اخبار عاجلة

Paris s’en fout

 

كاتيا الطويل
النهار
24122017


باريس بأضواء العيد.

أغادرها وأترك فيها أحلامي وروحي التي بعتها من دون أن أدري.

أغادر باريس وأشعر بفجوة معتمة قد حلّت محلّ قلبي.

لقد أحببتُ باريس ولن أستطيع يومًا أن أحبّ مدينة سواها. إنّها الحقيقة. إنّها المأساة.

ما زلتُ أشعر برائحة الشوارع على جلدي وداخل أفكاري.

رائحة موسيقى الشحّاذين والسكارى.

رائحة البونجور الباهتة التي بالكاد يرميها أحد الباريسيّين في وجهي.

رائحة المترو الذي يحملني كما يحمل غيري بتهوّر ولا مبالاة.

ما زلتُ أبتسم عندما أفكّر بالساحات والشوارع والبيسترويات الصغيرة التي لجأتُ إليها بالشغف، واحتماءً من قسوة البرد والوحدة.

ما زلتُ أشعر بحفيف قاعات السينما والمسرح تدغدغ ثنايا وجداني.

ما زلتُ أشعر بالرعشة اللذيذة التي أعجز عن التحكّم بها عندما أسير في الشوارع.

ما زلتُ أستيقظ وأفاجئ نفسي بأنّي لا أريد أن أستيقظ في مدينة أخرى. في أيّ مكان آخر من هذا العالم.

فباريس ليست مدينة. باريس انتماء. تصوّف. هذيان جغرافيّ يتحكّم بي ويتركني “شريد المنازل” ما إن أغادرها.

أفاجئ نفسي بحزن ينسلّ إلى فؤادي. أحاول نسيان الراء الباريسيّة والنبيذ المخمليّ وذلك البيريه الذي يجعل قلبي يقفز في الأزقّة.

لا يمكنني أن أكون محايدًة إزاء باريس. باريس مبارَكة بين المدن. لا يمكن أن تُغتفر خطيئة من تغادرها بهدوء. يجب أن يعاقب القانون خطيئة بهذه الخطورة.

باريس عشق. فرض. ثورة. توهّج. أناقة لغويّة حياتيّة فكريّة يعتادها المرء من دون أن يشعر. من دون أن يوافق.

أحاول إخراج نهر السين من عروقي. أنزعه بغضب مفتعل. لكنّه يعود. يحمل معه عطور باريس ويعود. باريس لا تفلت ضحاياها. تتكمّش بهم بتعنّت وعنجهيّة. كالوباء. كالحبّ.

وباريس في الميلاد أسواق، زينة، أشجار خضر مضاءة بألف نور ونور، حلويات، نبيذ، ألوان، موسيقى. أحمر ملوكيّ يضفي على الشانزيليزيه رونقًا وهيبة. من السان جيرمان إلى نوتردام وصولاً إلى Gare de l’Est فالـ défense أسواق، فيها ما فيها من أسرار وخفايا. أناس. أطفال، صبايا، نساء، فتيان، فتيات، مسنّون، متقاعدون، جميعهم هنا، جميعهم يجادلون ويساومون ويديرون ظهورهم بغضب وغرور.

أساور من هنا، نبيذ ساخن من هناك، خبز، جبنة، شوكولاتة، كنزات صوفيّة، بطّانيّات، طابات لشجرة الميلاد يفوق ثمن الواحدة منها ثمن سندويش باريسيّ هزيل. كلّ شيء يتحرّك، يغنّي، يصدر الألوان والأضواء. كلّ شيء يودّعني بابتسامة شامتة: “ستعودين لا محالة”.

أوضّب ذكرياتي في الحقائب وأحاول أن أبتلع الغصّة التي تنكّد عليَّ رحلة العودة. أشمّ رائحة جوني هاليداي وجان دورميسون وأحبس دمعتي الغريبة التي لم تعرها باريس يومًا أيّ اهتمام. أجرجر حزني إلى الطائرة وأعجز عن إزاحته. لا أعرف كيف أحدّد مشاعري. باريس “سويعاتيّة”. تخيفني. تبهرني. تسيطر عليَّ. تستعبدني. تتحكّم بمشاعري. تقسو عليَّ فتبكيني، ثمّ تلين فتجعلني أسعد امرأة على وجه هذه البسيطة.

أغادر باريس وأترك فيها قلبي. أغنّي مع شير.
you haven’t seen the last of me

أعد باريس بالعودة لكنّي أعلم في قرارتي أنّي أقيم هذا العهد من أجل سلامي الداخليّ فقط. فباريس تسخر مني. ستنساني قبل أن أبلغ مطار شارل ديغول. أسمعها وأنا في التاكسي تغوي قادمًة جديدًة. أسمع أبواب البارات تنفتح لطلاّب جدد. أسمع قهقهات النبيذ في الكؤوس. أشعر بالغيرة. لقد نسيتني باريس كما نسيت كثيرات وكثيرين قبلي. فمن أين لي أن تذكرني باريس؟

أغادر باريس وأترك فيها قلبي وأنا أكيد من أنّي خسرته إلى الأبد. فباريس راقصة ليدو تعبث بمعجبيها وتتركهم يطلبون المزيد عند أقدامها. باريس العشق والحياة والسعادة ستبقى على توهّجها من دوني.
Paris s’en fout.

أغادر باريس وأترك فيها قلبي. أترك سعادتي. أحمل ابتسامتي الصغيرة التي تغادر وهي تعلم أنّها لن تغادر يومًا.

باريس؟ وما أدراك ما باريس!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*