شارل حلو واتفاق القاهرة

بقلم أمين الياس
24052018
monliban.org

إذا اعتبرنا أن انطلاق الحروب في لبنان لم يكن في 13 نيسان 1975 بل في العام 1969 أي سنة التوقيع على “اتفاق القاهرة” بين الدولة اللبنانية (ممثّلة بالعماد إميل البستاني) ومنظّمة التحرير الفلسطينية (ممثّلة بياسر عرفات) –هذا العام الذي شهد بداية المواجهات المسلحة بين الجيش اللبناني والفصائل المسلّحة الفلسطينية– يمكننا القول إن كتاب الأستاذ جو خوري الحلو لهو قطعة تاريخية أساسيَّة من تاريخ حروب لبنان.
يتمحور هذا الكتاب حول اتفاق القاهرة وظروفه وتداعياته. أهميته أنه يتطرق إلى مرحلة مفصلية كان ولا يزال لها الأثر الكبير على سيرورة الكيان اللبناني.
في قراءتنا لهذا الكتاب المميّز، سوف نركّز على محاور أربع: أزمة الطبقة السياسية التقليدية المارونية، وأزمة قادة الإسلام السياسي في لبنان، وتداعيات هاتين الأزمتين على الكيان اللبناني الذي باتت استمراريته موضع شك، وصولًا للتفكير بتقسيمه ووضعه تحت الوصاية الدولية. وقد تفجّرت كل هذه الأزمات بسبب السلاح الفلسطيني الذي تمّ تشريع حركته في اتفاق القاهرة موضوع هذا الكتاب.
أزمة التقليد السياسي الماروني
في الوقت الذي كان جزء من الدولة اللبنانية، ممثّل بموقف الرئيس شارل الحلو، حاسم في موقفه من السلاح الفلسطيني داعم للجيش في تحركاته، كان جزء آخر من الدولة إمَّا مساندًا للسلاح الفلسطيني ضد منطق الدولة اللبنانيَّة، وإمَّا رمادي الموقف بما تعبّر عنه هذه الرمادية من أزمة عميقة.
طيلة أزمة العام 1969، تحاشى ريمون إدّه اتخاذ موقف من مسألة الفدائيين. يقول الكاتب: “كان يركّز اهتماماته على الدولة الإسرائيلية ومناوراتها، ويوجّه لومه العنيف إلى الجيش اللبناني بسبب الاعتداء على مطار بيروت (الذي شنّته القوّات الخاصة الإسرائيلية في 28 كانون الأول من العام 1968 وأدّى إلى تدمير جزء كبير من أسطول شركة طيران الشرق الأوسط)، [ولا يتردّد الكاتب في القول بأن إدّه] كان في قرارة نفسه ضد حرّية العمل الفدائي في لبنان، غير أنه لم يرد الكشف عن موقفه”.
بالمقابل بيار الجميّل حاول التوفيق بين مقاربتين، “من جهة أيّد التفاوض للوصول إلى تسوية وفي الوقت نفسه قام بتعبئة حزبه لمواجهة أي اعتداء من جانب المسلمين والفلسطينيين للاستيلاء على السلطة بالقوة” (ص128).
كانت أزمة القيادة المارونية المتمثّلة بالحلف الثلاثي آنذاك تتلخّص بالتالي: من جهة، الكتلة الشعبية المسيحية هي بغالبيتها الكبرى مع رئيس الجمهورية حلو في رفض السلاح الفدائي. من جهة ثانية، فإن المسلمين، كتلة شعبية وقيادات، هم بغالبيتهم مع السلاح الفلسطيني كمقاومة ضد إسرائيل وكثورة في لبنان. من جهة ثالثة، كان هناك قرار أميركي-فرنسي رافضًا تمامًا لأي دعم عسكري لمسيحيي لبنان بوجه السلاح الفلسطيني الفدائي.
الرئيس شهاب كان، بحسب وصف الرئيس حلو، رجل مبادئ، غير انّه في تعامله مع الفدائيين كان “أسير واقعيته التي تقوده للقبول بتسوية تؤمن استقرارًا قصير المدى”. يستدرك الرئيس حلو معلّقًا على موقف شهاب ليقول: “إن شهاب غير مدرك انه لا توجد تسوية مع الفدائيين لا تشكّل استسلامًا”. (ص138). كان الرئيس شهاب يعتقد أن وجود الفلسطينيين السياسي في لبنان بات امرًا واقعًا، لكنه كان يأمل في إمكانية ان يتمّ “وضع سلاحهم تحت سيطرة الجيش اللبناني ضمن نطاق تسوية وطنية على قاعدة لا غالب ولا مغلوب”. (ص 141). لكنّ الرئيس حلو لم يكن بتاتًا مقتنعًا بهذا الرأي، إذ لم ير في أي تسوية مع الفصائل الفلسطينية المسلحة إلا نتيجة واحدة ألا وهي “زوال لبنان”. وعليه بات الرجلان على خلاف واضح فيما خصّ موضوع التسوية مع السلاح الفلسطيني: الرئيس حلو من غير الوارد لديه القيام باتفاق مع السلاح الفلسطيني، أما لرئيس شهاب فكان يرى في الاتفاق ضرورة لوضعه تحت سيطرة الجيش اللبناني.
من ناحيته، يبدو الرئيس شمعون في هذا الكتاب متقلّبًا بين موقفين، أول يهاجم فيه الجيش اللبناني خاصة بعد الغارة الإسرائيلية على مطار بيروت، وثان يظهر فيه فاهمًا للمعضلة التي يمرّ بها لبنان ومؤيّدًا سياسة الرئيس الحول إزاء السلاح الفلسطيني.
أمَّا ريمون إدّه فيظهر متأرجحًا بين موقف متفهّم لسياسة الرئيس حلو وداعم له في السرّ، ومزايدًا في العلن في دعم القضية الفلسطينية ومهاجمًا لأداء الجيش اللبناني، ورافضًا لاتخاذ موقف داعم للرئيس حلو في العلن. من هنا لم يتردّد السفير دوايت بورتر، بحسب مذكرته في هذا الكتاب، بوصف تصرّف إدّه بـ”الأبله” لما يتحتويه هذا التصرّف من تناقض غير مفهوم.
الشرخ الوطني الكبير
كان من الواضح أن اللبنانيين باتوا على ضفتي شرخ كبير. شرخ لن يجد ترجمته الفعلية إلا “بالنزاع الداخلي” الذي رآه كل من شمعون وإده والجميل في لقاء لهم مع الرئيس حلو “سهل الحدوث”. لم يعد المسلمون آنذاك يرون في الدولة اللبنانية او في الجيش اللبناني او في الرئيس اللبناني إلا دولة وجيش ورئيس الموارنة، وذلك بسبب موقف الرئيس حلو المتصلّب إزاء الفدائيين ونشاطهم في لبنان. هذا ما لمسه ريمون إده في اجتماع له مع مفتي الجمهورية حسن خالد في 2 حزيران 1969. لم يكن المسلمون آنذاك يدركون، أو أنهم لو يريدوا أن يدركوا،ان موقفهم الداعم بشكل مطلق للفلسطينيين على حساب سيادة بلدهم واستقلاله هي سبب أساسي في تصلب الكتلة المسيحية وارتفاع نبرتها المدافعة عن الكيان، سيادة واستقلالًا وأمنًا.
من ناحية ثانية، يبدو القادة المسلمون في هذا الكتاب وكأنهم أيضًا يواجهون أزمة مستعصية والتي ينقلها الكاتب عن تقرير للسفير الأميركي بورتر بشكل دقيق: “جميع المسلمين، حتى ولو كانوا يؤيّدون في مجالسهم الخاصة وجهة نظر حلو، لا يستطيعون ان يتبنوا علنًا أفكاره المناهضة للفدائيين”. لقد وقع القادة المسلمون تحت نير المزايدة الشعبوية فيما خصّ القضية الفلسطينية. ما جعلهم أسرى الشارع منقادين لسيكولوجية غالبية الجمهور المسلم في لبنان. يقول الكاتب موضحًا هذا الأمر: “كانت الجماهير الشعبية المتعصبة للقضية العربية-الإسلامية، وبالتالي لمصلحة القضية المقدسة، في إنطلاقة جامحة مستعدة للقيام بالمستحيل كي لا تمسّ شعرة واحدة من ابطال تلك اللحظة. وكانت الأحزاب المسماة يسارية تؤجّج هذه الانفعالات خاصة لدى الجماهير السنية. فلم يكن باستطاعة القادة إلا ان يتبعوا هذه الحركة”. (ص 147).
وقد يكون من أبرز المؤشرات على استحالة الحوار المسيحي الإسلامي حول موضوع السلاح الفلسطيني إنما هو موقف الرئيس صبري حمادة من رفضه لأن يكون مجلس النواب مساحة للتداول في أزمة السلاح الفلسطيني في لبنان، إذ كان يردّد حمادة: “لا أمل في تقريب وجهات النظر”. (ص 144).
يأتي اجتماع دار الفتوى في 23 تشرين الأول 1969 والمؤتمر الإسلامي العام في 25 تشرين الاول 1969 ليحسما التوجّه الإسلامي في لبنان ضد الرئيس حلو وخطابه. في الاجتماع الأول حيث التقى كل من المفتى حسن خالد، والإمام موسى الصدر، والشيخ محمد أبو شقرا، والرؤساء صبري حمادة ورشيد كرامي وعبد الله اليافي وحسين العويني وعمر الداعوق والوزير عثمان الدنا، تمت المطالبة بإتخاذ “الخطوات الفورية الكفيلة بوقف الاجراءات العسكرية ضد إخواننا الفدائيين المناضلين […] وتوجيه نداء إلى أبناء الجنوب البواسل […] إكبارًا لبطولاتهم وتأييدًا لمطالبتهم الوطنية في التحصين والتسلح للدفاع عن أرض الوطن والمشاركة الفعّالة في تحرير فلسطين”. أما في الاجتماع الثاني فقد طالب المجتمعون جهارًا بـ”وقف الإجراءات العسكرية ضد العمل الفدائي”، و”إطلاق حرية العمل الفدائي”.
وجدانيًّا وبسيكولوجيًّا كانت الجماهير الإسلامية متعطّشة للثأر من هزيمة العام 1967، وهي لم تكن ترى إمكانية لهذا الثأر إلا من خلال المقاومة الفلسطينية المسلحة. من هنا كان تأييدها لهذه المقاومة مطلقًا يرتبط ليس فقط بالبسيكولوجية العربية-الإسلامية بل أيضًا بالعامل الديني.
اما من ناحية اليسار اللبناني فقد كان يرى في هذه المقاومة سبيلًا لثورته على النظام اللبناني، وجاء كمال جنبلاط، الذي نجح في جمع كل الحركات اليسارية في جبهة واحدة، ليجعل من هذه المقاومة رأس حربة لما كان يسميه مشروع التقدمية الثورية الاشتراكية.
خبث الدول العربية
بعد أحداث العام 1969 بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية، وقفت الدول العربية كافة إلى جانب الفلسطينيين، بينما كانت هي تمارس أشد أنواع القمع على الفلسطينيين المتواجدين على أراضيها. كان الموقف العربي واضحًا من أزمة الفدائيين الفلسطينيين في لبنان: فليمتص لبنان هذا الشتات الفلسطيني بكل فوضاه وسلاحه ونقمته وثورته، وليدفع لبنان ثمن الأزمة الفسطينية. المهم أن يبقى الهمّ والفوضى الفلسطينية بعيدين عن الكيانات العربية، وللفلسطينيين كل الدعم من سلاح ومال وسياسة ودبلوماسية.
في العودة عن لبنان الكبير
كان المواقف الإسلامي قد بدأ يحث بعض المسيحيين على “التفكير بلبنان أصغر”، لبنان يحاكي لبنان الصغير الذي كان موجودًا قبل الأول من أيلول 1920. إذ حين استحال الحل مع الشريك المسلم، بات الحلّ هو بالعودة عن لبنان الكبير إلى لبنان ذات الغالبية المسيحية. وقد جاءت عزلة الرئيس حلو لتعزيز هذا التوجّه,
لقد وجد الرئيس حول نفسه معزولًا. مارونية سياسية تسعى لحفظ ما يمكن من خلال سياسة واقعية تقول بوجوب التسوية مع مسلمي لبنان وبالتالي مع المقاومة الفلسطينية المسلحة بما يؤخّر الانفجار الداخلي ويعطي لبنان فرصة لأخذ أنفاسه؛ ويسار لبناني مؤدلج يقوم على منطق تأليه الثورة غير مدرك أن الثورة الوطنية لا تكون بسلاح خارجي وبعناصر غير وطنية؛ وإسلام لبناني نهم للثأر والانتقام، ثأر لن يكون إلا على حساب لبنان الكيان والدولة والميثاق؛ وعالم عربي “خبيث” يدعم الفلسطينيين في لبنان ويقمعهم عنده ضمن سياسة “فلنبعد شرهم عنا”؛ وغرب لديه مصالح أكثر، وفق عبارة الرئيس حلو، مع اعداء لبنان، فكان التخلي الاميركي والفرنسي عن لبنان وتركه يواجه وحيدًا ثمن القضية الفلسطينية.
لم يبق امام الرئيس الحلو إلا حلًا واحدًا، خاصة بعد أنْ لاحظ أنَّ لكلّ “من مكوّنات البلد مفهومًا للقيم الوطنية مغايرًا كليًّا لمفهوم المكوّن الآخر، لاسيما لجهة ما يتعلّق بالوجود الفلسطيني المسلّح”. يقول الكاتب بمرارة: “أيقن حلو بشكل نهائي بأن البلد يتعذّر حكمه”. فما كان منه إلا أنْ بدأ التفكير بتقسيم لبنان كحلّ على “الطريقة القبرصية” (المعروف أن قبرص مقسمة بين جزء قبرصي يوناني، وجزء قبرصي تركي، يفصل بينهما حزام تديره الأمم المتحدة).
لقد رأى الرئيس حول أنَّ تشابه الحالتين القبرصيَّة واللبنانيَّة يجب أنْ يدفع بالامم المتحدة لتبنّي تقسيمًا للبنان مشابهًا لتقسيم قبرص، بحيث يصبح لبنان تحت وصاية الامم المتحدة، على أن تقوم الجزر الطائفيَّة فيه بإدارة شؤونها الذاتيَّة. غير أن مساعي الرئيس حلو ذهبت أدراج الرياح حين صرّح الامين العام للأمم المتحدة يو ثانت أن “إجراءً كهذا لم يكن في محله، إذ بالاستناد إلى القانون الدولي العام، لا يوضع تحت الوصاية الدولية إلا إقليم لم يتكوّن بعد ليصبح دولة اعلن استقلالها”. وهكذا تُرك لبنان ليواجه مصيره بالتفكك والتشظي والذي كان مدخله تسوية “اتفاق القاهرة” الذي تمّ بحسب الكاتب بـ”الإكراه”.
السؤال الكبير
يبقى السؤال الكبير عند قراءة كتاب من وزن هذا الكتاب. لماذا يواجه لبنان بشكل متكرّر أزمات تدفع بأهليه للوقوف على طرفي شرخ غير قابل للاجتياز ما يدفع بعضهم لإعادة التفكير بلبنان الكبير؟
السؤال الذي يلي هذا السؤال هو: كيف يمكن التوفيق بين لبنان الكيان والدولة والميثاق ومشاريع تتخطى حدوده مهما كانت عناوينها؟ وكيف يمكن التوفيق بين وطنية لبنانية وتوجهات عابرة للوطن أكانت قومية عربية أم سورية أم دينية إسلامية؟
كيف يمكن للبنانيين الذين ارتضوا في ميثاق العام 1943 أن يخوضوا مغامرة العيش معًا أن يذهبوا أبعد في مغامرتهم محافظين على حرياتهم وسيادتهم واستقلالهم.
أسئلة ليس بمقدور أحد غير اللبنانيين الإجابة عليها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*