الرئيسية / home slide / آديل هوغو تروي حكاية زوجها فكتور مع روايته “نوتردام دي باري”

آديل هوغو تروي حكاية زوجها فكتور مع روايته “نوتردام دي باري”

محبرة وأوراق كافية وسجن من قماش يمنعه من مبارحة البيت الجديد حتى إنجازها

إبراهيم العريس باحث وكاتب 

الجمعة 22 يوليو 2022 11:58

 https://www.independentarabia.com/node/354176/

من رسوم الطبعات الأولى للرواية التي تمثل أحياء الضواحي الباريسية (أمازون)

في الحقيقة أن رواية “نوتردام دي باري” لفكتور هوغو (1802 -1885)، لم تكن في حاجة إلى ذلك الحريق الرهيب الذي دمر أجزاء عريضة من أشهر كاتدرائية في العالم في ربيع العام 2019 لكي تعود إلى واجهة الأحداث الأدبية والاجتماعية في فرنسا. فالرواية سواء بعنوانها المعروف هذا، أو بالعنوان الذي عرفت به في بعض الترجمات ومنها العربية، “أحدب نوتردام” تحتل مكانها ومكانتها الكبيرين في تاريخ الرواية العالمية بحيث تتجدد مقروئيتها أجيالا بعد أجيال. ومع ذلك عرف ذلك الحريق الذي أذهل العالم وأبكى كثرا من الفرنسيين كيف يضفي على الرواية نكهة جديدة حيث راحت طبعات جديدة منها تصدر تباعا ودراسات عنها تنتشر وملفات عديدة تتوالى شارحة تاريخ الكاتدرائية التي ارتبطت بها الرواية ارتباطا لا مهرب منه، وصولا إلى عرض فيلم روائي، لم يكن موفقا كثيرا على أية حال عن حادثة الحريق. ففي نهاية الأمر لا يمكن أن يكون ثمة مهرب من الارتباط بين نوتردام الكاتدرائية ونوتردام الرواية خاصة أن كثرا من الباحثين لا يتوقفون ومنذ صدور “نوتردام دي باري” في العام 1831 للمرة الأولى، عن وصفها بالرواية الهندسية الأولى والأبرز في تاريخ الأدب.

بلزاك غير معجب!

ومن البديهي القول هنا أن هذا التوصيف لنوع أدبي لم يكن ليلفت نظر أحدا إنما ولد مع رواية هوغو نفسها. ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن أقلاما كثيرة تناولتها حين صدورها بالانتقاد المر وصولا حتى إلى بلزاك الذي سيقول عنها ما معناه أنها الرواية الأكثرة إثارة للملل بين كل ما قرأ قائلا تحديدا في رسالة بعث بها إلى صديق له: “لقد قرأت نوتردام لتوي، ولم أجد فيها فكتور هوغو مبدع بعض الأناشيد الجيدة، ولكن فكتور هوغو مؤلف “هرناني” – مشهدان جميلان، ثلاث كلمات، وكلها تكاد لا تصدق، وصفان، الحسناء والوحش وطوفان من الذوق السيء – حكاية لا إمكانات فيها وفوق ذلك كتاب مضجر، فارغ مليء بالادعاء الهندسي – وهذا ما توصلنا إليه العنجهية عادة!”. ولكن الذين شاركوا بلزاك رأيه المتطرف هذا لم يكونوا كثرا. ولا سيما أن أصواتا ذات نفوذ فكري من سانت بوف إلى يوجين سو إلى لامارتين راحت تتنافس على امتداح الرواية ما جعل الكاتب لا يبالي كثيرا بمهاجميه. والحقيقة أن هوغو رغم فرحه بانجازه كتابة الرواية إلى درجة أن حين خطّ سطرها الأخير حرص على أن يحدد في الصفحة الأخيرة من المخطوطة ليس فقط تاريخ الإنجاز بل ساعته أيضا: 15 يناير (كانون الثاني) 1831. الساعة السادسة والنصف مساء.

ما ستكتبه الزوجة

وكان الرجل محقا في أن يعبر عن فرحه بإنجاز نحو الألف صفحة التي تتألف منها “نوتردام دي باري” بهذه الطريقة. وذاك أننا حين نقرأ المقال الذي ستكتبه آديل هوغو زوجة فكتور وتنشره بعد نحو 32 سنة على إنجاز الرواية ونشرها، واصفة فيه ليس فقط المعاناة التي تكبدها منذ تخطيطاته الأولى لها عام 1828 وحتى لحظة الفراغ منه، بل الظروف السيئة التي اشتغل عليه بها، سنفهم الحكاية كلها. ففي النص المعنون “فكتور هوغو كما يروي حكايته شاهد من أهله” كتبت آديل ولكن تحت توقيع “بيرانجيه” ومتحدثة حتى عن نفسها بصيغة الغائب”، تحدد منذ البداية ما حدث ليلة الفشل الكبير الذي كان من نصيب تقديم مسرحية “هرناني”. فتلك الليلة وصل هوغو إلى البيت ليجد جمهرة من جيران ومعارف لم يكونوا هناك لاستقباله والثناء على مسرحيته، بل ليتفرجوا عليه وعلى أسرته يطردون من البيت تحت ضغط المالكين لعدم تمكنهم من سداد ديونهم. وتروي السيدة أن بين الحضور كان الناشر غوسلان الذي كان قد حضر كي يتسلم مخطوطة الرواية التي كان الكاتب قد اتفق معه عليها، معتقدا أنه أنجزها. لكن الحقيقة أن هوغو لم يكن قد كتب ولا صفحة منها رغم كل وعوده. وهكذا انضاف إلى ما يحيط بهوغو من مشاكل، غضب الناشر الذي راح يهدده ويطارده فيما هوغو يتملص ويهدد بدروه بفسخ عقده مع الناشر.

Victor Hugo.jpg

فكتور هوغو (غيتي)

وساطة ذات قيمة

لكن الحقيقة أنه لم يكن قادرا على ذلك. ومن هنا شمر عن كميه وكتب إلى غوسلان يرجوه أن يمهله بضعة أشهر أخرى واعدا بأن يسلمه الرواية مكتملة في مارس (آذار) 1829. وهنا تدخل صديق مشترك ذو نفوذ هو الصحفي برتان لتسوية الأمر فحصّل للكاتب تأجيلا إضافيا لخمسة أشهر ونصف. وهنا، وسط كل همومه وتعبه والانتقال الصعب من منزل إلى آخر، لم يعد في إمكان هوغو أن يماطل. فالشهور الإضافية التي منحه إياها غوسلان كانت نعمة هبطت عليه من السماء. شرط أن يعرف كيف يستغلها. وهو استغلها بشكل جيد أتعبه جسديا ونفسيا كثيرا لكنه منحه راحة البال التي كان يحتاج إليها كي يكتب رواية “فريدة من نوعها” تدور أحداثها في القرن الخامس عشر، في باريس وتحديدا داخل الكاتدرائية حيث يتصارع ثلاثة من الرجال من حول الغجرية الفاتنة إزميرالدا: النقيب العسكري النبيل فيبوس، ورجل الكنيسة كلود فرولو، الذي لا يعرف الإيمان أو الدين الحقيقيان طريقا إلى قلبه ولا يريد من دنياه إلا الفوز بالغجرية الحسناء، وأخيرا الأحدب كوازيمودو الذي يهوى الفاتنة بصمت يساعده على ذلك قلبه الكبير وإنسانيته الدافقة. في نهاية الأمر تلك هي الحكاية. حكاية تصلح في الأحوال العادية لقصة متوسطة الطول، ميلودرامية. وفي أحسن الأحوال لفيلم مغامرات إنساني النزعة. فلم كل تلك الصفحات وكل تلك المماطلات؟ ببساطة لأن هوغو كان يسعى لكتابة ما هو أعمق من ذلك. كان يسعى كي يجعل المكان نفسه بطلا للرواية. فهنا كل شيء يدور في المكان ومن حوله ويرتبط به روحيا. والمكان نفسه هو الذي يرسم ليس فقط مصائر الشخصيات وتوجهاتها، بل حتى يرسم توصيفاتها وكأن ثمة تضافرا حقيقيا لا يرصده سوى الكاتب بين المكان والناس الذين يدورون في فلكه.

اقرأ المزيد

سجن فريد من نوعه

ولكن لم يكونوا كثرا أولئك الذي يدركون ما الذي يرمي إليه الكاتب. وهو لم يشأ أن يشتت أفكاره. وهنا، في وقت كان قد أنجز فيه دراسة وتحليل مئات الكتب والنصوص والخرائط المتعلقة بهندسة الكاتدرائية وأحوال باريس في ذلك الزمن السابق على كتابه مئات السنين. جلس في غرفته مغلقا الباب على نفسه بالكاد يلتقي عائلته على مائدة الطعام، مرتديا نوعا من جلباب عريض وسميك يغطيه من رقبته إلى كاحليه، اشتراه خصيصا لتلك الغاية، وراح يكتب. يكتب بانتظام طوال ساعات متواصلة لا يرضى بأن يكلمه أحد فيها. والحقيقة أنه لم يفعل ذلك لمجرد أن يفي بوعده الحاسم لناشره، بل لكي يغوص في الرواية غوصا لا يلهيه عنه أحد. بل وكما تروي آديل: بعد أن اشترى الجلباب الذي جعل منه زنزانة من قماش يحبس نفسه فيها، وضع كل ما لدية من ملابس أنيقة وفخمة، داخل خزانة أقفلها جيدا و”أضاع مفتاحها”. وذلك كي لا يجد في متناول يده أية ثياب ملائمة يرتديها إن أغراه خروج ما إلى لقاء أو سهرة. ومن طرائف ما ترويه آديل هنا أن فكتور قد اشترى محبرة كبيرة وضعها على طاولته مع مجموعة من الريش قائلا لها: هذا الحبر يجب أن يكفيني لكتابة الرواية كلها. وحين أدبج الصفحة الأخيرة يجب أن تكون قد جفت تماما من أية نقطة حبر.

في الموعد المضروب

وهكذا كان بحسب رواية آديل على الأقل. في الموعد المضروب تماما خط فكتور هوغو كلمة النهاية على الورقة الأخيرة – أيضا – التي كانت في حوزته وبآخر نقاط حبر اشتراها منذ اليوم الأول وبعث المخطوطة إلى ناشره، وهو يتمتم لآديل: “الآن يمكنني أن أمرض، وأتوقف عن الكتابة فترة”. ويبدو أنه في الحقيقة مرض بالفعل ولكن ليس لفترة طويلة بل لأسابيع ستقول آديل أنه انصرف بعدها إلى كتابة “البؤساء” التي ستنافس “نوتردام دي باري” على احتلال المكانة الأولى بين أهم أعمال فكتور هوغو. لكن هذه حكاية أخرى على أية حال. وكذلك ستكون حكاية أخرى حكاية تبديل ناشره غوسلان بعد صدور الطبعة الأولى من الرواية التي نتناولها هنا.

المزيد عن: رواية نوتردام دي باريفكتور هوغوالأدب الفرنسيآديل هوغو

المزيد من ثقافة