور كما هي ابيض على اسود على قاعدة ان الحريري لا يمكنه ” الحرد ” نتيجة ما تلقاه من شريكه في التسوية. ومن هذا الباب بالذات كانت ثمة ملامة له على ترك ادارة الوضع الامني للرئيس ميشال عون على وجاهة التبرير بالدفع نحو تأليف الحكومة ولان المسألة تحتاج حلا سياسيا وليس امنيا. من المهم للحريري ان يبادر لاجراء اتصالات خارجية تساعد لبنان كما الى مبادرة فحواها عدم ترك لبنان في انتظار مفاوضات اميركية ايرانية او ايرانية خليجية ودفعه الاثمان في الانتظار. هذه فرصته لان كثر يعتقدون ان لديه ما يقدمه على صعيد هذه العوامل جميعها خصوصا متى كان حلف الاكثرية محروقاً ولن يقدم جديدا.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*