Flying birds path


عقل العويط

17 كانون الثاني 2017

النهار

روى لي رجلٌ ثقة أن مهندساً ومقاولاً لبنانياً كبيراً اشترى مع شريكٍ له في الثمانينات من القرن الماضي أرضاً شاسعة مساحتها مليونا متر مربع، في منطقة سان أنطونيو بولاية تكساس الأميركية، بهدف إقامة مشروع إنمائي يخدم المنطقة ويساهم في ازدهارها البيئي. استصلح المهندس الأمتار المليون الأولى من الأرض، وعندما همّ باستصلاح المليون الثانية، اكتشف، هو والإدارة المحلية، انه يستحيل تنفيذ أيّ مشروع على هذا الجزء من الأرض لأن من شأن ذلك أن “يزعج” عبور الطيور المهاجرة فوق تلك المنطقة، في وقت معيّن من السنة، فـ”يجبرها” على تغيير مسارها، الأمر الذي ينصّ القانون على عدم إجازته والسماح به. عبور الطيور فوق تلك المنطقة “خطّ أحمر” لا يمكن تجاوزه، أو القفز فوقه، أو الاجتهاد فيه، أو التحايل عليه… على الطريقة اللبنانية.
قال الراوي: لجأ الرجل إلى المراجع المختصة، لأن صكوك هذا الجزء من الأرض ليس عليها ما يحذّر الشاري من وجود قيود على كيفية الإفادة منها، وخصوصاً منها ما يتصل بمسألة عبور الطيور المهاجرة. وقد اضطرت الإدارة المحلية هناك أن تجد للمسألة حلاًّ تسووياً يراعي “حقوق” الطيور وحقّ الجهة الشارية.
الرجل الثقة نفسه، روى لي أن مهندساً لبنانياً آخر اشترى مبنى في مونتريال الكندية، للإقامة فيه، ثم عنّ عليه ترميمه، ليكون صالحاً لبيعه بأسعار تتناسب مع التعديلات التي أجريت عليه. عندما حان وقت الحصول على الأوراق القانونية اللازمة للتنفيذ اكتشف استحالة القيام بأيّ تغيير على المبنى المذكور، لأنه مدرج على لائحة التراث.
لم يترك الرجل باباً إلاّ طرقه، لكن “دقّ الميّ ميّ”. هكذا، و”بعد التي واللتَيَّ”، اضطر إلى إبقاء المبنى على حاله، لأن مسألة المحافظة على المباني التراثية “خطّ أحمر” في كندا، وليس ثمة اجتهادات وتفسيرات وأساليب من شأنها حلحلة أمور كهذه، من طريق رشوة المعنيين مثلاً، أو إعطائهم عمولات، أو سواهما من الحلول المعمول بها لا سيما عندنا ها هنا.
ما المغزى من رواية هاتين الحادثتين الحقيقيتين جداً؟ الراوي الذي عانى ما عاناه – ولا يزال – من انتهاك القوانين اللبنانية، على أيدي حرّاسها والساهرين عليها، طرح السؤال وأجاب عنه: تَصَوَّرْ أن رئيس جمهورية الولايات المتحدة لا يستطيع أن يغيّر حرفاً واحداً في مصير تلك “المحمية”، لأنها Flying birds path، في حين أن محمية لبنان الطبيعية والبشرية صارت برمّتها “كرنتينا” جماعية صالحة فقط للفساد والنهب والرشوة والخراب والموت.
ليك شو؟: Flying birds path!

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*