الفيلم المغربي «غزية»… كازابلانكا بعيدا عن أحلام هوليوود

 

آية الاتاسي
May 28, 2018
القدس العربي

 

■ «غزية»، تعني «غزوة» أي اقتحام حيز غريب، حقيقة أو مجازاً والاستيلاء على مقتنياته، وبمعنى آخر، السرقة في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع.
المسروقات هنا قد تطال أي شيء يملكه الإنسان حتى حريته، وحول هذا الموضوع تدور أحداث الفيلم المغربي الجديد «غزية» للمخرج نبيل عيوش، الذي يأتي بعد سنتين على منع فيلمه «الزين يلي فيك» من العرض في المغرب، واتهامه بالإساءة إلى سمعة بلاده بسبب التعرض لموضوع الدعارة وتصويره المرأة المغربية على الشكل الذي ظهرت به في الفيلم، في حينها دافع عيوش عن فيلمه، وعما جاء فيه من مشاهد جريئة وألفاظ بذيئة، بدعوى أن الفيلم يصور شريحة ضيقة من النساء، ولا يمكن تعميم هذا على مجتمع بأكمله، كما أن لتلك الشريحة والبيئة التي تنتمي إليها ألفاظ، لا يمكن إغفالها في سينما ترصد الواقع بصدق وشفافية، بالإضافة إلى أن بداية حل أي ظاهرة مجتمعية تكون بعرضها لا بالتعتيم عليها.
ويبدو الفيلم الجديد «غزية» وكأنه جواب المخرج على كل ما مر به، وكما صرح هو سابقاً: «أن تحب وطنك لا يعني ألا توجه له الانتقاد». والحقيقة أن علاقة عيوش بالمغرب هي علاقة حب من الطراز الأول من دون أن يكون حباً أعمى، فعيوش المولود في الضواحي الباريسية من أب مغربي وأم تونسية فرنسية، اختار بملء إرادته العودة إلى المغرب، وإلى مدينة كازابلانكا تحديداً، حيث وقع في غرامها منذ عشرين عاماً ولم يغادرها منذ ذلك التاريخ، وكما صرح سابقاً في لقاء تلفزيوني:
«كازابلانكا مدينة فيها فقر، سرقة، فوضى، فساد إداري، وتلوث بيئي، ولكنها مدينة حقيقية وحية، تدير ظهرها للبحر بأنفة، ولكننا لا نستطيع أن ندير ظهرنا لها».
وحول هذه المدينة التي يعرفها جيداً، أنجز عيوش فيلمه «غزية»، وغاصت كاميراته في عمق المجتمع المغربي ومشكلاته، فجاء الفيلم كرسالة عاشق، لا تخلو من عتب لمدينته المعشوقة.
يطالعنا الفيلم بداية بمثل أمازيغي يقول: «سعداء هم من يستطيعون الحياة وفق رغباتهم»، وكأنه مقدمة لما سيدور في الفيلم في ما بعد، من صراع لشخصيات مع رغباتها المكبوتة، وما ستوجهه على أرض الواقع من محرمات سياسية واجتماعية ودينية. وقد اختار المخرج شخصيات متنوعة لا رابط بينها ولا معرفة، ولكننا سنكتشف على مدار الفيلم، أن هناك خيطاً غير مرئي يربط مصائرها وصراعها من أجل التحرر في مجتمع مغلق، رغم خداع مظاهر الانفتاح في مدينــة عصرية ككازابلانكا.
يأخذنا الفيلم بداية إلى ثمانينيات القرن الماضي وقرية نائية في جبال الأطلس، حيث يعمل المعلم «عبد الله» في مدرستها الابتدائية، وتربطه بطلابه علاقة خاصة، ولغة هي مزيج من الأمازيغية والدارجة المغربية والعربية، والأجمل أنه يعلمهم التاريخ بلغة الشعر، والجغرافيا بملامسة الطبيعة من حولهم. لكن مشروع الأستاذ التعليمي يبدأ بالتحطم عندما يصدر قرار «التعريب» بشكل مباغت وبلا أي إجراءات تحضيرية، ويُجبر الأطفال على التعلم بلغة لا يمتلكون أدواتها، ويُجبر الأساتذة على التعليم بلغة لا يمتلكون أسرارها، ومن هنا يبدأ الشرخ بين الحاضر والمستقبل، وتتحول اللغة من جسر عبور إلى سد منيع يصعب اختراقه. «ما فائدة اللغة عندما تصادر أصواتهم وما فائدة الإيمان عندما تحرمهم من الحلم؟»، سؤال يطرحه عبد الله، وسيبقى سؤاله مشرعاً طوال مدة عرض الفيلم، رغم غيابه في ما بعد عن الجزء الأكبر منه، بعد أن يغادر القرية ويضيع في مدينة كازابلانكا الواسعة.
الكاميرا ستتبع أثر المعلم في المدينة من دون أن تعثر عليه، أما زمنياً فسيقفز بنا الفيلم إلى سنة 2015، وهي السنة التي ُمنع فيها فيلم عيوش السابق، وتعرضت نساء للتهجم في الشارع بسبب لباسهن، كما تعرض مثليون للضرب المبرح، بسبب ميولهم الجنسية، وهو أيضاً زمن الثورات العربية، والعام الذي سبق مقتل بائع السمك محسن فكري، وما تبع ذلك من احتجاجات شعبية وحراك ريفي. هذا ربما كان السبب وراء اختيار عيوش لـ2015 لندخل عبرها إلى مدينة كازابلانكا، وعوالم شخصياته التي تعيش على هامش المدينة وإيقاعها، رغم أنها تعيش في قلبها، وهي أربع شخصيات رئيسية:
حكيم وجوزيف وإيناس وسليمى.
«حكيم» هو ابن «مدن صفيح» كازابلانكا، في النهار يعمل نجارا يُعشّق الخشب، وفي الليل يغني ويحلم بأن يصبح «فريدي ميركوري» المغرب، أي مغني فرقة «كوين» الإنكليزية، المعروف بالإضافة لأغنيته « أريد ان أكون حراً» بمثليته الجنسية وموته لاحقاً بمرض الايدز، وكأن اختيار المخرج لهذا الأيقونة الموسيقية إشارة مبطنة لمثلية بطله «حكيم»، التي تظل غامضة ومستترة، ولكننا نلمسها من خلال السخرية التي يتعرض لها «حكيم» من قبل أطفال الحي، أو من خلال مقاطعة والده له. ورغم أن المدينة لفظت «حكيم» إلى أطرافها البائسة، إلا أنه سيغني لها في الفيلم أغنية ساحرة هي «كازابلانكا»، المأخوذة من الفرقة الصاعدة «أسيف ميلودي»، التي منحها الفيلم شهرة إضافية، بعد أن تحولت الأغنية إلى شارة الفيلم الرئيسية.
على الطرف النقيض لحكيم ولكن ليس بعيداً عنه، كما هو حال الأحياء الغنية التي تجاور دائماً «أحياء الفقراء» في كازابلانكا، هناك «إيناس»، الفتاة البورجوازية المراهقة، التي تعيش غربة حقيقية في منزلها وفي مدينتها، وفي حالة بحث عن هويتها الجنسية وجذورها في قلب مجتمع مغربي شعبي، لا تتواصل معه ولا تتكلم لغته «الدارجة» إلا من خلال خادمة المنزل. ثم هناك «جوزيف» الذي بدوره ينتمي لأقلية، دينية هذه المرة، فهو واحد من اليهود المغاربة القلائل الذين اختاروا البقاء في المدينة، حيث يمتلك واحداً من مطاعمها الفاخرة، ويعمل لديه النادل «الياس»، الأمازيغي الساذج، الذي يعيش المدينة من خارج الواقع، وكأنها خيال سينمائي، فلا يتوقف عن مشاهدة فيلم «كازابلانكا» الهوليوودي، وحفظ حوارات الممثلين عن ظهر قلب. حاله كحال «جوزيف» الذي يعيش غريباً أيضاً يضاً ىىىفي قلب مدينته، فحتى العاهرة تأنف من مضاجعته وتغادر منزله متنازلة عن نقوده، عندما تكتشف يهوديته.
أما الشخصية المحورية الأخيرة في الفيلم فهي «سليمى»، المرأة المتزوجة الشابة والتي تتعرض للاضطهاد من قبل زوجها، كما تتعرض للتحرش اللفظي في شوارع ترفض لباسها المكشوف الساقين، وهي بالإضافة إلى صراعها مع مجتمع يرفض أنوثتها وحريتها، تعيش صراعاً داخلياً بين الاحتفاظ بجنينها أو الهروب بعيداً عن كل شيء. وكأنها على خيط رفيع تراقص الممنوع من كل صوب، مسكونة بآلاف الشياطين المتمردة.
وسنراها لاحقاً ترقص فعلياً في حفلات شعوذة وطرد للشياطين، التي تقيمها «إيتو» الأرملة الأمازيغية العجوز، التي تركت قريتها الأطلسية بحثاً عن حبيب هرب إلى كازابلانكا قبل ثلاثين سنة، ولم تعثر عليه أبداً.
وسنكتشف لاحقاً أن الحبيب هو معلم المدرسة، الذي ظهر في بداية الفيلم، كما أن «إيتو» هي والدة النادل «إلياس»، الذي بدوره كان تلميذاً للمعلم عبد الله، وبفضله اكتشف جماليات اللغة، التي كانت تقرط لسانه قبلاً. وهكذا يبدو المعلم الغائب وكأنه الحاضر الأكبر في الفيلم، حوله ومن خلاله تلتقي الشخصيات جميعها، أما كيف ستلتقي الشخصيات فعلياً في الفيلم؟ فهذه هي الحبكة التي سينهي بها المخرج فيلمه، ففي حفلة يقيمها أحد المراهقين الأثرياء، ستحضر «إيناس» كصديقة، وسيحضر «حكيم» كعازف في الفرقة الموسيقية، وسيكون «جوزيف» مورد الحفلة ومنظمها.
وسيبدو كل شيء طبيعياً إلى أن يبدأ المراهقون بالسخرية من مغنية الفرقة الشعبية، فيشعر «حكيم» بالإهانة، وتحصل مشادة كلامية تنتهي بأن ينفجر كل القهر الاجتماعي المتراكم في داخله، كبركان يلتهم كل من يقف في طريقه. وهو انفجار يبدو حتمياً في سياق سينمائي وواقعي أيضاً بين طبقة منغمسة بالثروة والسلطة، وطبقة مسحوقة ومعدمة.
أما اليهودي «جوزيف» فسيكتفي بالمشاهدة الحيادية، وكأنه يتابع دوره في الحياة كمشاهد سلبي، أو بمعنى دعهم يتقاتلون في ما بينهم فإن لم نربح شيئاً، فلا شك في أننا لن نخسر أيضاً. وخارج الجدران الأربعة لفيلا الأثرياء، سيحدث بشكل مواز حراك شعبي، وسيهتف المحتجون للمغرب مطالبين بالعدالة الاجتماعية، وستمر «سليمى» عابرة على الشاشة، تراقب من نافذة سيارة الأجرة ما يجري في شارع، لطالما رفضها واعتدى مارته لفظياً عليها. ولكن الكاميرا ستلتقط بين الوجوه الثائرة وجه «إيتو» العجوز التي بدأت ثورتها من أجل الحب قبل ثلاثين سنة. أما المعلم فنراه من الخلف، يجلس على كرسيه الذي صنعه له النجار المغني «حكيم»، ويراقب من خلال النافذة طلابه الصغار، الذين خرجوا اليوم يطالبون بحقوقهم المسلوبة.
وكأن مشكلة التعليم التي بدأ بها الفيلم، ظهرت نتائجها بعد ثلاثين سنة، في جيل يعجز عن فهم نفسه وفهم مجتمعه، مادام فقد اللغة والهويـــة.
كان يمكن ان ينتهي الفيلم هنـــــا، وكأنه نبوءة لما حدث مؤخراً في المغرب من حراك ريفي 2017، لكن المخرج اختار نهاية أخرى، فبطلته «سليمى» تظهر في اللقطة الأخيرة مرتدية لباس البحر الذي يتكور حول بطنها المستدير، وقد اختارت الاحتفاظ بالجنين، من غير أن تحتفظ بزواجها التعيس.
تلتقطها الكاميرا من الخلف وقد رمت كل شيء وراءها واتجهت نحو الزرق الكبير، حيث لا حدود للحلم ولا حأزرق الكبير، حيث لا حدود للحلم والحرية.
وهكذا تتقاطع في نهاية الفيلم مصائر شخصياته كما تتقاطع أحلامهم الصغيرة مع حلم جمعي كبير، فالحرية الشخصية لا تنفصل عن الحرية العامة. وتبقى الشخصية المحورية الأهم في الفيلم هي «كازابلانكا»، التي تبدو في صورة مغايرة تماماً لصورتها في الفيلم الشهير الذي حمل اسمها، وصور في سنة 1942 في هوليوود، وكأن نبيل عيوش أراد ان يقول:
هذه كازابلانكا التي نعيشها اليوم، بكامل فسيفسائها وجماليتها وتناقضاتها، هذه هي النسخة الحقيقية للمدينة، نسخة تنبض بالانكسارات والانتصارات الصغيرة، ولكنها تنبض بالحياة أيضاً. هذه هي أحلام المدينة بعيداً عن أحلام هوليوود.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*