كتاب “الفرنسيسكان والموارنة” للأب حليم نجيم: وثائق فريدة… و”هندية” “أقامت الدنيا”

هالة حمصي
النهار
20042018


كتاب “الفرنسيسكان الموارنة” للاب حليم نجيم.

“الفرنسيسكان والموارنة- الجزء الثاني” بحث تاريخي فرنسيسكاني ماروني استثنائي، مرجع مهم جدا، مثير في وقائعه ومعلوماته ومخطوطاته، استغرق انجازه نحو 10 سنوات. وثائق يخرجها الاب حليم نجيم الماروني الفرنسيسكاني(1) من علبها، واحداها تتعلق بالراهبة “هندية” التي شغلت الكنيسة المارونية ولبنان والفاتيكان باخبارها في القرن الثامن عشر، و”تُنشَر للمرة الاولى”. مراسلات ينفض عنها الغبار للإضاءة على قضايا ملحة في حقبات زمنية غابرة. اسماء ووجوه رهبانية وكنسية يعيد اليها الحياة بعد قرون على غيابها. احداث وتواريخ يؤطّرها، ليعيطها البعد والمعنى.

528 صفحة مشوّقة، رحلة بين لبنان والقدس وقبرص الفاتيكان، تفتح ابوابا دهرية مثيرة جدا للاهتمام. بين الضفتين، احداث “وقعت في الكنيسة المارونية” ابتداء من العام 1516 الى اواخر القرن التاسع عشر، و”ابطالها هم الموارنة والرهبان الفرنسيسكان”، على قول نجيم. الاحداث التي وقعت بين 1233 و1516، وتمثل بداية اتصال الفرنسيسكان بالموارنة، كان جمعها في جزء اوّل يقع في 190 صفحة، ونشره العام 2009 في الذكرى الـ800 لتأسيس الرهبانية الفرنسيسكانية (رهبانية الاخوة الاصاغر، 1209- 2009).

في هذا الجزء الثاني(2) الصادر في الذكرى الـ800 للوجود الفرنسيسكاني في الشرق (1217-2017)، يواصل نجيم، عبر بحر اوراقه، عملية التوثيق والتأريخ، بما امكنه الحصول عليه من “السلسلة التاريخية –الوثائقية التي تحتوي على تاريخ حراسة الاراضي المقدسة، ومن ارشيف حراسة الاراضي المقدسة في القدس (ترَّاسانطة)، ومن الكرسي الرسولي والبطريركية المارونية، في لغتها الاصلية، ومع ترجمتها الى العربية”، اضافة الى “دراسات اجراها بعض البحاثين، ويوميات دوّنها رؤساء اديرة فرنسيسكانية لعبت دورا مهما في تلك الفترة”.

تاريخ موجز 

للمرة الاولى، يتم تناول العلاقات المارونية –الفرنسيسكانية في هذا الشكل وبهذا الوسع. المحور في كل هذا “المورانة الذين يمثلون جلّ اهتمام الفرنسيسكان بطريقة مباشرة او غير مباشرة”، على قول نجيم. البحث يقدم، في جزئيه، “تاريخا موجزا للعلاقات بين فرنسيسكان حراسة الاراضي المقدسة والموارنة، علاقات تدور حول محور الايمان والعقيدة الدينية وربطهما بالكنيسة الرومانية الكاثوليكية”.

الاب حليم نجيم خلال حديثه الى “النهار”.

قسمان في الكتاب، 16 فصلا… و3 فئات من الوثائق: فئة تتكلم على “الانسجام والتعاون بين الموارنة والفرنسيسكان”، وثانية تعرض مشاكل وانقسامات حصلت في الكنيسة المارونية، “وفي معظمها كان الفرنسيسكان المندوبين البابويين المخولين حلّها”. وثالثة تتكلم على خلافات بين الموارنة والفرنسيسكان.

العلاقة المارونية-الفرنسيسكانية تحت الضوء بامتياز. والبداية من عهد البطريرك موسى سعادة العكاري (1524-1567) الذي يطلب من البابا بولس الثالث رهبانا فرنسيسكانيين لمساعدة الموارنة “في تأسيس مدرسة في جبل لبنان”. ازمة خطيرة في الكنيسة المارونية بسبب “مواقف اسقف قبرص جورج البسلوقيتي”: “تزوير” اوراق بطريركية وتلاعب… واستدعت الظروف ان يستعين البطريرك بحارس الاراضي المقدسة للتدخل لدى الفاتيكان.

واضحة الوساطة التي اداها حراس الاراضي المقدسة، على مرّ العقود، في التثبيت الفاتيكاني للبطاركة الموارنة. تجاه “حرتقات” موارنة قبرص ضد البطريرك ميشيل الرزي (1567-1581)، كان ايضا للفرنسيسكان الفضل في تبييض صفحته، والدفاع عن الموارنة لدى الفاتيكان وتقريبهم منه. ونجدهم ايضا يتدخلون لاعادة كنيسة الى الموارنة في قبرص، اثر مشاكل مع الروم الارثوذكس. تعاون مشترك في حلب. ويستقبلهم الموارنة في عقر دارهم بإهدن (1632)، مقدمين اليهم ديرا بموجب مرسوم وقعه البطريرك يوحنا مخلوف الاهدني (1609-1634). وفي ساعة الضيق، لم يجد البطريرك جرجس عميرة (1634-1644) مناصا من طلب المعونة من حراسة الاراضي المقدسة.

خلافات، صراع على السلطة 

علاقات ودّ وتعاون وتقدير بين الموارنة والفرنسيسكان. لكنها لم تستمر طويلا في عهد البطريرك اسطفان الدويهي (1670-1704). بلبلة واحتجاجات حول تسليم كنيسة الموارنة في دمشق الى الفرنسيسكان، مراسلات بين البطريركية والحراسة… وانتهى الامر باعادة الكنيسة الى الموارنة (1718). والخصام اشتد اثر طلب البطريرك ان يتبع الموارنة في القدس وفلسطين الطقس الماروني في تحديد تاريخ عيد الفصح، وان يخضعوا له، اضافة الى حصوله على العشر منهم… انتقادات ومآخذ متبادلة، خلاف تعقّد وكبر وبلغت اصداؤه الفاتيكان. وانتهى باعلان اتفاق بين البطريرك والفرنسيسكان (1700).

جوهر الخلاف، على ما يقول نجيم، “صراع على السلطة وتحديد صلاحيات كل من الفريقين على موارنة القدس وفلسطين. وتسديد العشر الكنسي كان البرهان على مدى نجاح كل منهما”. رغم هذه الاجواء، وجد احداثا “تدلّ على عكس ما تظهره هذه الخلافات، وتبرهن ان التعاون بين الفريقين لم ينقطع بتاتا. وهذا برهان على ان التواصل بين الطرفين كان ينقصه الحوار المباشر والصراحة بين الطرفين”.

بانكبابه على الوثائق الرهبانية والكنسية وسرده الاحداث في ضوئها، يستنتج ان “العلاقات بين الكنيسة المارونية والرهبان الفرنسيسكان تأرجحت بين كرّ وفرّ، ولم تدم فترة طويلة على وتيرة واحدة، لا بل نراها تتسم بالتعاون ومساندة المحتاج، مهما اختلف الرؤساء”. ويصارح ان “السبب يقع على ازدواجية المرجعية وتشعباتها وعدم التنظيم والتنسيق بين الموارنة والفرنسيسكان. انها اختلافات جوهرية. وكان في الامكان ان تُحَلّ بالتروي والتأني والحوار والمحبة… لكن يظهر ان الجانبين لم يتركا مجالا للحوار”.

الراهبة “هندية” 

“الموارنة في القرن الثامن عشر”. الرحلة مع نجيم تغوص اكثر في احداث اخرى “هزّت” الكنيسة المارونية و”زعزعتها”، والدور الاساسي الذي لعبه الرهبان الفرنسيسكان “لاعادة الامور الى مجاريها، بتكليف من الكرسي الرسولي”: اقالة مطارنة موارنة البطريرك يعقوب عواد، ثم اعادته الى كرسيه (1713)، بعد تكليف الفاتيكان حارس الاراضي المقدسة المهمّة. انقعاد المجمع الماروني (1736)، “لوضع حد لبعض التجاوزات في الكنيسة”، في حضور الحارس.

ازمات متأججة في الكنيسة المارونية. وابرز احداثها، انقسام المطارنة الموارنة قسمين، وانتخاب كل منهما بطريركا (1742). ويفيد نجيم ان “الفاتيكان تدخل مجددا، وانتدب حارس الاراضي المقدسة ليتولى مهمة الغاء انتخاب البطريركين، وتنصيب المطران سمعان عواد بطريركا”. وحصل ذلك في دير الفرنسيسكان في حريصا (1743). بعد عام، (1745)، كان الفرنسيسكان مجددا وسطاء في ازمة انقسام جديد في الكنيسة. “وانتهت بحسم القضية وتقسيم الرهبانية المارونية قسمين غير متوازين”.

وتبقى الخضّة الاكبر الراهبة حنة العجيمي المعروفة بـ”هندية” (1720-1798). في كتابه، ينشر نجيم صفحات عديدة من يوميات دير الفرنسيسكان في حريصا، تتكلم على هذه الراهبة التي “اسست رهبانية خاصة بها، وادعت انها متحدة بالمسيح كأنه يتكلم بلسانها. وقام حولها جدل كبير كاد يتسبب بانشقاق كبير في الكنيسة يدكّ اساسها”، على ما يفيد، وأجبر الفاتيكان على التدخل مجددا.

قصة “هندية” على وسع 8 فصول على الاقل. تشويق في اوراق نجيم، درامية تفرضها تطورات تلك الحقبة الزمنية. “استندتُ خصوصا الى يوميات دير الفرنسيسكان في حريصا، والتي تعطي صورة واضحة عن وضع هندية يومذاك، والتطورات التي حصلت، وتدخل الفاتيكان من خلال مندوبين له عيّنهم البابا. كانت الكنيسة المارونية على شفير الانشقاق بسببها”، على قوله لـ”النهار”.

مع “هندية”، اصبحت الاجواء مشحونة جدا. “لقد اقامت الدنيا في زمانها ولم تقعدها”، بتعبيره. يستحضر شخصيتها الغامضة، القوية، “وكان تأثيرها كبيرا، خصوصا على البطريرك يوسف اسطفان”، على قوله. يعرض ايضا “بعض آرائها ومعتقداتها ورؤاها وتصرفاتها الغريبة”. ما يكشفه من يوميات ديرية فرنسيسكانية شريط مهم من الوقائع الآسرة، بتعقيدها وتفاصيلها وتصاعدها الدراماتيكي الوخيم. وكان الفرنسيسكان على الخط مجددا، مع تعيين البابا بندكتس الرابع عشر راهبا فرنسيسكانيا مندوبا له في هذه القضية الخطيرة جدا.

الاحداث الجسيمة تستوجب القراءة حتى آخر حرف. كل معلومة مهمة، وكل تفصيل ضروري. التاريخ هنا له ثقله. “لعل التذكير بمثل هذه الاحداث يكون لنا عبرة ودرسا وامثولة لحسن التصرف في الحاضر والمستقبل”، على قول نجيم. ختاما، “علينا الا نستغرب شيئا، لاننا نسمع في هذه الايام ايضا اشخاصا يرددون بافتخار ما كانت هندية تقوله في تلك الفترة من الزمن، مدعية انه من وحي المسيح لها”.

القرنان الثامن عشر والتاسع عشر، وفصلان اخيران. الخلافات بين الموارنة والفرنسيسكان تستمر في هذين القرنين، على ما يبيّن الكتاب. العلاقات توتّرت مجددا، خصوصا في فلسطين والقدس وعكا والناصرة، وايضا قبرص ومصر. شكاوى واتهامات متبادلة، تضارب في السلطات، “سوء فهم”، العشر… ايا يكن، “الموارنة بقوا، في خضم هذه الاحداث، متمسكين بالولاء للفاتيكان والحبر الاعظم الجالس على كرسي القديس بطرس. كذلك، لم تبعد هذه الاحداث الفرنسيسكان عن الموارنة، بل ربطوا مصيرهم بمصير الموارنة. كان الواحد بحاجة الى الآخر”، على قول نجيم. ويخلص: “مهما احتد الخلاف بين الجانبين، فان حبل الاتصال بينهما لم ينقطع ابدا”.

(1)الاب حليم نجيم من رشعين في قضاء زغرتا. تولى مسؤوليات كبيرة عدة في الرهبانية الفرنسيسكانية: مدير سابق لكلية تراسانطة في عمان والقدس والناصرة، امين عام سابق للمدارس المسيحية في الاردن، وكيل عام سابق لحراسة الاراضي المقدسة (1992-1998)، مسؤول عام سابق لمدارس الفرنسيسكان في الشرق، امين عام سابق لمكتب المدارس الكاثوليكية لاقليم الشرق الاوسط وشمال افريقيا، رئيس سابق لاقيلم القديس بولس الرسول للفرنسيسكان (2010-2013). حائز وسام الفاتيكان تقديرا لخدماته التربوية في الاردن.

(2)الفرنسيسكان والموارنة، الاب حليم نجيم الماروني الفرنسيسكاني، دير مار انطونيوس، حريصا، 2017، منشورات حراسة الاراضي المقدسة.

hala.homsi@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*