الحقيقة كُشِفتْ… من هم “موتى وسط بيروت” ولماذا سُحنت عظامهم؟

 

 

النهار
12042017

يوم بنيت ركائز مبنى سينما الريفولي في وسط بيروت في خمسينات القرن الماضي، كان معلوماً ان المجمع الترفيهي المنشود، يستعد ليعيش أمجاده على انقاض هياكل بشرية. ذلك ان القيمين على المشروع، كانوا على علمٍ مسبق، ان المساحة الجغرافية المذكورة، كانت قد استخدمت منذ بداية القرن الثامن عشر وحتى مطلع العصر الحديث كمقابر متنوعة لدفن الاموات. لكن ذلك الواقع، لم يمنع المستثمرين من المضي قدماً في استثمارهم، بعدما نبشوا جثامين مئات الموتى، ودفنوها في مكانٍ آخر. فبناء الاساسات، عملية تتطلب الحفر وصولاً الى ارضٍ صخرية. وكان المتعهدون يجمعون الهياكل العظمية التي يصادفونها ويعثرون في عملية الحفر، ويعيدوا دفنها في مكانٍ بعيد. لكن ذلك لا يعني ان تشييد مبنى سينما الريفولي استوجب ازالة المدافن جميعها من المساحة الجغرافية المذكورة، بل فقط من المساحة التي حفرت فيها الركائز. في حين علت طبقات المبنى التاريخي في بقعة ينام تحتها امواتٌ يتساءل كثيرون عن هويتهم، واسباب دفنهم في هذا العقار تحديداً، خصوصاً أن ايًّ من العائلات البيروتية، لم تبادر الى دفن موتاها قبالة ساحة البرج. فمن هم اذاً؟

الريفولي والمدافن

لعلّ لعبة الزمن فعلت فعلها، فوحّدت مصير سينما الريفولي والمدافن القديمة المثيرة للغرابة. وإذا بمبنى الريفولي يهدم، وحجارته تعانق حجارة المدافن، فيغطيها غبار الأيام الغابرة، واذا بها جميعها، تشكّل مادةً دسمة لعلماء الآثار المنشغلون في التنقيب عما طمرته الحقبات الماضية. والنتيجة واضحة. إن ما وجده العلماء وفق معلومات خاصة حصلت عليها “النهار”، يمكن اختصاره حتى الساعة بعنصرين اثنين: أساسات مبنى سينما الريفولي التي بدأت بالظهور، وبقايا هياكل عظمية دفنت في مقابر اعتمدت فيها طقوسٌ جنائزية متنوعة. لكن اللافت أن الهياكل العظمية التي يواصل علماء الآثار التنقيب عنها بدقة، مسحونةٌ بالكامل، اذ لا يمكن للمستطلع أن يصادف جمجة رأسٍ سليمة او قفصٍ صدري غير مفتت. ذلك ان بناء أساسات سينما الريفولي، أحدث اضراراً جسيمة في الهياكل العظمية، التي سحنها الباطون بلا رحمة. وتبين ان عدداً كبيراً من المدافن، استخدم مراتٍ عديدة ولفترة زمنية طويلة، وان كل مدفن يتضمن أكثر من هيكل عظمي واحد. وتؤكّد المعلومات التي حصلت عليها “النهار” أن الطقوس الجنائزية المعتمدة في عملية الدفن، هي طقوس مسيحية في بعضها، وطقوس اسلامية في بعضها الآخر. وتبين في عملية التنقيب، وجود بقايا آثار خشبية ومسامير حديد، ما يقطع الشك باليقين، ان عدداً كبيراً من المدافن كانت تستخدم التوابيت لدفن الأموات، وهي طقوس تستخدمها الطوائف المسيحية في لبنان. وعلى رغم ان طبيعة بيروت المناخية التي تحكمها الرطوبة العالية، تعني تلقائياً تحلّل مادة الخشب في التراب، إلا ان وجود بقايا خشبية في العقار المنقب عنه، دليل قاطع على أن الموتى دفنوا في فتراتٍ زمنية قريبة، تعود الى الحقبة العثمانية، فيما تم تأكيد وجود آثار قباب اسلامية. كما ان وضعية عظام الميت الجلية، من شأنها ان تحدد ما اذا كان مسيحياً ام مسلماً. يعني ذلك ان العقار الجغرافي المذكور، استخدم لدفن موتى مسلمين ومسيحيين على السواء. وتشير معلومات “النهار” الى ان الهياكل العظمية المدفونة تعود الى سكان قطنوا بيروت قديماً بغية الحصول على فرص العمل، قادمين من بلدان أجنبية مجاورة، او نازحين من بلدات لبنانية بعيدة في الشمال والجنوب والجبل. هذا ما انتج مدافن مختلطة يتشاركها غرباء سكنوا بيروت، مهما تعددت أعراقهم ومذاهبهم. وكان البيروتيون يعلمون انتماءات العاملين والقاطنين، ويتولون عملية دفنهم وفق طقوس الديانة التي يؤمنون بها.

العهدان البيزنطي والروماني

لم تتعد عملية التنقيب في وسط بيروت مرحلتها الأولى حتى الساعة. ورغم أن الغاز الموتى الذين دفنوا في البقعة المذكورة تكشفت، الا ان العلماء يعولون على امكانية استكمال عملية التنقيب، بعد ازالة المدافن، للوصول الى مرحلة ما بعد المنطقة المخروقة بالباطون، وتالياً اكتشاف أسرار العهدين البيزنطي والروماني، حيث من المرجح ان يكون العقار قد استخدم لغاياتٍ مختلفة عن دفن الأموات. ولا يريد المنقبون خسارة أي جملة مكملة للتاريخ القديم، بل انهم بذلك يضعون التصميم العام لمتحف بيروت التاريخي، واذا ما كان سيشمل عدداً من الآثار المنقب عنها في حدود المساحة الجغرافية التي تحتضنه، ودمجها مع الآثار التي من المقرر عرضها تكملةً للمعطيات التي كتبت تاريخ بيروت. فبادئ ذي بدء، كان مخططاً بناء المتحف على حدود مساحة مبنى الريفولي، ولم يكن هناك رهانٌ على وجود آثارٍ في البقعة المذكورة. لكن اكتشاف الجزء السفلي من مبنى الريفولي تحت الاتربة، دفعهم الى تفعيل دراسات عنه، ما ادى تالياً الى اكتشاف الطبقة العائدة الى الحقبة العثمانية ما بين القرنين الثامن والتاسع عشر، ووصولاً الى مشارف العصر الحديث.

قياس الطبقات والحفر

وتتمثل التقنية المتبعة في قياس الطبقات وتالياً قراءة الحقبات الزمنية، من خلال متابعة الحفر ودراسة طبيعة بقايا الفخار والزجاج والعملة المعدنية المستخرجة من عملية التنقيب، فضلاً عن نوعية التربة. في حين ان الوصول الى طبقة ارضية لا تتوافر فيها آثار الباطون وأعمدة الأبنية، دلالة واضحة على الانتقال الى حقبة زمنية جديدة، مع العلم ان سنةً ميلادية واحدة قد تشمل اكثر من حقبة زمنية. أما ايقاف ورشة التنقيب، فهو قرارٌ تتخذه المديرية العامة للآثار، وفق تقويم الأثر الموجود الذي يدرسه المدير العلمي شخصياً ويبني تقريره على أساسه. والجدير ذكره، أن الاستراتيجية المتبعة في عملية التنقيب، يستخدمها علماء الآثار الالمانيون، الذين يحفرون تلال المدن، من أعلاها الى اسفلها، لاكتشاف خباياها التاريخية، كما انها تقنية متبعة في المدن الأوروبية كأثينا وروما. ولعل السر في علم الآثار يكمن في الغبار والتراب المتراكم الذي يدفن تحته حقبات الماضي العتيق عبر الزمن. تتراكم الاتربة على مدى آلاف السنين ما ينتج تلالاً ترابية تدفن فيها الآثار.
العملية أشبه بغياب صاحب البيت عن منزله اشهر قليلة. وهو عندما يعود ليفتح باب المنزل، سيجد الغبار يأكله. هكذا يفعل الزمن مع الأرض، بعد الفي سنة من شروق الشمس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*