رأي خوِّفْ خوِّنْ و… إلى سوق النخاسة


سناء الجاك
النهار
03082017

خوِّفْ خوِّنْ اشتمْ. المطلوب تعطيل المنطق وصياغة الحكاية كما كتِب لها أن تُروى.

على الجميع التزام الرواية. لا فرق بين إعلامي أو سياسي أو محلل أو مفكر أو مثقف او ابن شارع.

كلهم يعني كلهم. الويل للاستثناء.

لِمَ العجب؟ لم ننسَ بعد وحشية اجهاض أي محاولة فكرية رصينة لمناقشة “الانتصار الالهي” عقب حرب تموز 2006 مع كل الخسائر التي مُني بها لبنان، كذلك بنود القرار 1701 الذي لهث #حزب_الله للتوصل اليه حتى يرفع آلة الدمار والقتل الإسرائيلية عن رقبته.

صحيح أنّه لم يطبق هذه البنود، وصحيح انه استدار الى الداخل ليصرف ما أشاع انه “انتصاره الإلهي” من رصيد الاستقرار والامن والدولة في لبنان، ومن ثم ينقلب على كل من ساهم لإخراجه من تهوره. صحيح انه كان يكفي ايراد أي جملة اعتراضية رافضة لينفتح في وجه صاحبها وكر دبابير يكفِّر من يرفض حملات الإشادة والتعظيم والتأليه.

الانكى عبارة “انتم” التي ترافق هجوم وكر الدبابير. لذا غالباً ما انظر حولي لأرى من الـ”انتم” غيري، او أحاول ان احلل واستفهم. ودائماً تأتي النتيجة مخيبة على المستوى الفكري المراد له ان ينحسر ليتمظهر الاستشراس لإخراس من يتجرأ على طرح قراءة أخرى مغايرة للرواية الاسطورية.

كأن هناك تعميماً يوزَّع على الجميع. شيء يشبه عمى القلب.

ذات مرة، قالت لي حاملة شهادة جامعية في معرض دفاعها عن مغامرة “حزب الله” التي تقود اللبنانيين من هاوية الى هاوية، عبارة لا تختلف بحرف عما كان قاله لي علي الكندرجي، وهو اسكافي الحي الذي احترم وأقدر لأنه الابرع في انقاذ الاحذية.

عندما ذكرت للمتخرجة الجامعية ذلك، ثارت عليَّ وبهدلتني وحرّضت ابنها ضدي ليمسح الأرض بي.

الى اليوم، ما إن يسمع جمهور الحزب وأهل الذمة المهللين له ما لا يوافقهم، حتى يستنفروا ويمسحوا الأرض بمن يخالفهم الرأي.

المهم ان لدينا هذه المرة ايضاً “نصراً سوبر الهياً”، مع براعة إعلامية للترويج ذكّرتنا ببراعة تصوير عمليات القتل الداعشية في العراق وسوريا، لدى انطلاقة التنظيم وحملات الترويج لفظاعته.

وتفضلوا لزيارة المغاور مع الأدلة المحضّرة سلفاً، وربما قبل المعركة، لكاميراتكم، مع ضيافة اكسترا للجميع، بحيث لم يعد للعمل الإعلامي أي ميزة، ما دامت المعلومات تصل الى الجميع “delivery”.

كلهم يعني كلهم. الويل للاستثناء. فمن يتجرأ على رفض الـ“ديليفري” عميل ابن عميل، او أهبل او “عاهرة” نفسها خضراء لا تستحق الا سوق النخاسة. وفي كل الأحوال من يعترض، مهدور دمه.

اللافت في هذه المعمعة، استمرار الاستنفار المسيطر على جمهور المنتصرين الذي لا يزال متوتراً موتوراً حاضراً ليرمي من يخالفه الرأي في البحر، او يهدده بالتنظيم الإرهابي وسوق نخاسته وبئس المصير.

خوِّفْ خوِّنْ اشتمْ. لا يزال المطلوب على حاله: لأنك اذا هدأت وقرأت وفكرت وحللت وناقشت فقد تجد ما يستوجب المساءلة. وقد لا تجد إن كنت مؤمناً بخط معين، وهذا حق مقدس لصاحبه، لكنك قطعاً لن تنحدر الى مستوى الشتيمة. قد ترفض الرأي الآخر ولكن باحترام ومحبة

لحظة. الاحترام والمحبة لا يتوافقان مع عملية الشحن المستمرة والمسعورة.

مهارة “حزب الله” تتجلى في إبقاء الجمهور مستنفراً ومستفزاً، مع غسل دماغه بموجات “الانتصار الإلهي” المتلاحقة التي تسخِّف يوماً بعد يوم، المطالبة بوطن طبيعي، يؤمّن لهذ الشعب حقه في العيش بكرامة وفي التعليم المجاني الجيد وفي الاستشفاء وفي الأمن والأمان، على اعتبار ان تنظيم “داعش” هو الوحيد الذي يستهدفه، وليس أي مجنون او متسلط او متعاطٍ للمخدرات السائبة على طرقنا وفي أحيائنا وفي مدارسنتا. هذا من دون التطرق الى مغاور الإدارة حيث مصانع الفساد تفوق بتأثيرها على الناس مغاور أبو مالك التلي ومصانع أسلحته ومتفجراته.

ماذا عن مصانع #الكبتاغون التي تغرق السوق وتصدر انتاجها إلى الأسواق العربية؟ تلك لعمري مغاورها مقدسة وممنوع التعرض لها.

فالإرهاب على الطريقة اللبنانية يذهب بتسوية وصفقة تبادل أسرى على ما يبدو، اما مصانع الفساد والافساد في اداراتنا فلا ينسفها كل ديناميت العالم.

مهلاً، مثل هذا السلوك الذي ينطلق في حملة مركزة، يكشف مكمن الداء الذي يستوجب دراسة نفسية معمقة. فالمعروف ان الخاسر هو مَن يكون مستفزاً ومستنفراً، اما المنتصر فمرتاح الى وضعه، ولا يحتاج الى كل هذه الأساليب السوقية ليرفض وجهة نظر مغايرة.

المنتصر، سواء أكان حِرفياً أم حامل رتبة جامعية، يشعر بالهناء والاكتفاء وليس بالحاجة الى التخوين والتخويب والشتم الرخيص والبذاءة.

كأن مشروع الممانعة يضمحل اذا فترت همة جمهوره في الشتم والتطرف المذهبي. لذا يشحن من يستخدمهم دروعاً لا أخلاقية ضد من يعارضه. ويضرب عصفورين بحجر: من جهة، يسعى الى ترهيب من يملك المنطق والجرأة لرفض الانسياق والاستسلام لثقافة القطيع، ومن جهة ثانية يريح كل الكبت الكامن في صدور السائرين في القطيع الذين يشعرون بأن ما يجثم على صدروهم كمواطنين لا يزال ثقيلاً، لكنهم يمعنون في الحقد والاساءة الى غير من كان سبب ضيق صدورهم وتخريب حياتهم.

والا كيف يمكن تفسير سيل التعليقات البذيئة رداً على جريمة القراءة في ما بعد عرسال، ولِمَ اطلاق حملة تبدأ بسوق النخاسة وتمر بـ”حسن نصرالله سيكتب على علمه الاصفر بدم قتلا الحزب، انا ربكم الاعلى الولي الفقيه” ولا تنتهي بـ”ما بعد عرسال اطمنو… شرق الاوسط بكاملو تحت حذاء رجال الله”؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*