بيروت.. سوق الطيّب السياسي

اليوم وكما كل سبت سأذهب الى سوق الطيب سوليدير لأستمتع بقصة النجاح الوحيدة في بيروت منذ عشر سنوات، يوم بدأت هذه الفكرة الطيبة وكان عدد المشاركين فيها لا يتجاوز العشرة عارضين، يأتون بأفضل ما عندهم من مناطقهم النائية. وهنا لا بدّ من الاعتراف لأصحاب فكرة سوق الطيب بأنها فكرة عبقرية، وللثنائي الزغرتاوي سوزان وسركيس بنَفَسِهم الطيب وكرمهم والكبة الزغرتاوية المميزة التي جذبتنا جميعاً كل سبت الى سوق الطيب.
انتقل سوق الطيب في السنوات الماضية من الصيفي فليج الى أسواق بيروت، ليستوعب خليطاً بشريّاً غريباً عجيباً، من البقاع الى الشمال والجبل والجنوب، مع لمسة خاصة للشيخ في أوّل السوق ثم بائع العسل وجارته عالمة التفاح، ثمّ الخضار والأعشاب البرية والصاج وايضا الزوجين الذين يقطّران الأعشاب من إكليل الجبل الى الزعتر البري. في سوق الطيب يلتقى بائع الحلوى الحديثة والأسماك اليابانية مع خبز الصاج والمناقيش ومربى التين. سوق الطيب خليط غريب عجيب يشبه بيروت الحاضنة والمحبة للجميع.
الاحد الماضي كان هناك محاولة في ساحة رياض الصلح لاستحداث قصة نجاح جديدة لسوق الطيب السياسي، اذ تقاطرت المجموعات السياسية المتناقضة، وفرشت كل جماعة بضاعتها في مكان خاص بها. والى حدّ بعيد كان عدد المجموعات السياسية التي نزلت الى سوق الاحد السياسي أكثر بكثير من الذين يعرضون بضاعتهم في سوق الطيب يوم السبت. ولكن للأسف لم يحقّق سوق الاحد السياسي قصة نجاح، لأنّهم كانوا يحاولون تقديم أسوأ ما لديهم من غضب واختلاف وانقسام وقلق. أي انهم كانوا يعرضون في بيروت كل ما كرهناه ايام النزاع، في حين يقدّم الباعة في سوق الطيب ايام السبت أفضل ما لديهم وأجمل ما عرفناه واحببناه في حياتنا وذاكرتنا.
الأحد الماضي بحثت بين جموع الصديقات والأصدقاء والمعارف الذين نزلوا الى سوق الطيب السياسي، فلم أرَ بينهم من لا يريد النجاح لان معظم المشاركين يوم الاحد لديهم الكثير من المعرفة والثقافة والاخلاق والوطنية، الا ان كل المعروضات في سوق الاحد السياسي كانت رغبات شخصية وأحقاد شخصية وطموحات شخصية واستهدافات شخصية. وكان الجميع لا يتحدث مع الجميع وكل جماعة تتنكّر لوجودها العلني مع الجماعة الأخرى، والكلّ يريد ان يصور الجموع المتناقض والمتنوع وكأنّه جمهوره،حيث تداخل الشأن الخاص بالشأن العام.
لا أعتقد أنّ تجربة سوق الطيب السياسي الاحد الماضي قد نجحت. لا بل على العكس كادت ان تؤدّي الى نتائج مأساوية. ولو أصيب احد الرؤساء بضرر ما، لما كنّا اليوم نتحدّث عن سوق الطيب أو غيره بل كنّا نبحث عن صاحب الفكرة الأساسية بالنزول الى الساحة والتظاهر، لأنّ الجميع كانوا سيتنكرون لدعوتهم لو حدث عنف، لا سمح الله، او سقطت اي قطرة دماء. وربّما بات من المفيد أن تترك الساحات السياسية للقوى النقابية والمطلبية والقطاعية ألذين اثبتوا أنّهم أقدر على تجميع الأحزاب والنَّاس حول قضايا واضحة الأهداف.
أدعو الصديقات والأصدقاء الذين فشلوا في استحداث سوق الطيب السياسي يوم الأحد الماضي العودة الى سوق الطيب الطبيعي كل يوم سبت، لشراء الخضار والمأكولات الشعبية، اللبنانية والأرمنية والسورية، خصوصاَ مع بداية الربيع وموسم الأعشاب البرية، من القرة الى الجرجير وقرص العنه وغيرها، ولا بأس من فنجان قهوة على الهامش للتحدّث بالسياسة بعد ان فشل سوق الطيب السياسي نهار الاحد الماضي.
ahmadghoz@hotmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*