تصوير الحب والإيروتيكية والنرجسية في الفن عبر التاريخ… ما علاقة آدم وحواء بتطبيق “تندر”؟

 

لطالما شكل الحب مصدر إلهامٍ للفنانين والفنانات على مدى قرونٍ عديدةٍ، وفي ظل عصر التكنولوجيا والرقمنة، ومع تحول المزيد منا إلى تطبيقات المواعدة للعثور على “النصف الآخر”، فإن تجربة المواعدة عبر الإنترنت أثارت فضول أهل الفن المعاصرين الذين انهمكوا في محاولة اكتشاف هذه الظاهرة التي تطال جميع الناس دون استثناء.

من هنا حاول معرض جديد في”كونشثال” في بريمن في المانيا تقفي أثر الطرق المختلفة التي تم بها تصوير الحب في الفن على مر العصور، من المثل الكلاسيكية إلى عصر الكمبيوتر، هذا وتكشف الأقسام الخمسة المختلفة: الأزواج العاديون، الأزواج الحقيقيون، الحب الذاتي، الجمال والشهوة الجنسية، أنه بالرغم من أن أشكال وتصورات الحب قد تغيّرت مع الوقت لا يزال هناك أوجه تشابه بين التجربة القديمة والتجربة الحديثة.

آدم وحواء

صحيح أن تطبيق “تندر” للمواعدة لم يكن موجوداً في عصر آدم وحواء إلا أن هناك وجه شبه بين العلاقة السابقة للثنائي وتلك التي نشهدها في عصرنا الراهن، بحسب ما أشار موقع “بي بي سي” في تقريره.

علماً أن آدم وحواء يشكلان الزوجين الأصليين اللذين انتشرت صورهما على أيدي أعظم الفنانين في التاريخ، من أجل توضيح مخاطر المتعة الجسدية وطبيعة الإنسان الخاطىء.

تعتبر المشرفة على المعرض “جاسمين ميكين”، أن حواء التي أغوتها الحية قدمت نموذجاً لجميع العلاقات المستقبلية التي يجب اتباعها بالمعنى الحرفي للكلمة: “كلاهما يعيش في الفردوس ومتيّم بالآخر ثم تأتي اللحظة التي يدرك فيها أحدهما أن الطرف الآخر غير مثالي، وهنا تبدأ الأزمة”، ومع ذلك ولحسن الحظ فإنه من غير المرجح أن تنطوي أي علاقة معاصرة على النتائج الدراماتيكية التي أثارتها “تفاحة” حواء.

كيوبيد وبسايكي

من آدم وحواء نصل إلى قصة الحب الأسطورية التي جمعت “كيوبيد وبسايكي” إذ نجد أن هناك خطوط تشابه بين القصة القديمة وبين مسألة التعارف عن طريق الإنترنت.

في الميثولوجيا الرومانية تحكي القصة عن كيوبيد، وهو ابن فينوس إلهة الحب والجمال لدى الرومان، والذي عرف بحبه لحمل السهم، وفي إحدى المرات أصيب كيوبيد بسهمه ووقع في حب فتاة تدعى “بسايكي” إلا أنه كان خائفاً من إعلان حبه لها وكان يزورها فقط في الليل، لتكتشف المرأة في نهاية المطاف أنها  كانت”تنام مع إله الحب”.

أقوال جاهزة

شاركغردحواء التي أغوتها الحية قدمت نموذجاً لجميع العلاقات المستقبلية التي يجب إتباعها بالمعنى الحرفي للكلمة: “كلاهما يعيش في الفردوس ومتيّم بالآخر ثم تأتي اللحظة التي يدرك فيها أحدهما أن الطرف الآخر غير مثالي، وهنا تبدأ الأزمة”

شاركغردأصيب كيوبيد بسهمه ووقع في حب فتاة تدعى “بسايكي” إلا أنه كان خائفاً من إعلان حبه لها وكان يزورها فقط في الليل، لتكتشف المرأة في نهاية المطاف أنها كانت”تنام مع إله الحب”.

واللافت أن هذه القصة تشبه إلى حد كبيرٍ لعبة الاختباء والبحث في مواقع التعارف على الإنترنت حيث يخشى بعض الأشخاص الكشف عن حقيقتهم وهويتهم الفعلية، مع العلم أنه في اللحظة التي يكشفون فيها عن ذواتهم تبدأ العلاقة بين الطرفين، على حدّ تأكيد “ميكين”.

مفهوم الحب والجمال

أوضح موقع “بي بي سي” أن مفهوم الأزواج الحقيقيين مرتبط بشكلٍ وثيقٍ بفكرة الحب “الرومانسي” الذي بدأ في الانتشار في العام 1800، لأن قبل هذه الفترة، كان عامل القرابة والحاجة الاقتصادية والسياسية في كثير من الأحيان يلعبان دوراً كبيراً في مسألة الزواج ويجسدان الاتحاد الاجتماعي والسياسي. وتعتبر لوحة عائلة “كارل فريدريش ديمياني” التي تعود للعام 1806 مثيرة للاهتمام بحيث أنها تجسد الحرية الجديدة للزواج من أجل الحب.

بالرغم من أن أشكال وتصورات الحب قد تغيّرت مع الوقت لا يزال هناك أوجه تشابه بين التجربة القديمة والتجربة الحديثة.

وبالطبع في وقتنا الراهن نحن نختار بحرية الشخص الذي نريد الارتباط به فعلياً أو مواعدته، إلا أن هذه الحرية يمكن أن تكون سلبية خاصة أنها تنطوي على لقاءاتٍ رتيبةٍ ومملةٍ في محاولة للعثور على “الشخص المناسب”، وهو أمر تناوله فيديو لـ”كاثارينا داكريه” و”لينا هاينز” و”جاكوب ويث” إذ تم تصوير أزواج يجلسون متقابلين أثناء الشروع في حوار لطيف ومألوف على نحو مبتذل لأي شخص حاول التواصل عبر تطبيق الموعدة.

وفي هذا الصدد اعتبر الموقع أنه غالباً ما يتم انتقاد المواعدة عبر الإنترنت لكونها تركز على المظاهر والشكليات، لكننا نخدع أنفسنا إذ كنا نعتقد أن الجمال لم يكن دائماً عنصراً رئيسياً للجذب، لا سيما أن لكل عصر جمالية مثالية خاصة به:

ففي القرن التاسع عشر، كانت الموديل الإيطالية “فيتوريا كالدوني” محبوبة للغاية من قبل الفنانين الألمان الذين يعيشون في روما “وكانت كل الوجوه في هذه الفترة تبدو مثلها”، في حين أن الرسام “انسيلم فيورباخ” كان معجباً بالشكل الكلاسيكي للعارضة الإيطالية “آنا ريزي” لدرجة أنه رسمها 20 مرة على الأقل، ومن المؤكد أيضاً أن شخصية “سيلفيت ديفيد” لم تكن هي وحدها التي جذبت بيكاسو عندما رآها لأول مرة في الحديقة المجاورة وقرر أن يرسمها.

وبالتالي يمكن القول إن قصص الحب القديمة هي نسخة عما يحصل حالياً في العالم الافتراصي “عندما تجد شخصا جذاباً تريد أن تتعرف عليه عن كثب”.

“فيتوريا كالدوني”

ولكن مفهوم الجمال نسبي، وهي الحقيقة التي أظهرتها الفنانة التركية “إيلو أصلان” بعد أن رغبت في فهم منظورنا للجمال في عالمنا المعاصر حيث تطغى وسائل التواصل الاجتماعية وتطبيقات المواعدة، من هنا قررت المصورة التركية لقاء 25 رجلاً كانت قد تعرفت عليهم عبر تطبيق “تندر” وطلبت من كل واحد منهم أن يخبرها عن الشق الذي يجده جذاباً فيها والعكس، وبطبيعة الحال أعطى كل رجل إجابة مختلفة تماماً عن المجموعة الباقية، فرتبت “أصلان” الإجابات في كتاب “ترومب لوي أو غش العين”  الذي يظهر على الجانب الأيمن الأجزاء “الجذابة” من جسدها وعلى الجانب الأيسر الأجزاء غير الجذابة.

النرجسية عبر تطبيقات المواعدة

يمكن القول إن فكرة “حب الذات” تحمل دلالاتٍ سلبية في تاريخ الفن، لكن بالنسبة إلى “ميكين”، فإن الأمر يتعلق بـ”التفكير في علاقاتنا، وكيفية تعامل بعضنا مع بعض ومع احتياجاتنا”.

هذا الأمر توصل إليه الفنان الهولندي “درايز فيرهوفين” بعد فترةٍ طويلةٍ من استخدام تطبيقات مثل غرايندر بحيث أنه لاحظ أن التركيز دائماً على الجنس عوضاً عن الحميمية، مشيراً إلى أن معظم تطبيقات المواعدة الخاصة بالمثليين لا تشجع على أن يكون المرء ضعيفاً وغامضاً.

من هنا بدأ “درايز” يتساءل عمّا سيحدث في حال استخدم المجال الجنسي الصريح للتعبير أيضاً عن احتياجاتٍ أخرى وكانت النتيجة أنه انخرط في مشروع “حب في زمن غرايندر” بحيث أنه أمضى 10 أيام في حاوية زجاجية بينما كان يتواصل مع الرجال من خلال مجموعةٍ متنوعةٍ من التطبيقات للقيام بأنشطةٍ غير جنسيةٍ مثل الطهو أو الرقص.

الإيروتيكية

شكل الجانب “الإيروتيكي” للحب مصدر إلهام طوال تاريخ الفن، وبالرغم من أن الفنانين لم يكونوا صريحين دوماً إلا أن المرأة في لوحة “كريستشين  فان كوفنبرغ”  التي تعود للعام 1632 لا تترك لنا إلا القليل من الشك حول نواياها تجاه الشاب الذي يجلس إلى جانبها أثناء اقترابها من السرير.

ففي أواخر القرن التاسع عشر، شعر الفنانون بحريةٍ أكبر في تحدّي الأعراف والتقاليد، ففي لوحة “القبلة”  (عام 1895) يتحد العاشقان العاريان في عناقٍ طويلٍ لا ينتهي.

 واللافت أن هذه اللوحة ألهمت الفنانة الهندية “إندو هاريكومار” في العام 2016 لخلق مجموعةٍ من الصور التي تعكس حكاية “تندر”، فقد طلبت من بعض الأشخاص أن يخبروها عن تجاربهم مع تطبيق المواعدة لتقوم بعدها بإطلاق مجموعةٍ من الرسوم التوضيحية المستوحاة من قصص الأفراد وتجاربهم، وخاصة قصة العلاقة الافتراضية التي انتهت في غرفة النوم بعد 5 دقائق مرت على لقاء الثنائي في الحياة الحقيقية لتطور العلاقة إلى حب لا ينتهي.

ترى “ميكين” أن “فينوس”، إلهة الحب ووالدة “كيوبيد” تبقى المصدر الرئيسي وراء الوحي حين يتعلق الأمر بتصوير الحب والرغبة، بالرغم من أن حياتها العاطفية كانت بعيدة كل البعد عن الكمال. ففينوس متزوجة من فولكان إلا أن كيوبيد ليس ابنهما، بل نتيجة لعلاقة غرامية مع مارس.

تقول “الحب ليس بسيطاً أو واضحاً. الحب معقد”. سواء كان مع الإنترنت أو من دون مساعدته، لن يحدث أي شيء لتغيير ذلك، ولعلّ هذا هو السبب في عدم العثور على تجسيد مثالي للحب”.

إقرأ المزيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*