قصص البيت الزهر.. تبقيه واقفاً

رنا قاروط|
السبت13/05/2017

المدن

أدخل في لائحة الجرد للمباني التاريخية (المدن)

ينبض الزهر وسط الرمادي: قصر الداعوق على تلّة في رأس بيروت، أمامه المنارة القديمة وإلى جانبه المنارة الأخرى الجديدة. قناطره عيون على دولاب الملاهي والنادي الرياضي. وهو، المحاط بالخضرة وشجرتي بلح معمرتين، لا يبدو له مدخل ظاهر.

تصل إلى بيت الزهر عبر مفرق صغير بمحاذاة المدرسة الألمانية. تصير في حيّ مغلق، والبيت في مواجهتك على طرف مرتفع. لا بوابة حديدية سوداء له، بل باب خشبي أبيض بدفتين مع فتحات زجاجية، وشباكان طوليان ترى من خلالهما غرفة مسدسة بحيطان فيروزية، كأنها امتداد أخير للشاطئ. على جانبي الباب الداخلي لوحتان من حجر متناظرتان لصياد غزلان.

بنى القصر محمد عرداتي في العام 1882، وأضاف طبقتين إلى كوخ الصيد الخاص به، الذي كان أصلاً من طراز قديم. عاشت فيه عائلة عرداتي وأقرباؤها من بيت الداعوق خلال العقود الأولى من القرن الماضي، فعرف بقصر الداعوق. ثم نزلت فيه قبل الحرب شخصيات كبيرة مثل الجنرال شارل ديغول، د. آرثر دراي مؤسس كلية طب الأسنان في الجامعة الأميركية في بيروت، الملحق الثقافي الأميركي راس رانش والرسام جون فيرين، صديق بيكاسو.

كان آخر المستأجرين لبيت الزهر آل الخازن. استأجروه من الابن عادل، وبقيوا مدة نصف قرن (1965 – 2014) في الطبقتين الأرضية والأولى. الشيخة مارغو، ربة العائلة، دعّمت عواميد الشرفة بالباطون بُعيد الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982. وهناك صور قديمة تظهر فيها العواميد أرفع ومطابقةً للأسلوب العالمي. أعاد ابنها، المهندس سامي، رسم الطبقة الأرضية في الستينات من خلال تصاميم لفتت إليه الأنظار بشدة، فعرضت صوره مجلة الريديرز دايجيست، أشهر مجلات التزيين في حينها.

أما فايزة، الابنة، فأسست في الطبقة نفسها دار نشر “أرض لبنان”، في العام 1997، ومن العناوين التي نشرتها “حيطان وأسقف مطليّة”، الذي تناول سير قصور لبنانية تم هدم الجزء الأكبر منها. مع وفاة عرداتي من دون أولاد، باع محامي العائلة العقار إلى هشام جارودي، مالك النادي الرياضي.

على هذا الارتفاع الواطئ، يأتي اليود والشمس لـيؤججا الحواس. طاقة استشعرها بول يونغ الآتي من خلفية الوِحشة بعد انتحار أمه، والذي تجذبه البيوت المهجورة. تقدم وطرق باب البيت عندما رأى غسيلاً منشوراً على حبل، فأدرك أن المكان الساحر يقطنه أحدهم. كانت فايزة الخازن تحزم أمتعتها من أجل الرحيل بعد انتقال ملكية المبنى إلى الجارودي. قبع يونغ مع فايزة، يرسم البيت، يختزن من سياقاته ويفرغ. أفتتح فيه معرضاً للوحاته، مساء 18 تشرين الثاني 2016، استمر حتى بداية العام 2017. تخللته نشاطات موسيقية ومسرحية وجاء الأطفال ورسموا الصرح بدورهم. أراد يونغ أن يُري كيف تفتح البنايات الفارغة أبوابها لتعيش من جديد.

يقال إن لا نيّة لدى المالك الجديد بهدم البناء، الذي أدخل في لائحة الجرد للمباني التاريخية بموجب القرار رقم 24. يُروى أنه يريد تحويله إلى مطعم أو أوتيل. لكن البيت الزهر أكبر من مطعم وأصغر من أوتيل. وهو لا يصلح لأن يكون مكاناً للأكل والنوم.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*