مروان اسكندر
16 آذار 2018

لا يزال البحث عن حل لعجز الكهرباء يشغل السياسيين، فأي اصلاح جذري على صعيد خفض العجز ويبدأ في نطاق السعي الى تأمين الكهرباء للمواطنين- والكهرباء متوافرة لـ92 في المئة منهم انما بكلفة مرتفعة لان اصحاب المولدات الخاصة يملكون طاقة عاملة موازية للطاقة العاملة لدى مصلحة كهرباء لبنان، بما فيها انتاج الباخرتين المستأجرتين، ويفرضون رسوماً عالية.

الحجج التي نسمعها ونقرأ عنها تبعث على القلق. فهنالك التوجه الى استئجار باخرة أو اكثر بطاقة 800 ميغاوات لكفاية الحاجات، والحقيقة ان ربط هذه الباخرة أو البواخر لن يوفر الطاقة المتوافرة بكاملها، فالخسارة التقنية، وخسارة التيار بسبب السرقات وعدم تحصيل الفواتير أو الفوترة التي تقل عن حقيقة الاستهلاك تؤدي الى خسارة بنسبة 48 في المئة كما أكد وزير الطاقة قبل عشرة ايام وتبلغ 50 في المئة استناداً الى كتاب الاستاذ منصور بطيش عن مشكلة الكهرباء ونتائجها.

نذكر هنا ان الرئيس رفيق الحريري وفر الكهرباء على مدار الساعة للبنانيين اوائل القرن الحادي والعشرين حينما تعاقد على انجاز معملي دير عمار والزهراني بطاقة 900 ميغاوات ومعملي بعلبك وصور بطاقة 160 ميغاوات، ولم تبلغ الكلفة 1100 مليون دولار، ومعملا بعلبك وصور لا يعملان لان اعمال الصيانة لم تنجز منذ عام 2006 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

ان الخطط التعجيلية المقترحة لتوفير الكهرباء 24 ساعة يوميًا والبدء بزيادة التعرفة سعيًا الى ضبط العجز ومن ثم اطفائه يغيب عنها اعتباران وتفاعلهما في ما بينهما:

أولاً، ان معدل كلفة توفير الكيلووات / ساعة من المعامل العاملة والبواخر المستأجرة التي تعمل بنسبة 93 في المئة من طاقتها النظرية وهي نسبة أعلى بكثير من نسبة تشغيل المعامل القائمة والمتقادم عهدها، هو 23.7 سنتا للكيلووات/ ساعة (يراجع ملف دراسة اوضاع الكهرباء الذي أنجزه الاستاذ منصور بطيش منذ عام 2015). وفي رأي بطيش أن الخسارة التقنية اضافة الى السرقات وعدم تحصيل الفواتير تبلغ نسبة 50 في المئة، اما وزير الطاقة فقد حدد الخسارة بنسبة 48 في المئة.

اذا اعتمدنا مستوى كلفة الكيلووات/ ساعة الذي توصل اليه الاستاذ بطيش واحتسبنا كلفة الكيلووات/ ساعة المستهلك لدى المحتاجين الى الكهرباء والمسددين لفواتيرها، تبلغ حينئذٍ كلفة الكيلووات/ ساعة المسلم 33 سنتًا على مصلحة كهرباء لبنان، فلا عجب ان واردات مؤسسة كهرباء لبنان كانت في السنوات الاخيرة 650 مليون دولار سنويًا مقابل تكاليف مشتقات ومعاشات واصلاحات تبلغ 2.8 ملياري دولار، والفارق يحمل كديون على كاهل اللبنانيين وديون مصلحة كهرباء لبنان مع فوائدها تزيد على 32 مليار دولار.

بعد توضح المواقف الانتقادية للمشروع البديل الذي طرح عوض اللجوء الى مناقصة شفافة وشاملة لمختلف مناهج الحلول، تعدل موقف رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء أكد في حديث عرضي على التلفزيون انهم منفتحون على عروض أخرى لكنها غير متوافرة. والواقع ان الرئيس الحريري محرج في حصر المعالجة بالبواخر التركية، ذلك ان نائب رئيس “تيار المستقبل” الاستاذ سمير ضوميط هو وكيل شركة البواخر التركية، وهذا حقه كأي مواطن. لكن حصرية التعاقد من دون استدراج عروض من مصادر متعددة واخضاعها لمنهج تحققي شفاف من دون تدخل وزير الطاقة، امر ضروري للحفاظ على صدقية الدولة. والرئيس الحريري اليوم، اصبح بيضة الميزان في مختبر المحافظة على المصلحة اللبنانية، سواء منها ما يتعلق بالشأن التجهيزي البنيوي أو المعيشي أو التوازن السياسي.

يتحدث وزير الطاقة عن الانجازات ولم نشهد منها، بعد تخصيصه بـ1.2 مليار دولار، سوى استئجار باخرتين بطاقة 270 ميغاوات، وتمديد اتفاقهما الاول المنجز لثلاث سنوات، سنتين. حتى زيادة طاقة معمل الزوق 170 ميغاوات والتي توافرت اموالها منذ وقت طويل، والتي افترض انجازها منذ الصيف المنصرم، لم تنجز حتى تاريخه. يكفي ان نقارن بين ما حققه الرئيس رفيق الحريري، وكان زمن وصاية سورية يجعل الامورأصعب، وما لم تحققه وزارة الطاقة منذ عام 2005.

سعيًا الى توضيح فاعلية وزارة الطاقة منذ عام 2006 وحتى تاريخه لا بد من مراجعة دورها في حفظ مصادر المياه وتطويرها وتنقيتها، وبعض النشاط المائي كان له تأثير على توفير الكهرباء.

المياه حتى تاريخه والى حين استخراج الغاز وربما النفط بعد سبع سنوات على الاقل، كما أكدنا مرارًا وتكرارًا، هي مصدر الثروة الطبيعية الاهم في لبنان، لان المياه، ما دامت ثمة امطار متوافرة في لبنان أكثر من اي بلد شرق أوسطي باستثناء تركيا. منذ عام 2016 حققت اسرائيل كفاية ذاتية بعد انجاز أربعة معامل تحلية، واول مشروع طليعي لحفظ المياه والاستفادة من هذه الثروة وضعه المرحوم ابراهيم عبد العال، ونتج منه انجاز بحيرة القرعون وافترض ان توفر تدفق مياه الى ثلاثة معامل كهرومائية هي معمل بول ارقش المنجز في مركبا، ومعمل شارل حلو المنجز في الاولي، ومعمل ابراهيم عبد العال المنجز في جون.

ان هذه المعامل تتغذى بتدفق المياه من مسارب منجزة في سد القرعون، وطاقتها الانتاجية مجتمعة كانت توازي 15 في المئة من الطاقة العاملة لانتاج الكهرباء والتي كانت توازي 2000 ميغاوات. بكلام آخر، طاقة المعامل الثلاثة كانت توازي 300 ميغاوات، أي أكثر من طاقة الباخرتين المستأجرتين اللتين تنتجان بطاقة 270 ميغاوات يتوافر منها ما يوازي 251 ميغاوات حيث ان طاقة التشغيل توازي 93 في المئة من الطاقة النظرية وهذه نسبة جيدة.

نعود الى المعامل التي تحتاج الى تدفق المياه من بحيرة سد القرعون.

منذ 2006 أصبح من المعلوم والمخيف ان مياه سد القرعون ملوثة بالجراثيم وحتى السموم وتدفق المياه انخفض نتيجة هذا التلوث. والامر الاخطر ان المياه الآسنة تآكلت المولدات في المعامل الثلاثة، فخسرنا طاقة الانتاج الكهربائي، وربما دعا هذا الامر الى مزيد من الانتباه. والاستفادة من سدي بسري والاولي – والاخير يفترض ان يغذي بيروت بالمياه النظيفة والعمل على انجازه جار – قد لا تتوافر ما لم تعالج مسألة التلوث.

مشروع معالجة المياه والطاقة الذي أقر عام 2011 لحظ تخصيص 1973 مليون دولار لانجاز اعمال تطويرية وتصحيحية في قطاعي الكهرباء والمياه. وكانت الحصيلة انفاق 1200 مليون دولار على مشاريع الكهرباء التي انتهت باستئجار باخرتين ولم تخصص اية اموال لتنظيف بحيرة القرعون، وقد قرأنا اخيرًا ان الوزارة تنوي تخصيص ما يعادل 100 مليون دولار لمعالجة تلوث مياه الليطاني والمطلوب لانجاز معالجة التلوث وأسبابه 850 مليون دولار.

ايها اللبنانيون، رجاء ان تدركوا انجازات وزارة الطاقة التي يخبرنا عنها الوزير سيزار أبو خليل ونحن نبحث عن الانجازات، فنواجه بتلوث أهم مصدر مياه للري والشرب وكفاية حاجات العاصمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*