تهويل خليل فعل فعله في الأسواق فهل تخفف تطميناته التداعيات؟

ليست المرة الاولى يُضطر فيها وزير المال علي حسن خليل الى التراجع عن السقوف العالية التي يطلقها في توصيفه للوضع المالي المأزوم للخزينة، وذلك لاعتبارات اساسية تتصل بالتداعيات السلبية التي تثيرها تلك السقوف في ظل وضع داخلي هش لا يحتمل أي نوع من الخضات او المواقف ما لم تكن مقرونة بمعطيات تحقق الهدف المرجو منها.

هكذا كانت حال صرخة خليل في مجلس النواب قبل نحو شهرين، عندما اعلن ان الخزينة فارغة، واضعا بكلامه علامة استفهام كبيرة حول وضع المالية العامة ومدى القدرة على تأمينها الحاجات التمويلية للدولة، بما فيها رواتب موظفي القطاع العام.

وما لبثت مفاعيل تلك الصرخة أن ذُوبت من خلال رضوخ خليل لاكتتاب المصارف في سندات الخزينة لتمويل العجز الحاصل بمعدل الفوائد الذي قفز مما هو معمول به سابقا، أي 7 في المئة، الى ما يتجاوز الـ10 في المئة.

وهكذا كانت حال كلامه الاخير عن خطة تعدّها وزارة المال وترمي الى تصحيح طوعي للدين العام. وقد جاء وقعه كالقنبلة في اسواق السندات التي شهدت حالا من الذعر، وخصوصا ان الكلام صادر عن أعلى مرجعية مالية في الدولة، وتزامن مع صدور تقرير عن مصرف “غولدمان ساكس” يوصي بضرورة خفض نسبة الدين العام الى 50 في المئة من الناتج، ما يستوجب شطب نحو 35 في المئة من هذا الدين المحمول في جزئه الاكبر من مصارف ومستثمرين.

الكلام الذي تدحرج منذ صدوره اول من امس ككرة ثلج في الاسواق الدولية حيث التعامل بالسندات اللبنانية المدرجة، كما المحلية، استدعى تحركا فوريا من اجل احتواء مفاعيله، ليس دفاعا عن المصارف او عن سياسة خدمة الدين المكلفة الجارية منذ خرج لبنان الى الاسواق الدولية، بل لأن الكلام بما حمله، لا يعكس توجّه الحكومة اللبنانية في معالجة مشكلة المديونية، ولا يحظى بأي توافق سياسي حوله، فضلا عن توقيت سيئ وخطير نتيجة الظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد الغارقة في أزمة سياسية حادة بفعل تعثر تأليف الحكومة، معطوفة على حملة اعلامية وسياسية واسعة توظف المؤسسات المالية الدولية لضرب القطاع المصرفي اللبناني تحت عنوان ضرب انخراط “حزب الله” في النظام المصرفي اللبناني الذي يمكّنه من ولوج النظام المصرفي الدولي.

بعد حركة الاتصالات الكثيفة التي شملت كل القوى السياسية، اضافة الى حاكم المصرف المركزي والهيئات الاقتصادية، تراجع وزير المال عن كلامه، وانما ليس عبر وسيلة اعلامية محلية، بل دولية، من اجل ان يؤتي التوضيح الصادر عنه نتيجته ويحد من الاضرار التي موقفه الاول.

ولكن السؤال الذي شغل الوسطين السياسي والاقتصادي أمس تمحور حول الاسباب التي دفعت خليل الى قول ما قاله، رغم ادراكه (او عدمه) دقة الكلام المنقول عنه وتأثيره على الاسواق في الظروف الدقيقة الراهنة. وهل يمكن ربط كلام وزير المال بخلفية سياسية تتصل بالمرجعية السياسية التي يمثلها في السلطة، خصوصا أن خليل هو المعاون السياسي لرئيس حركة “أمل” الرئيس نبيه بري؟

وفق مصادر سياسية مطلعة على موقف رئيس المجلس، ان كلام خليل لا يلزم بري ولا يأتي في اطار توجه سياسي محدد، بل انه أثار امتعاضا في الاوساط القريبة من رئيس المجلس نظرا الى ما يتركه من انعكاسات سلبية لا تلتقي مع جهود الاخير لتبريد المناخ المأزوم سياسيا.

في الخلاصة، هل تخفف التطمينات والشروحات التي صرح بها خليل امس لوكالة “بلومبرغ” صدى الكلام السابق، فتستعيد الاسواق هدوءها حيال السندات اللبنانية؟

تؤكد مصادر اقتصادية متابعة ان التوضيحات يجب ان تخفف حدة التشنج، ولكن الظروف المالية في البلاد، في غياب حكومة وتعذر السير بالاصلاحات المالية المطلوبة من أجل إرساء مناخ من الجدية والالتزام، ولا سيما ان لبنان مدعو الى رزمة اصلاحات تتيح له الافادة من اموال مؤتمر “سيدر”، لن يساعدا على ارساء الثقة المطلوبة بسندات الدين اللبنانية. فالضرر وقع وباتت الاوراق اللبنانية اكثر انكشافا، إن على صعيد اسعارها التي شهدت تراجعا كبيرا (لم يكن الاول بعد صدور تقارير دولية عدة تسأل عن قدرة لبنان على تمويل عجوزاته)، او على صعيد تسويقها او تسويق اي سندات جديدة سيحتاج اليها لبنان في المستقبل، وهنا السؤال المطروح: بأي كلفة. والنقطة الاخيرة التي لا تقل اهمية عن سابقاتها، تتصل بمستقبل تدفق الودائع الى لبنان في المرحلة المقبلة، ووتيرته.

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*