الرئيسية / أبحاث / أبحاث تاريخية / آثار الباشورة… من أسرار السور الجنوبي لمدينة بيروت الرومانيّة

آثار الباشورة… من أسرار السور الجنوبي لمدينة بيروت الرومانيّة

إذا سمعتَ عالم آثار يروي لك تاريخ السور الجنوبي لمدينة بيروت الرومانية في منطقة الباشورة، تتمنى لو وقع بين يديك فانوس سحري، وخرج منه مارد قادر على نقلك الى زمن تلك الحقبة.

اذا عدنا الى أرض الواقع، لن يبقى من مخزون ذاكرة اللبناني الا شعور بالحسرة على حاضره. ففي الطريق العام المؤدي الى الباشورة، يقع المواطن اللبناني المغلوب على أمره رهينة زحمة سير قاتلة، في حين ان مشهد الآثار في المقلب الآخر من الطريق يعيدنا الى زمن مجيد، الى حقبة رومانية.

التزم مالكو شركة “زد.إر.أو”، دفع تكاليف حفريات الآثار في هذا العقار، وفقاً لما نص عليه المرسومان 3057 و 3058، الصادران عن وزارة الثقافة. يقضي الأول بتحديد آلية الحفريات الأثرية التي تتم على نفقة المالك، ويلحظ الثاني آلية الدمج بين الآثار والمشروع المنوي إعماره.

وأفاد مصدر معني رسمي فضل عدم ذكراسمه أن المستثمر من شركة “زد.إر.أو”، وفقاً لعقد أبرمته مع بطريركية السريان الكاثوليك المالكة للعقار، طالب المديرية العامة للآثار في وزارة الثقافة بايقاف الحفريات الأثرية في المكان، ورفْع تقرير يسلط الضوء على ما آلت إليه الإكتشافات في العقار ليبنى على الشيء مقتضاه.

وقال المصدر إن “الطريق الجنوبي المؤدي الى السورالجنوبي لمدينة بيروت الرومانية، يعود الى الحقبة الرومانية” ، مشددا على أن خبراء الآثار لم يكتشفوا بعد المدخل الرئيسي للمدينة، على رغم أن التاريخ يشهد على أن هندسة المدن الرومانية كانت تعتمد على مدخل معماري روماني يصل بالزائرالى طريق واحد مؤد الى عدد من الضرائح في مدافن “ضخمة”.

ماذا يحيط بهذا السور الجنوبي للمدينة؟ يقول خبير في علم الاثار إنه اذا زرنا المكان سنلاحظ وجود عدد من الضرائح في مدافن جنائزية دائرية الشكل كبيرة الحجم. ويشرح أن من بين هذه الضرائح مدافن تعود الى نبلاء رومان ومحامين كبار من البيئة الرومانية.

يتم، وفقاً للمصدر عينه، اختيار تشييد أي ضريح بناء على منزلة الميت ومرتبته، وصلة مكان المدفن بحياة الميت. تظهر في هذا السور الجنوبي للمدينة ضرائح تضم مجموعة من المدافن قد تعود الى افراد عائلة واحدة. وجرت العادة أيضاً في الإمبراطورية الرومانية أن تستحدث مدافن للنبلاء وكبار القوم في مكان بارز في المدينة، كما بدا واضحاً في الإكتشافات الأثرية في منطقة الباشورة.

لا يخفي المشهد التراثي هناك، أن المواطنين الأقل شأناً من الطبقة النبيلة يدفنون في قبور متواضعة، إذا ما قارناها مع ضرائح الأسياد، إذ تسود التراتبية في اختيار مكان دفن الموتى، وهم يرقدون في قبور خلف مدافن الطبقة النبيلة، ما يبرز النظام الطبقي في الإمبراطورية الرومانية الذي يلحظ آلية دفن الأموات وتصنيف ضرائحهم.

خصوصية السور

بدا واضحاً في الحفريات المكتشفة في منطقة الباشورة وجود قواعد ثابتة للسور الجنوبي لمدينة بيروت الرومانية. وتوقعت المصادر أن تكون للسور تتمة في مساحة العقار أو حتى في مساحات موازية في العاصمة. وأفادت أن مدينة بيروت شهدت تطوراً لافتاً من حيث إعمار أول سور فينيقي، والذي تم اكتشافه اخيراً في الحفريات القائمة في موقع متحف بيروت التاريخي الذي يبنى على أنقاض سينما الريفولي سابقاً قرابة مبنى “النهار”. وأشارت الى أن المدينة القديمة كبرت بسرعة، وتوسعت معها دائرة السور، وارتبطت بفترات زمنية راوحت ما بين الحقبتين الفينيقية والرومانية. وتميزت المدينة، وفقاً للمصادر عينها، في الزمن الروماني، بأنها انقسمت الى محورين كبيرين يتوسعان من حيث المساحة في المدينة. وترتبط الهندسة عموماً في المدينة باعتماد ترتيب خاص بها يقوم على وضع نصب في وسطها وأعمدة ومداخل تابعة لها، وهو دليل قاطع يبرز قوة المكان ويفرض هيبته على سكانها والمارين بقربها.

دمج أم اعادة دمج؟

كيف تتعامل الجهات المعنية مع الآثارالمكتشفة؟ قال مصدر رسمي أن المسؤولين يتعاملون بمسؤولية مع اي قطعة أثرية يتم اكتشافها من قبل فريق متخصص. وشرح أن القطعة تخضع للتفكيك والتوثيق، حتى لو لم تكن ذات اهمية.

ما هو الحل المقترح لآثار الباشورة؟ يرى المعنيون بعلم الآثار أن يتبنى الفريقان، أي الدولة و الشركة المستأجرة للعقار، عملية دمج مع المشروع. يمكن اللجوء في حالات مختلفة عن آثار الباشورة الى اعتماد عملية إعادة دمج قد تصلح في حالات متنوعة، منها اكتشاف لوحة فسيفسائية خلال بناء عمارة مثلاً. يتم في هذه الحال تفكيكها وإعادتها الى مكانها بعد الإنتهاء من المشروع المنوي إعماره.

يذكر ان الشركة المستأجرة للعقارالمذكور تنتظر مضمون التقرير الذي رفعته إليها المديرية العامة للآثار في وزارة الثقافة، لتتمكن من تحديد المشروع الذي يمكن إعماره في هذه المساحة.

Rosette.fadel@annahar.com.lb

اضف رد