فيروز… في القدس العتيقة أعطوها مزهرية

كمال ديب
النهار
13112018

“الرحابنة هم أم وأب العمل الفدائي” (من افتتاحية ميشال أبو جودة في “النهار”)

“مرّيت بالشوارع … شوارع القدس العتيقة/ قدّام الدكاكين … اللي بقيت من فلسطين/

حكينا سوى الخبريّة … وعطيوني مزهرية/ قالوا لي هيدي هديّة… من الناس الناطرين”

في العام 1955 وكان لها من العمر 20 عاماً، بدأت فيروز العمل مع إذاعة “صوت العرب من القاهرة” التي أسّسها الرئيس جمال عبدالناصر في تلك الفترة. إذ إنّ تلك الإذاعة المصرية في ذلك العام وجّهت دعوة لعاصي ومنصور الرحباني وفيروز بهدف التعاون (وكان عاصي وفيروز قد تزوّجا باكرًا في ذلك العام). وقّع عقد لمدّة ستة أشهر مع مدير الإذاعة أحمد سعيد لتأليف أغنيات وأناشيد وبرامج إذاعية خاصة بالإذاعة.

طلب أحمد سعيد أعمالاً تخدم القضيّة الفلسطينية التي كانت حديثة العهد بعد نكبة فلسطين عام 1948. فاقترح منصور وعاصي أن تكون هذه الأغاني والأناشيد مرتبطة بفولكلور فلسطين فتعطي الناس زخماً للصمود والمقاومة بلهجة يفهمونها وجمل شعبية من تراثهم. فأعجبته الفكرة، ولإعطائهما فكرة عن الفولكلور الفلسطيني، عرض عليهما أرشيف الإذاعة، ومنه أغنيات فلسطينية بعضها عن غزة التي كانت تحت الإدارة المصرية وتتعرّض لغارات اسرائيلية متتالية. لم تلقَ هذه الأغنيات استحسان عاصي ومنصور اللذين وجداها حزينة ولا علاقة لها برفع معنويات الناس. وقالا لأحمد سعيد: “لا يمكن التعاطي مع قضية فلسطين هكذا، بل يجب استنهاض الهمم”.

وهكذا عوضاً من أغنيات الحزن واليأس، أنتج الرحابنة عملاً جديداً ومتفائلاً هو مغناة راجعون بصوت فيروز ومعها الفنان المصري كارم محمود والكورس. وأضافا مجموعة من الأغنيات عن القدس وفلسطين بصوت فيروز. ثم سجلاها في بيروت مع ميشال بريدي. ويقول منصور: “ذات مساء في القاهرة وفي سهرة خاصة، قال لنا توفيق الحكيم والدكتور حسين فوزي: “بأعمالكما أنقذتما التراث العربي الكلاسيكي من البلادة”. كما التقى الأخوان رحباني في القاهرة بملحنين مصريين انتقلت إليهم عدوى الأغنية اللبنانية القصيرة والكلمات اللبنانية التي دخلت الأغنية المصرية.

انتشرت أغنيات فيروز والرحابنة عن فلسطين ونجحت بعدما بثّتها الاذاعات المصرية واللبنانية والسورية لعدة أعوام وبقيت من الكلاسيكيات الخالدة وبخاصة بعد صعود العمل الفدائي الفلسيطيني عام 1965. هذا التعاون مع إذاعة “صوت العرب من القاهرة” ثم مع “إذاعة دمشق” أظهر حسّاً عربيّاً عند الرحابنة وانفتاحاً على محيط لبنان. فبعد حرب 1967 عمل عاصي ومنصور مع محمد عبدالوهاب على أناشيد جديدة لاستنهاض المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي كان أبرزها “حيّ على الفلاح”:

“كورس: طول ما أملي معايا وفى إيديّا سلاح.. حافضل أجاهد وأمشي من كفاح لكفاح

وطول ما إيدي فى إيدك أقوم وأهتف وأقول.. حي.. حي على الفلاح

عبدالوهاب: زاحف يا شعبي .. تِمحِي الماضي رياحك.. عهدك جوّه فى قلبي .. والبطولة جراحك”.

وكذلك النشيد الوطني “سواعد من بلادي تحقق المستحيلَ.. وهمّة من بلادى تبني مصيراً وجيلا”. وانتشرت أغاني الرحابنة عن المقاومة الفلسطينية حتى إنّ الصحافي في صحيفة “النهار” ميشال أبو جودة كتب في إحدى افتتاحيته أنّ الرحابنة هم “آباء العمل الفدائي”. أمّا شاعر فلسطين الأكبر محمود درويش فقد رأى أنّ الرحابنة قدّموا للأغنية الفلسطينية أكثر من أي مبدع آخر. كما أنّ إذاعة صوت فلسطين من القاهرة التي موّلتها مصر كانت تفتتح برامجها وتختمها بأغنية “راجعون”:

في الأمطار راجعون في الإعصار راجعون

في الشموس في الرياح في الحقول في البطاح

راجعون راجعون راجعون

اع صيت فيروز بشكل عارم في سوريا أولاً ذلك أنّ السوريين وجدوا في فيروز مطربتهم الوطنية المفضّلة. حتى إنّ أهل دمشق اعتبروا أغنية “نحن والقمر جيران” تخصّهم وكأنّها نشيد ثان لسوريا بعدما بدأت فيروز سلسلة حفلاتها في معرض دمشق الدولي ابتداءً من 1959. كما قدّمت قصة تاريخية للأردن هي بترا في مهرجان جرش.

لا أظن أن أياً من الناس لا تتحرّك مشاعره ويهتز وجدانه بقوة عندما يسمع فيروز في أغاني فلسطين: خذوني إلى بيسان… “كانَ لنا مِن زمانٍ بيّارةٌ جميلة وضيعةٌ ظليلة.. ينام في أفيائها نيسان.. ضيعتُنا كان اسمها بيسان.. خذوني إلى بيسان إلى ضيعتي الشتائية” وأغنية بعدنا، “بَعدَنا.. مَن يقصد الكروم؟.. مَن يملأ السلالي؟.. مَن يقطف الدّوالي؟” وأغنية زهرة المدائن: عيوننا إليك ترحل كل يوم… تدور في أروقة المعابد.. تعانق الكنائس القديمة وتمسح الحزن عن المساجد.. يا ليلة الإسراء يا درب من مروا إلى السماء عيوننا إليك ترحل كل يوم وانني أصلي.. الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان… يبكيان لأجل من تشردوا.. لأجل أطفال بلا منازل .. لأجل من دافع واستشهد في المداخل… وحين هوت مدينة القدس.. تراجع الحب وفي قلوب الدنيا استوطنت الحرب…

لن يقفل باب مدينتنا فأنا ذاهبة لأصلي.. سأدق على الأبواب وسأفتحها الأبواب… وسيُهزم وجه القوة … البيت لنا والقدس لنا وبأيدينا سنعيد بهاء القدس”.

أعاد الأخوان رحباني وفيروز رفد الأغنية الوطنية، وتحديداً الأغنية الفلسطينية المقاومة، بدم جديد مخرجين إياها من الرتابة والرطانة. وملأوا مزهرية فلسطين بأزهار الأمل وورود المقاومة والإيمان ومياه الحياة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*