ليوناردو دافينشي… شخصيةُ الفنانِ التي تُخفي سيرةَ رَجُلِ حَرْبٍ

 

عبدالدائم السلامي
القدس العربي
16112018

بعد أن انطفأت منذ ثمانينيات القرن الماضي جذوةُ إبداعِ الفكر الفرنسي برحيل أشهر أعلامه، على غرار فوكو وبارت ودولوز ودريدا، ظهرت منذ بداية القرن الواحد والعشرين كوكبةٌ من الفلاسفة والباحثين والمؤرخين، الذين وجهوا جهودَهم الفكريةَ إلى نقد الفكر الغربي ذاته، والفرنسي منه بالخصوص، ضمن ما يمكن أن يُسمى مشروع تبديد أوهام مركزية الثقافة الغربية، حيث كشف ميشال أونفري عن زيف أسطورتي فرويد وسارتر، وعرّى باسكال بلونشار حقيقةَ استغلال الأوروبيين الجنسي لنساء البلدان التي استعمروها تحت مسمى التحرر ونشر حقوق الإنسان والديمقراطية، وقد عاضدهم في ذلك عالم النفس الكندي ستيفن بينكر، الذي أكد في جُل كُتبه أن عصر الأنوار ليس صناعة غربية بحتة، وإنما هو حدثٌ شاركت في ظهوره ثقافاتٌ أخرى عديدة منها الإسلامية والآسيوية، كما أن الغربَ ذاتَه كان دومًا ضد التنوير، بدليل أنه هو مَن اخترع الفاشية والشمولية. وفي السياق ذاته، خص باسكال بْرِيوَا كتابه «ليوناردو دافينشي: رَجُل حربٍ» (منشورات أَلْمَا) كاشفا فيه عن الجانب الحربي المخفي من حياة ليوناردو دافينشي (1452- 1519) ومقوضًا بُنْيانَ أسطورتِه.

لا شيء يبدو مستحيلاً على هذا «المهندس العسكري» الذي لا يكل عن ابتكار آلات القتل ولا يمل من تنويع اقتراحاته حول الإفناء الجماعي.

يذكر المؤرخ باسكال بْرِيوَا أننا غالبا ما نستسلمُ لتأثير شخصية دافينشي الفنان ونغفل عن اهتماماته الحربية وأنشطته المتصلة بالعمل العسكري، بل إننا كثيرا ما نُلفي أنفسَنا، ونحن نقرأ المخفي من سيرَتِه، بَعِيدين عن صورة دافنشي التي وقع تسويقها لنا منذ القرن السادس عشر، ويظهر فيها رجلاً حالمًا ذا اهتمامات جمالية بحتة، لنقف على حقيقة أخرى له تقول إنه كان رجلاً شَرِهًا للمال، واستغل عبقريتَه في التصنيع العسكري ليزيد من قوة التدمير، الذي طال شعوب أوروبا خلال الاقتتال بين المماليك في زمنه. يذكر باسكال بْرِيوَا أنه اتكأ في تحرير كتابه على مصادر أرشيفية مهملة عن حياة دافينشي، ما خول له إعادة كتابة مسيرة هذا الرجل الطموح الذي كان يجوب إيطاليا متبعا زعماء الحرب والسياسيين، سواء أكان ذلك لتقديم أسلحة للمشاة ضد سلاح الفرسان، أم لتحسين نوعية البارود، ولا شيء يبدو مستحيلاً على هذا «المهندس العسكري» الذي لا يكل عن ابتكار آلات القتل ولا يمل من تنويع اقتراحاته حول الإفناء الجماعي.

خلال حياته، ابتكر ليوناردو دافينشي عدة آلات حرب وعدة تقنيات لتحصين القلاع والمواقع العسكرية. كما أن معظم اختراعاته لم يتم إنجازها وبقيت رسومًا على الورق، لكنها كانت ثورية في زمنها. لقد كان يصنع آلات الحرب ويقول إنه لا يحب الحرب، بل لقد أمضى حياته في اختراع آلات الدمار الشامل، ولم يكن يهتم كثيرًا بصفة الفنان. من ذلك أنه لم يُخفِ في الوثيقة التي قدّم فيها نفسه لليودوفيك لو مور، دوق ميلانو، عارضًا عليه خدماته، تفاخرَه بمهاراته الهندسية والحربية كبناء الجسور، وفنون الحصار، وآلات القصف، وصناعة الدبابات والمنجنيقات، ولم يذكر صفته كفنان إلا في نهاية قائمة خدماته. ويتساءل هذا المؤرخ عن تناقض شخصية دافينشي قائلا: «هل يُعقل أن أكثر من ثُلُثِ رسوماته يدور حول الحرب، وهو الذي كتب في إحدى رسائله أن «الحرب هي الجنون الأكثر توحشا»؟ وهل من المعقول أن ما وضعه في البنك بعد سنتَيْن من الخدمة مع اللورد الإيطالي سيزار بورجيا يساوي كل ما تلقاه مايكل أنجلو مقابل أعماله في كنيسة سيستين؟

ابتكر دافينشي عدة آلات حرب وعدة تقنيات لتحصين القلاع والمواقع العسكرية. كما أن معظم اختراعاته لم يتم إنجازها وبقيت رسومًا على الورق، لكنها كانت ثورية في زمنها.

الواضح أن ليوناردو دافينشي لم يكن مهندسا عسكريا من قبيل الصدفة. لقد قام ببناء مسيرته العسكرية عن وعي ورغبة في ذلك، وقد وظفه فرانسوا الأول ملك فرنسا بوصفه مهندسا عسكريا أولا ورسامًا ثانيا. إن الوقت قد حان لتصحيح نظرة تقدير مبالغ فيها لهذا «العبقري الشهير»، وهي صفة تبقى محل شك كبير». ويُضيف باسكال بْرِيوَا قوله إن دافينشي لعب دورًا مهمًا في تطوير آلات الحرب، وإن أغلب التجهيزات العسكرية الحديثة مستلهَمة من رسوماته وأفكاره. وتكشف بعض الوثائق الأرشيفية أنه كان حريصا على العمل وحيدا، ولم يقبل أن يُشاركه أحد في أفكاره العسكرية، ذلك أنه لم يكن يتشارك اختراعاته مع علماء ومهندسين آخرين في ذلك العصر، لقد أراد أن يكون مؤسسَ اختراعاته الوحيد، وحافظَ سر صناعاته، وإن دورَه في الحرب كان كبيرًا وفعالاً. فالدبابة كانت واحدة من اختراعاته المتقدمة مقارنة بوقته. صحيح أنها كانت بدون محرك، ولم يكن بإمكانها التحرك بسرعة، ولكن دافينشي اعتمد على بعض الرجال لتحريك أذْرُعها، وجعلها تتقدم مطلقةً بارودَ مدافعها في كل الاتجاهات. كما رسم ليوناردو دافينشي مدفعا قادرا على توجيه طلقاته أفقياً وعمودياً، ما يمكن من القيام بهجمات أكثر دقة. كما صمم مدفعا قابلا للشحن من الخلف، مختلفًا عن المدافع الأخرى التي تُشحن من الأمام، بالإضافة إلى تطور آلاته الهجومية، كان قد تصور آلة عسكرية قادرة، في حالِ تعرضت القلعة لهجوم تُستخدم فيه السلالم لتسلق الجدران، على دفع تلك السلالم ومنع المهاجمين من دخولها.
أنشأ ليوناردو آلات حرب أخرى مثل المدفع البخاري، والنشاب العملاق، والدبابات المدرعة. ففي عام 1480، اخترع الرسم التقني (التصميم) لآلاته الحربية ليوضح كل جزء من الآلة لمزيد فهم استخدامها والقدرة على تصنيعها. وفي عام 1482، كرّس نفسه لصناعة بعض آلاته في ميلانو الإيطالية، غير أنه لم يكن بالإمكان تصنيع كل اختراعاته في ذلك الوقت بسبب عدم توفر المواد الضرورية لها.

٭ كاتب تونسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*